نبيل أبو جعفر
تعالوا نكتشف كيف يُناقض نفسه ويغالط
ويقلب الحقائق وحتى يكذب (من غير قصد ربما!)
قال أنهم "زاروا" بيت أهل أبو عدس واستدعوهم للتحقيق..
ولكن الحقيقة تقول أنهم اعتقلوهم لعشرة أيام
ثم توفي الوالد بعدها بقليل!
استعار في تقريره الرسمي تخصيص "القوات اللبنانية" وحلفائها
للمذيعة مي شدياق وحدها بلقب خاص..
فوصفها مثلهم بـ "الشهيرة"!!
"الواشنطن بوست": أميركا لا يهمها اتهام سورية بهذه العملية
بل ادانتها بدعم الارهاب بشكل عام!
لماذا وصف المتفجرات بـِ "التي تستعملها القوات العسكرية"..
وهل هناك متفجرات لـِ "قوات" الرقص والغناء؟!
أي مصداقية يمكن أن يتضمنها أي تحقيق أو تقرير إذا ظهر بنسختين وصيغتين مختلفتين، خصوصاً فيما يتعلق بالنقاط الأكثر حساسية وخطورة فيه؟ فكيف إذا كان يتعلّق الحال بتحقيق قضائي دولي ينتظره الكثير من الفرقاء وأطراف الصراع كالذي أعدّه ديتليف ميليس في تقريره الرسمي حول جريمة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري؟
قبل تصفٌّح التقرير واكتشاف التناقضات العديدة الواردة فيه على أكثر من صعيد، كالحديث عن علاقة جهة بأخرى، أو نقل معلومات عن اجتماع أو حوار، مثل ذلك التناقض الذي ورد على لسان الشاهد السوري الهارب إلى أوروبا والذي بقي اسمه مجهولاً. فعمد البعض إلى تسميته بـ "X"، حين أكدّ في افادته أن اجتماعات المسؤولين الأمنيين السوريين واللبنانيين وتخطيطهم لجريمة الاغتيال قد تمّت كلها في فندق الميريديان بدمشق، أو رئاسة الجمهورية، أو في مكتب مسؤول أمني سوري رفيع المستوى، بينما كان الشاهد السوري الآخر محمد زهير الصديق الذي قيل أنه كان ضابطاً في الاستخبارات العسكرية قد أكدّ في افادته أن كل هذه الاجتماعات تمت في لبنان!
وليس ذلك إلاّ مثلاً واحداً تضاف إليه أمثلة أخرى من الصعب حصرها بدقة، لكننا سنأتي في معرض قراءة تقرير ميليس الى استعراض نماذج منها تعكس التناقضات والثغرات وأساليب تسييس القضية بشكل واضح. لعلّ أبرزها في نظر البعض صدور القرار بنسختين (وأكثر!) تتضمن الأولى أسماء ورق المسؤولين العسكريين السوريين وفي مقدمتهم ماهر الأسد شقيق الرئيس السوري وقائد الحرس الجمهوري، واللواء آصف شوكت صهر الرئيس، ورئيس الاستخبارات العسكرية، بالاضافة إلى وزير الداخلية المنتحر غازي كنعان، ورئيس المخابرات السورية في لبنان سابقاً رستم غزالي، ورئيس استخبارات الفرع الداخلي اللواء بهجت سليمان"!"، وهي النسخة التي تمّ توزيعها "سريعاً" على مندوبي الدول الصديقة والحليفة للبنان المتمرد على العروبة كأميركا وبريطانيا، قبل أن تصل الى يد الأمين العام للأمم المتحدة"!"، فما كان من البريطانيين إلاّ العمل على تسريبها إلى أجهزة الاعلام قبل اعتمادها رسمياً من قبل المنظمة الدولية.
