يتمتع بخبرات سياسية واقتصادية واسعة ويعتبر واحدًا من رجال الأعمال البارزين، لكنه مشغول طوال الوقت بإيجاد حلول جذرية ومتعمقة للمشاكل العالمية التي تواجه المقيمين على كوكب الأرض، ومنها التغييرات المناخية والهجرة.
إيلاف من القاهرة: إنه ألان ستوغا رئيس منظمة تالبرغ إلياسون للقيادة العالمية، والذي يشغل أيضًا منصب كبير المستشارين لدى مؤسسة "كيسنجر أسوشيتس"، للاستشارات الدولية، التي يرأسها وزير الخارجية الأميركي السابق، هنري كيسنجر، إضافة إلى كونه مؤسس ورئيس شركة "زيمي كوميونيكيشنز".
كما شغل ستوغا منصب كبير الخبراء الاقتصاديين في اللجنة الوطنية ثنائية الحزب في أميركا الوسطى، التي أنشأها الرئيس الأميركي الراحل رونالد ريغان. وعمل كخبير اقتصادي دولي في وزارة الخزانة الأميركية في الفترة ما بين عامي 1975و1977.
من العاصمة المصرية القاهرة، ومن مقر الجامعة الأميركية في ميدان التحرير الشهير، أطلق ستوغا جائزة القيادة العالمية للعام 2019. "إيلاف" إلتقت به في مقابلة صحافية قال فيها إن الديمقراطية وحدها لا تحقق السعادة للشعوب، مشيرًا إلى أنه لا يوجد أي ارتباط بينها وبين تحقيق التنمية الاقتصادية، فالصين من الدول الشمولية، لكنها تعتبر من أعلى دول العالم في معدلات النمو، على حد قوله.
أضاف إن نموذج الديمقراطية الغربية قد لا يكون مناسبًا للتطبيق في دول العالم العربي، موضحًا أنه يجب تطوير نماذج أخرى من الحكم تتماشي مع التاريخ والثقافة السائدة في هذه المجتمعات. وإلى تفاصيل المقابلة.
ـ لا تحظى مؤسسة تالبرغ إلياسون بتواجد في العالم العربي، لماذا؟
هذا هو سبب وجودنا في القاهرة، نحن نطمح إلى أن نكون عالميين في المجتمع الدولي الجديد. معظم المؤسسات، سواء كانت تهدف إلى الربح أم لا، عادة ما تكون لها جنسية محددة، أميركية أو صينية أو سويدية أو ألمانية. نحن لدينا فكرة مجنونة، لا نريد أن تكون مؤسستنا لديها جنسية محددة، نحن نريد أن نكون عالميين، نريد أن نكون كالبدو الرحل، نريد أن نتوجه إلى العالم كله مباشرة.
تأسست مؤسسة تالبرغ في أوائل الثمانينيات من القرن الماضي في السويد، وعندما توليت مسؤولية إدارتها منذ خمس سنوات، كان لدينا سؤال ملحّ: هل نحن سويديون أو أميركيون؟، وكانت فكرتنا تتركز على أن نكون عالميين. هذا لا يقلل من كون المؤسسة سويدية، ونحن نفخر بذلك، كما أفخر بكوني أميركيًا، وبثقافتي الأميركية، لكننا نريد أن نكون عالميين في تقديم خدماتنا ودعم القيادات في مختلف المجتمعات.
في سبيل تحقيق هدف العالمية، وخلال السنوات الأخيرة، عقدنا اجتماعات في طنجة وبوسطن والقاهرة، وسوف نتحرك إلى كينيا.
ـ ولماذا القاهرة الآن؟، وماذا يمكن أن تقدم "تالبرغ" من أجل تنمية المجتمعات العربية ودعم القيادة فيها؟
مصر هي مركز العالم العربي، والقاهرة هي مركز ثقافي وحضاري مهم جدًا. وإذا كنا نريد أن نشتبك مع العالم العربي، فيجب أن نبدأ من هنا، والخليج يأتي في مرحلة لاحقة. نحن لا نعمل بالطريقة القديمة، التي تحتاج إنشاء مكاتب هنا في القاهرة، وأخرى في طنجة ودول الخليج العربي وكل مكان نذهب إليه، لكننا نريد إيجاد شركاء، وليس إقامة مكاتب. ولذلك فإن السفير نبيل فهمي (وزير خارجية مصر السابق) هو أحد المتعاونين معنا، والجامعة الأميركية في القاهرة شريك أساسي لنا.
في الوقت الراهن ليست لدينا مشروعات في القاهرة أو العالم العربي، ولكن لدينا السفير نبيل فهمي، هو أحد المتعاونين معنا، وهو أحد المحكمين لجائزة تالبرغ الدولية للقيادة. ونحن نستثمر الكثير من الموارد في العالم، لخلق قيادات واعية ومبتكرة، تعمل بمفهوم عالمي. نحن نبحث ونحاول الوصول إلى قيادات رشيدة في مختلف المجتمعات. وعندما أتحدث عن القيادة، لا أعني القادة السياسيين، وإنما أتحدث عن قيادة في شتى المجالات، ومفهوم القيادة في مختلف الدول والمجتمعات واحد، القائد في القاهرة هو نفسه القائد في سنغافورة والمغرب وغيرها من البلدان.
