ذاكرة المستقبل
جمعة اللامي
“لا يزال المرء عالماً ما طلب العلم، فإن ظنّ انه قد عَلِمَ.. فقد جهل”
(ابن قتيبة)
هل هو حلم ان تكون مكتبة المنزل في كل بيت عربي جزءا من كتاب العمارة العربية في القرن الحادي والعشرين؟ ولمَ لا؟ فأكبر منجزات القرن العشرين بدأت أحلاماً، وعدها البعض أوهاماً، ورأى فيها فريق من الناس اضغاث احلام، ومع هذا كله ها نحن نعد العدة للاستيطان في المريخ.
والمكتبة مركبة (مباركة) من يعرف قدرها ويقدرها حق قدرها، ويجعل منها أحد اعمدة منزله، ومرآة مناسبة في غرفة نومه، او يطالعها في إيوان من بيته، سوف يجعل من البعيد قريباً، ومن الحلم حقيقة.
من كان يصدق ان الشارقة على سبيل المثال قبل اربعين سنة ستغدو مكتبة متنقلة وسوقاً للكتاب، وموسماً للفكر، وعاصمة ثقافية للعرب، وممراً لدرر الفكر، ومستقرا لطلاب الحقيقة، كما هي اليوم؟
كانت تلك احلاماً وأحلاماً نبيلة، مرت في ذهن احد ابنائها، ثم استوت همّاً يومياً، حتى تحولت الى افكار تمشي على الأرض، وها هي صارت مؤسسات، أو دواوين افكار وفنون، يراها الرائي في “منطقة الفنون”، ويتعنى اليها القاصد في “القصباء” ويستريح عندها البصر وأنت تستعرض كورنيش “الممزر”.
أنبأني صديق عراقي يقيم في مملكة السويد، ان زوجته العربية قامت بزيارة خاطفة للإمارات، وأمضت وقتا في “منطقة الفنون” وأبدى رغبته في زيارة هذا المكان “وأنا الذي يحاصرني العمل والثلج، وأفتقد الشمس في بلاد الاغتراب”، حسب تعبيره.
ومن النوادر أن أذكر بين ايدي القراء الكرام، ان يهودياً عراقياً مخضرماً استعجل في طلبي بالهاتف قائلاً انه يرجو ان يحصل بواسطتي على كتاب افتقده “للحسين بن منصور الحلاج” من خلال معرض الشارقة الدولي للكتاب.
نعرف الآن، نحن الذين نقيم في الامارات العربية المتحدة ونتخذ من الشارقة موئلا، ان معرضها السنوي للكتاب تحول الى موسم ناضج للقاءات، الأدباء والكتّاب والإعلاميين وصار مثابة آمنة للناس.
فالكتاب أمان، وهو القول الفصل بين قولين، وهو سفينة النجاة، وهو المشهد الذي نحلم بين أفيائه بما يعتلج في دواخلنا من آمال، وما نريد إطراحه من آلام وجروح.
والكتاب اليوم - في مثابتنا الآمنة هذه، عنصر من عناصر أغلب داراتنا، ويندر ألا تجد كتابا واحدا في بيت.
وما أعلى جلال المصحف الشريف في كل منزل من منازلنا، ليكون نواة المكتبة المقبلة في منزل لم تكتمل عمارته بعد، بينما كان قبل ربع قرن ونيف مكتبة وحده في منازل كثيرة.
المدينة الآن تتمدد شمالا وجنوبا وشرقا وغربا، وإن استطالت بعض شواهقها، فإن منائر بيوت الرحمن شواهد على ان لا عالي إلا الله تعالى، وسبحانه الذي علم بالقلم، وعلم الانسان ما لم يعلم، والذي - بنعمته - ستكون المكتبة جملة معمارية في فضاء اي منزل عربي.