ولما حصلت المفاجأة وتبين أن التقرير نفسه المسلّم إلى الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان لا يتضمن هذه الأسماء كلها، انفتحت بوابات الاختلاف الواسع على تفسيره، كل حسب أهوائه ومصالحه، وبدلاً من أن يوقف صدور هذا التقرير مسلسل التلاسن والظنون الذي كان الوجبة اليومية للبنانييّن فقد زاد من تصعيده وحدّته، واصبح من المشروع التساؤل: أي نسخة من هذا التقرير هي المعتمدة، وهل هكذا بشطحة قلم يجري ايراد أسماء لشخصيات مسؤولة وبارزة في بلادها، بكل ما لهذا الايراد من تداعيات لا يعلم إلاّ الله بنتائجها في زمن "الكاوبوي" الأميركي الأرعن، ثم بشطحة قلم أخرى يجري الغاؤها.
وأصبح من الطبيعي في ظل هذا الارتباك أن يتساءل البعض – ولو بخبث – من نصدّق؟ اشتباه ميليس بالشخصيات المسماة في تقريره الأول – أم الإلغاء الذي تمّ في التقرير الثاني، ومع أن الالغاء قد أتى استدراكاً لاحقاً، وهذا يعني منطقياً وقانونياً أنه هو الأصحّ، إلاّ أن التساؤلات استمرت في التصاعد حول الكيفية التي تمّ بها شطب الأسماء، ولأي سبب، ثم على أي أساس تمّ تدوينها في الأصل، ومن دفع باتجاه ذكرهم ضمن المشتبه فيهم ومن الذي دفع الى شطبهم بعد ذلك؟
محاولة فاشلة لترقيع الفضيحة
ولم يقلل من حدّة هذه التساؤلات والتناقضات التي حملها مضمون تقرير المحقق الدولي محاولة ميليس "ترقيع" الفضيحة بالقول أن النسخة الأولى كانت مجرد مسودّة لم يجر اعتمادها بعد، ذلك لأن أي مسودّة لتقرير بمثل هذه الأهمية يمكن أن يدخل عليها تغيير في الأسلوب، أو الاستنتاج، أو بعض التفاصيل التوضيحية التي لا تمسّ الجوهر. ولكن لا يمكن أن تتضمن توجيه أصابع الاشتباه بكل بساطة الى أسماء كبيرة، ثم يجري شطبها بين لحظة وأخرى؟
ومع ذلك، لو كانت النسخة الأولى مسودة فعلاً، وقد تضمّنت هذه الثغرة الخطيرة لكان بامكان ميليس الأمر بتوقيف توزيعها واسترجاع النسخ الموزعة منها، لا سيما وأن هذا التقرير القضائي الدولي ليس نشرة حزبية أو بياناً لتنظيم شعبي أو دعاية لمنتج استهلاكي، أي باختصار ليس مخصصاً للتوزيع على العامّة في الشوارع والحافلات، بل على نطاق ضيّق لا يخرج عن اطار دول معينة ومنظمات دولية، ولهذا فهو محدود العدد ومحدود التوزيع. لكن القاضي الدولي لم يفعل ذلك بل لجأ الى أسلوب التوضيح الضعيف لاشكالية النسختين، وتصوّر – ربما – أنه بذلك قد يُغلق الموضوع ويرفع الحرج عن نفسه.
جهنم أسئلة الصحافيين
غير أن هذا الوضع وما خلقه من تشكيك بدقة ميليس سبب إرباكاً كبيراً له عندما انهالت على رأسه الأسئلة الاتهامية في المؤتمر الصحفي الذي عقده بمقر مجلس الأمن، الى درجة أصبح من غير المستبعد أمامها أن يجري جرّ هذا الرجل ذات يوم الى قاضي تحقيق آخر بتهمة التهاون في أداء مهمته، أو عدم توخّي الدقة، أو التلفيق واستسهال اعتماد الاشاعات والتسريبات كحقائق مؤكدة، فتتحقق بذلك مقولة "البيادر" في عددها الماضي "هل يجري التحقيق مع... قاضي التحقيق؟".
ومما يعزّز هذا الاحتمال تصريح ميليس نفسه بأنه هو شخصياً الذي حذف خمسة أسماء من تقريره (المسودّة)، واعاد سبب ذلك الى انها دوّنت بناء على ذكرها من قبل شاهد واحد فقط، ولهذا فإنه من المفترض – حسب كلامه – وجود احتمال البراءة لهؤلاء.