ـ ما أبرز المشروعات أو الابتكارات في القيادة التي حصلت على جائزة المؤسسة؟ ما المجالات المجتمعية التي تسعون إلى خلق قيادات مبدعة فيها؟
في العام الماضي، تقدم نحو 900 مرشح من مختلف أنحاء العالم للحصول على جائزة القيادة العالمية، وفاز بها 3 قيادات، الأول صانع أفلام وثائقية باكستاني، والثاني عالم في طب الأعصاب من أسبانيا، والجائزة الثالثة ذهبت إلى ثلاثة قادة دينيين من أفريقيا الوسطى، الأولى إمام مسلم، والثاني كاردينال كاثوليكي، والثالث رجل ديني بروتستانتي.
هؤلاء قيادات في مجالات مختلفة جدًا عن بعضها البعض، قدموا نماذج طيبة ورشيدة ومبدعة ولديهم قيم مترسخة. نحن أيضًا نهتم بالقضايا التي تؤثر في كوكبنا الأرضي، ومنها التغييرات المناخية، والتغيير التكنولوجي المتسارع، إضافة إلى الهجرة.
ـ هل تعتقد أن الأزمات التي يعاني منها العالم حاليًا، ومنها الإرهاب والهجرة والتغييرات المناخية، السبب فيها غياب القيادة الرشيدة؟
العالم من حولنا يتغير بشكل متسارع، التكنولوجيا والسياسة والاقتصاد يتغيّرون بسرعة هائلة، مما يزيد من المشكلات ويعقدها، وفي الوقت نفسه القيادات لا تتطور وتتغير بالسرعة نفسها، ولا تستجيب لتلك التغييرات كما يجب.
ـ في العام 2011، خرج بعض شعوب المنطقة في مظاهرات عرفت بـ"الربيع العربي"، تتطلع إلى التنمية والحرية، لكنها لم تجن سوى المزيد من الاستبداد والدمار، كيف ترى ما حصل؟
ما حدث في بعض دول العالم العربي، حصل في أماكن أخرى من العالم. تخرج الشعوب في تظاهرات، بسبب عدم وفاء الحكام بالعقد الاجتماعي بين الطرفين، الذي ينص على أن تدعم الشعوب حكامها، في مقابل منحها العيش في السلام والرخاء. في دول في العالم العربي أو أميركا أو أوروبا، لا توفر الحكومات للشعوب السلام والرخاء، وعاجلًا أو آجلًا، فإن الشعوب ستخرج مطالبة بحقوقها، وسيحدث التغيير سواء بالتظاهرات أو بصناديق الاقتراع.
ـ ولكن لم تحقق الشعوب أهدافها من الربيع العربي، وانقلبت الأوضاع إلى الأسوأ، وتحوّل الحلم إلى كابوس، وزادت المشكلات وانتشر الإرهاب في المنطقة؟
أعتقد أن الشعوب غير راضية و غير سعيدة. العالم احتفل بيوم السعادة أخيرًا، ولو نظرنا إلى نتائج استفتاء مؤشر السعادة، سوف نجد أن أتعس الناس هي شعوب شمال أفريقيا، بينما أسعدها شعوب دول الخليج العربي. وهذا يؤشر إلى أن الديمقراطية ليست العامل الأساسي في تحقيق السعادة للناس.
ـ هل تعني أنه ليس هناك ارتباط بين "الديمقراطية والحرية" و"تحقيق التنمية والسعادة للشعوب"؟
نعم، لا يوجد رابط بين الديمقراطية وتحقيق النمو الاقتصادي والتنمية والسعادة للشعوب. وعلى سبيل المثال الصين دولة ليست ديمقراطية، ولكنها تحقق معدلات نمو كبيرة. أنا أميركي وأفضل أن أعيش في ديمقراطية، لكن ليس لديّ الحق في أن أقول للشعوب الأخرى كيف يحكمون بلدانهم وينظمون الأمور فيها.
ـ يرى بعض الساسة العرب، أن هناك اختلافًا بين المعايير الغربية والعربية في ما يخص الديمقراطية والحقوق والحريات، هل تؤيد هذا التوجه؟
لست متأكدًا من ذلك، لكني أعلم جيدًا أن التاريخ والثقافة يؤثران في طبيعة الشعوب، ويؤثران كذلك في طبيعة الحلول التي تناسبهم. البعض في مصر قد يفضل النموذج الغربي في الديمقراطية، لكني لا أعلم هل تطبيق هذا النموذج في مصر قد ينجح أم لا.