... وهنا علينا أن نلاحظ أيضاً وقوعه في تناقض آخر مع ما ورد في الفقر 21 من تقريره التي جاء فيها بالحرف: "ان اللجنة أقامت حقائق وحدّدت تهماً بهم على أساس المجمع عليه والمتوفّر بين يديها، وقامت بتحليل كل المفاتيح والأدلة بشكل كامل".
شهادة فرد قد تقلب الدنيا!
وأمام رصد هذا التناقض الكبير في كلام المحقق الدولي حول توخّي الدقّة واعتماد الاجماع على الحقائق في الوقت الذي يُؤخذ فيه بشهادة شاهد فرد، علينا أن نلاحظ كيف يمكن لشخص واحد فقط من بين 500 شاهد تمّ استجوابهم على الأقل – حسبما أعلن رسمياً – أن يُخرّب الدنيا ويثير ضجة كبرى – ويمكن أن يتسبب كذلك في انعقاد مجلس الأمن – وهو ما يجري الاعداد له الآن – لينفّذ مرة أخرى رغبة الولايات المتحدة وحلفائها في تكرار سيناريو الحروب والاحتلالات!
شيء آخر أكثر غرابة وقع فيه ميليس أثناء محاولته "ترقيع" هذه الثغرة بالقول أنه لم يكن يعرف أن تقريره يحمل كلمة "سرّي". وهنا لا بدّ من التوقّف أمام هذه العبارة (الادعاء)، لأنها تؤشّر بكل وضوح الى عدم دقّة ومصداقية قاضي التحقيق الدولي، ذلك لأنه لا أحد في الدنيا يمكن أن يُعَنْوِنَ تقرير المحقق الدولي بكلمة "سرّي" غيره هو، وإذا حصل ذلك، فهل يُعقل أن تكون تقارير الأمم المتحدة ومحققيها ومفتشيها الدوليين مثل "الشوربة" يمكن لاي انسان أن يزيدها ملحاً أو توابل كما يشاء؟!
حشر الفلسطينيين وردّ جبريل
وبالمناسبة، وما دمنا في معرض الحديث عن "شوربة" الزيادة والنقصان في مضمون التقرير، وتعدّد التناقضات والروايات المختلفة فيه، يجدر التنويه بجدية الإجراء الذي اتخذه أحمد جبريل/الامين العام للجبهة الشعبية – القيادة العامة، رداً على حشر اسمه هو الآخر بشطحة قلم في تقرير ميليس، وربما اعتماداً على شاهد واحد أيضاً، على أساس أنه اجتمع ونسّق مع مسؤولين أمنيين، وهو ما عنى حسب استنتاج المحقق الدولي أنه قدّم دعماً لهؤلاء المسؤولين، وربما اعتمد ميليس هذه الرواية استناداً الى كون جبريل نفسه رجلاً عسكرياً وخبيراً في المتفجرات، مع أنها تؤدي بشكل أو آخر الى حشر الفلسطينيين في مشكلة لا ناقة لهم ولا جملاً فيها، لكن الحقيقة تقتضي القول هنا أن جبريل بحكم تواجد تنظيمه على أرض لبنان واستهدافه كتنظيم مدرج على قائمة "الارهاب" الاميركية، ليس من المستغرب أن يجري اتصالات مع المسؤولين السوريين واللبنانيين السياسيين والعسكريين والمخابراتيين أيضاً فأين التهمة أو الجريمة في ذلك؟ ولكن هذا لم يعد يحصل أيضاً، فقد فاجأنا الرجل بتصريح قال فيه أنه شخصياً لا يعرف أي واحد من المسؤولين اللبنانيين الأربعة الموقوفين. وكان من حقه أن يستغرب في معرض تصريحه لماذا لم يُستدعَ هو أو تنظيمه الى قاضي التحقيق طوال الشهور الأربعة التي استغرقتها مهمته، إذا كان هناك شبهة حوله أو حول تنظيمه، معلناً استعداده للمثول أمام التحقيق في أي وقت.
ميليس الغاطس في التفاصيل
طبعاً، لا بد من الاشارة في خضمّ البحث بين سطور التقرير أنه لا يمكن قراءته بالتفصيل الكامل، ذلك لأن صفحاته تتجاوز الخمسين، عدا عن أنه يتعرض لسرد تفاصيل أكثر من صغيرة، وأقلّ من عادية يومية، وبعضها أبعد ما يكون عن النقطة الأساس. فقد تضمنت المقدمة المتعلقة بسرد تسلسل الأحداث – على سبيل المثال – تفاصيل الاحداث اللبنانية اليومية، في قائمة طويلة عدّدت الاستقالات والاعتراضات والمظاهرات... الخ، كالاشارة الى استقالة وزير شؤون المهجرين، ووزير البيئة بتاريخ 7/10/2004، والاشارة الى ابداء مجلس الأمن قلقه تجاه عدم تنفيذ القرار 1559 بتاريخ 19/11/2004.
وفي الوقت الذي اشار فيه مروراً الى اغتيال الصحافي سمير قصير، والأمين العام السابق للحزب الشيوعي اللبناني جورج حاوي، دون أي وصف أو "تزكيات" من قبله، فقد استعمل "لهجة" أخرى في وصف انفجار سيارة مفخخة بمذيعة التلفزيون الشهيرة – كما قال – مي شدياق بتاريخ 25/10/2005، وكلمة "الشهيرة" بالذات، درجت على استعمالها حصراً أجهزة اعلام القوات اللبنانية (جماعة جعجع)، وأجهزة اعلام الجهات المعادية تاريخياً للعروبة وسورية.. وعبد الناصر ماضياً. فهل جاء هذا الوصف "الميليسي" للسيدة شدياق تطابقاً مع هذه الجهات حتى بالمفردات، أم بفعل تأثيرهم به نتيجة تواصلهم اليومي معه؟
تحت الأرض أم فوقها أم عملية انتحارية؟
والواقع أنه ليس هذا هو المثل الوحيد على "عواطف" ميليس، وتسييسه حتى الوصف في ثنايا التقرير، فقد أوغل المفتش الدولي كثيراً في سرد وقائع أخرى وانطباعات شخصية تفوح منها رائحة تسييس القضية، وشواهد التناقض الظاهر والمستتر حتى داخل الفقرة الواحدة من بعض الفقرات. وهذا ما يمكن قراءته بين سطر وآخر، حتى يصل بنا تقرير ميليس الى الفقرة المتعلقة بكيفية التفجير فيقول في الفقرة 63: "ان اللجنة لا تستطيع الجزم فيما إذا كان التفجير قد تمّ فوق الأرض أم تحتها"!" ، لكن شكل الفجوة (التي تركها) يرجح بأن التفجير كان فوق الأرض، وأنه قد جرى استعمال ما يقارب الألف كيلوغرام من المتفجرات في هذه العملية".
ورغم هذا الترجيح، فإن ميليس نفسه يقع في التناقض مرّة أخرى عندما يقول في جملة لاحقة "أن لجنة التحقيق لم تتحقق من الطريقة التي تمّت فيها عملية الاغتيال، خصوصاً وأن موكب الحريري مزوّد بأجهزة الكترونية تُبطل أي عملية تفجير عن بُعد، لذلك فإنها ترجح أيضاً أن تكون العملية قد تمّت بمجرم انتحاري، وتنصح سلطات التحقيق اللبنانية مواصلة البحث في هذا الترجيح".
وبين ترجيح التفجير بألف كيلوغرام من المتفجرات المزروعة تحت الأرض أو فوقها – لا فرق – أو الهجوم الانتحاري ينتقل ميليس أيضاً الى العزف السياسي المقصود المعاني فيقول "ان عملية تبادل الاتهامات التي دارت حول الحريري قبل فترة من اغتياله ترجح أن يكون الدافع للعملية سياسياً".
وفي استعراضه لعملية تبادل الاتهامات يفرد المحقق الدولي صفحات للتأكيد على "الامتعاض" السوري من الحريري، ويلجأ الى الاستشهاد بنصوص قال أنها تسجيلات للقاءات بين المسؤولين السوريين واللبنانيين، والى إفادات عدد كبير من الشخصيات اللبنانية المناوئة كلها للعلاقة مع سورية وهم على التوالي: غازي العريضي، وليد جنبلاط، مروان حمادة، جبران تويني، باسم السبع، وسعد الحريري.