عندما قرر الرئيس الأميركي السابق جورج دبليو بوش غزو العراق، أعلن أن الهدف هو تحقيق الديمقراطية في هذا البلد، وكانت خطته تقضي بأن يتم التخلص من نظام حكم صدام حسين، وبعدها سوف تتحقق الديمقراطية مباشرة، إلا أن الأمر لم يتم حسب الخطة. ولا أظن أن نموذج الديمقراطية الغربية قد ينجح في العراق، لأن هناك أمورًا أخرى يجب مراعاتها، منها تاريخ وثقافة ذلك المجتمع، ويجب تطويرها لتناسبه، ولكن فكرة تطبيق الديمقراطية من خلال "تنظيف الطاولة ثم دعها تنشأ وحدها" لا يمكن أن تؤثي ثمارًا جيدة.
ـ هل معنى ذلك أن مبدأ عالمية الحقوق والحريات أصبح من الماضي؟
أتمنى ألا يحدث ذلك. جزء من مهمتنا هو إجراء الحوار حول المشاكل التي تواجه عالمية حقوق الإنسان، لكن يجب أن تبدأ الناس في التفكير في حقوقها والدفاع عنها. العالم الآن يواجه الكثير من المشاكل، ولكن في المقابل، ليست هناك حلولًا عالمية لها، فمثلًا قضية التغييرات المناخية أزمة عالمية، إلا أن أحدًا لا يتعامل معها بشكل عالمي، رغم اجتماع العديد من الدول في باريس لمواجهتها، فالجميع مشغول بمشاكله الخاصة.
ـ هل تعتقد أن السبب في غياب الحلول المتعمقة وطويلة الأمد للمشاكل المحلية أو الدولية، يرجع إلى نظام الديمقراطية الذي يحصر البرامج في أربع وست سنوات هي مدة الفترة الحكم؟
ألقيت محاضرة في العام الماضي أمام مجموعة من البرلمانيين من أوروبا وأفريقيا ومختلف أنحاء العالم، تحدثت فيها عن فشل القيادة، وليس فشل القادة في التعامل مع المشكلات الدولية. وقلت لهم إن الأزمة الحقيقية في غياب الإبداع في التعامل مع مختلف الأزمات التي يواجهها عالمنا اليوم. توقعت أن يواجهوني بالغضب، ولكنهم اعترفوا بالتقصير، وقالوا إنهم ليس لديهم الوقت الكافي للتفكير المتعمق، وبرروا لذلك بأنهم دائمًا مشغولون بالانتخابات، وإنجاز وعودهم الانتخابية سريعًا، حتى يستعدوا للانتخابات المقبلة، حتى يعاد انتخابهم مرة أخرى. إن هذا فشل وقصر نظر في نظام القيادة العالمية الموجود حاليًا. الأزمات التي تواجه العالم كثيرة وتتسارع وتيرتها، ونحن في حاجة إلى قادة يفكرون بشكل أكثر سرعة لملاحقة هذه المشكلات ومحاصرتها، ولن يأتي ذلك إلا بوجود قادة قادرين على التنبؤ والإبداع. أعتقد أن الديمقراطية يمكنها أن تتكيف وتتطور لحل أزمات العالم، ولكنها للأسف لا تفعل ذلك، حتى في الدول الغربية.
ـ تسبب انتشار الكراهية في تدمير دول وقتل وتشريد الملايين من الناس حول العالم، هل لديكم خطط لمواجهة هذه المشاعر السلبية في المجتمعات المختلفة؟
للأسف الكراهية موجودة في العالم منذ الأزل. نحن نحاول محاصرتها من خلال تشجيع الحوار بين الأفراد والمجتمعات والأديان والحديث عمّا هو متشابه، وليس عمّا هو مختلف بينهم. وكرّمنا في العام الماضي ثلاثة قادة أديان في أفريقيا الوسطي، وهم إمام مسلم وقس بروتستانتي وآخر كاثوليكي، بسبب جهودهم المتميزة في إعلاء قيم الحوار والتعايش والتسامح في مجتمعهم.
ـ وما مواصفات القائد الرشيد الذي يمكنه تحقيق التنمية والديمقراطية للناس في أي مكان في العالم؟
القائد الرشيد يجب أن يتحلى ببعض الصفات المهمة، ومنها: الابتكار، وأن يكون متفائلًا في عمله، إضافة إلى الشجاعة في اتخاذ القرارات، وأن يتقبل المبادئ والقيم العالمية، وأن يعمل من أجل العالم كله، وليس من أجل بلده فقط. وأنا لا أقصد القادة السياسيين فقط، بل أي مستوى من مستويات القيادة، سواء في الحكومات أو المجتمع المدني.
نحن في مؤسسة تالبرغ، لا نبحث عن قادة سياسيين عظماء أو علماء أجلاء أو فنانين بارعين، لأننا نؤمن أن القيادة الرشيدة تتجاوز كل هذه المجالات والحدود. ولذلك نحن نترك الترشحات للجائزة من خلال الناس أنفسهم، يمكن لأي إنسان في أي مكان من العالم أن يرشح من يراه قائدًا رشيدًا، عبر الموقع الرسمي للمنظمة على شبكة الانترنت. نحن نحاول أن نجعل الناس تفكر في القيادة بمفهومها الشامل وليس القيادة السياسية فقط.