التسييس على "ظهر؟ اللبنانيين
ومن أبرز الأمثلة على توجيه التحقيق باتجاه التسييس ما ورد في تقريره من "تثمين اللجنة مساعدة السلطات اللبنانية الكبيرة التي قدّمت لها"، مقابل تسجيله "تخوّف بعض الشهود من التعرض للأذى إذا ما تمّ التعرّف عليهم، وتخوّف الرأي العام اللبناني بشكل عام – كما جاء في التقرير – من أن يُترَك لبنان لوحده بعد انتهاء اللجنة عملها فينفتح المجال بعد ذلك أمام عودة الاستخبارات السورية للانتقام"!!
وحتى بعد هذا الغمز التشكيكي والاتهامي المستند الى مشاعر مَنْ التفاهم من اللبنانيين ينتقل ميليس في الفقرة 31 من تقريره الى جانب آخر من الموضوع يتعلق بالتعاون السوري مع لجنته، ليوجه سهماً آخر من التشكيك بقوله "أن هذا التعاون كان شكلياً فقط، وان عدم التعاون الكامل مع لجنة التحقيق قد أعاق التحقيق"!
ودون الحاجة الى التذكير برفض سورية لهذه الادعاءات فور صدور التقرير، واعلان استعدادها لمواصلة التعاون من أجل التوصل الى "الحقيقة"، نرى كيف واصل تقرير ميليس حديثه بتفعيل سردي وممّل عن العلاقة الوثيقة بين المسؤولين الأمنيين في البلدين، وعدم تصوّر امكانية تنفيذ عملية الاغتيال بدون علمهما.
وهكذا استغلّت وسائل الاعلام والفضائيات اللبنانية المتسعودة بشكل خاص هذا الكلام لتشبعه تعليقاً وتفسيراً في شتى الاتجاهات.
الخبث المخفي في تقرير القاضي الدولي
ولكن ما يجب التوقف أمامه هنا يدور حول انتقال ميليس للاشارة الى نقطتين لافتتين، أولهما خبيثة المرامي، وثانيهما تتعارض مع المنطق، وقد جاء في الأولى أن سورية كانت تُسيّر الأمور، وتتدخل في الحياة اليومية للبنانيين. وأيّاً كان الرأي في هذا الكلام الذي لا يمكن اعتباره اكتشافاً، وحتى لو صحّ بالكامل وأكثر، فإن ذلك لا يعني أن تكون سورية وراء الجريمة أو ضالعة فيها كبلد ومؤسسات.
أما النقطة الثانية فيمكن قراءتها في تأكيده ضمن أكثر من فقرة على عدم تصوّر امكانية تنفيذ هذه العملية من دون علم المسؤولين الأمنيين في البلدين. وليس هذا فحسب، بل من دون أخذ موافقة مسؤولي الأجهزة الأمنية في كلا البلدين.
وهنا يُفترض طرح السؤال التالي والاجابة عليه: من هو الذي يتوجب عليه أخذ موافقة مسؤولي الأجهزة غير الجهات الأقلّ مسؤولية منها؟
وبتعبير أكثر صراحة. هل يتصور أحد امكانية قيام رئيس الجمهورية أو رئيس الوزراء في كلا البلدين بطلب موافقة جميل السيد أو رستم غزالي مثلاً؟ وهل هناك أي تفسير آخر أكثر منطقية لمثل هذا الكلام؟
إذن، كيف يمكن التوفيق بين توجيه التقرير الدولي أصابع الاشتباه الى شخصيات أكبر مسؤولية من مسؤولي الأمن أو بموازاتهم، فضلاً عن أنهم ليسوا في موقع يفرض عليهم أخذ موافقة الآخرين ممن لا يعلون عليهم في المرتبة الرسمية؟
ثم،
ماذا تقول بعد، وسط هذه "الخلطة" المتنوعة من الترجيحات والترجيحات المضادة لها في الآن عينه، ووسط التناقضات والارباك والانحياز السياسي الواضح؟ هل هناك جملة أكثر غرابة مما ورد على لسان ميليس عندما قال في تقريره: ان المتفجرات التي استعملت في عملية اغتيال الحريري هي من النوع الذي تستعمله القوات العسكرية"!!".
من يمكن أن يدلّنا على نوع من المتفجرات تستعمله "القوات" الفنيّة أو الرياضية مثلاً، هذا إذا استثنينا متفجرات المحاجر والكسّارات وما شابه (إن كانت تختلف كثيراً عن سواها)، فلماذا الاشارة بالنص الى أنها "عسكرية"، مع أن ذلك ليس اكتشافاً أيضاً، ولا أمراً خارج إطار المنطق والمعروف؟
حتى قصة أحمد أبو عدس الذي أعلن في شريط مصوّر مسؤولية "جماعة النصرة والجهاد في بلاد الشام" عن عملية اغتيال الرئيس الحريري ارتكب السيد ميليس في الحديث عنها ضمن تقريره تحريفاً لوقائع قامت بها السلطات الأمنية اللبنانية، وكذباً – غير مقصود على الأرجح – لكنه بالتأكيد يتحمّل المسؤولية عليه. فقد ورد في تقريره أنه تمت "زيارة" بيت أهله، والحقيقة اقتحام البيت بقوى البوليس واعتقال من فيه (بعد ساعات فقط من وقوع الحادث)، كما ورد أيضاً أنه تم استدعاء والده ووالدته أمام قاضي التحقيق، والحقيقة أنه تمّ احتجازهما معاً لأيام وليال بغية التحقيق المرهق لكل منهما.
هذا التناقض الملفت للانتباه بين الحقيقة وما أعلنه ميليس كشف النقاب عنه شقيق أبو عدس في حوار له مع فضائية "الجزيرة" مساء الجمعة 21 أيلول الجاري، قال فيه من محل اقامته بألمانيا أن والده المسنّ ووالدته قد اعتقلا يوم جريمة الاغتيال وبقيا في الحجز لمدة عشرة أيام!، وان والده انهار من الاعياء وتواصَلَ التحقيق معه بلا راحة، مما اضطر السلطات الأمنية الى الافراج عنه – وعن زوجته طبعاً – ولم يلبث بعدها بأيام معدودة أن فارق الحياة!!
من فمك أُدينك يا.. ميليس
وتشاء الصُدف كي يكتمل "الطابق" وتنكشف الحقيقة من الزيف ان يتعثّر لسان ميليس فيكتب في نهاية تقريره ما يُناقض روايته عن "الزيارة والاستدعاء" قائلاً في الفقرة 170 بالنص الحرفي: "... ولم تتمكن لجنة التحقيق من مقابلة والد أبوعدس (الذي كان قد حُقّق معه) لأنه كان قد توفي في 7 آذار، بعد فترة قصيرة من استدعائه للمثول أمام التحقيق، ولم يقل بعد فترة من اطلاق سراحه بعد اعتقاله واحتجازه!
وباختصار،
لقد فتح ميليس بتقريره المعبّأ بالمغالطات وعدم الدقة وحتى التزوير أبواب جهنّم على نفسه وعلى الآخرين، ممن أخذوا يرقصون طرباً للوهلة الأولى – وما زالوا حتى الآن – ظناً منهم أن "الحقيقة" قد انكشفت، لكن كل الأجواء لا توحي بذلك، بل توحي – على النقيض – أن هذا التقرير بدأت تشتغل "ماكينة" استغلاله سياسياً وتآمرياً منذ اللحظة الأولى لصدوره.
ألم تكشف صحيفة "الواشنطن بوست" في اليوم التالي لنشر التقرير أن التوجه الاميركي الجديد أمام مجلس الأمن لن يكتفي بالاشارة الى اتهام سورية في هذه العلمية، بل في دعم الارهاب بشكل عام؟ وَنَعَقَتْ معها "السياسة" الكويتية بالقول "أمس بغداد واليوم دمشق"!؟
.. هل هناك تفسير أكثر وضوحاً للهدف الأساسي من كل هذه الضجّة "الحريرية"، ومن وراءها؟
