rlm;عادل حمودة



كلما قابلتهrlm;..rlm; وتحدثت إليهrlm;..rlm; قفزت من قاموسي اللغوي كلمتان تلخصه وتختصره وتشرحهrlm;..rlm; الضراوةrlm;..rlm; والحلاوةrlm;..rlm; ضراوة الملامحrlm;..rlm; وحلاوة الروحrlm;..rlm; إن وجه غسان تويني يوحي بأنه منحوت بأزميل حادrlm;..rlm; يقدر علي تليين الصخرrlm;..rlm; دون أن ينكسرrlm;..rlm; تمثال من القوة والرهبة والصرامةrlm;..rlm; لكن تلك المظاهر الخارجية الخشنة سرعان ما تتفتت وتذوب وتتبخر بمجرد أن يتكلمrlm;..rlm; فصوته المثقف الهادئ الرزين والراقي الذي لا يخلو من خفة ظل ناعمة يشمل من يسمعه ويسحره ويكبله بفضيلة السمعrlm;.rlm;

شربت معه فنجان قهوة في صالون فندق الجميرة بمدينة دبي وكنا ضيوفا علي جائزة الصحافة العربيةrlm;..rlm; وكان الحوار عن امرأة جميلة في الأسر هي الصحافة العربيةrlm;..rlm; وشربت معه ثلاثة فناجين قهوة في مكتبه ببيروت الذي يخصصه لنشر الكتب المهتمة بالشأن اللبناني بدعم من الحكومة الفرنسية ومنظمة الدول الناطقة بلغتهاrlm;(rlm; الفرانكوفونيةrlm;)rlm; بعد أن تولي أمانتها صديقه الدكتور بطرس غالي الذي توطدت علاقاتهما في نيويورك وهما يعملان معا في الأمم المتحدةrlm;..rlm; فقد كان غسان تويني مندوبا لبلاده في المنظمة الدوليةrlm;..rlm; وكان يري أن تلك السنوات التي قضاها هناك تؤهله لتولي وزارة الخارجيةrlm;..rlm; بل ربما تصور نفسه في المنصب الأهمrlm;..rlm; منصب رئيس الجمهوريةrlm;..rlm; وهو ما جعلني أناقش معه العلاقة بين الصحافة والسياسةrlm;..rlm; وكانت المناسبة كتابي عن حياة محمد حسنين هيكل الذي كان يصر علي أن السلطة السياسية زائلة إذا ما قورنت بالسلطة الصحفيةrlm;..rlm; فالكاتب يبقيrlm;..rlm; والسياسي يزولrlm;.rlm;

لكنrlm;..rlm; غسان تويني لم يكن يؤمن بتلك النظريةrlm;..rlm; ويعتبرها نظرية مصريةrlm;..rlm; لا تصلح للأمة اللبنانية التي تمنح ذاكرتها للسياسيين وتحرمها علي الصحفيينrlm;..rlm; وإن كانت في كثير من الأحيان لا تفرق بينهماrlm;..rlm; فصحيفة النهار التي أسسها والده جبران تويني منذrlm;72rlm; سنة تحولت من صحيفة إلي حزبrlm;..rlm; وتحول مؤسسها من صحفي إلي نائب في البرلمان وسفير ووزير للتربيةrlm;..rlm; وهو ما كان يقلده حفيده الذي يحمل الاسم نفسه الذي اغتيل أخيرا بعبوة ناسفة فجرت سيارته وهو في داخلهاrlm;.rlm;

في المرة الثالثة التي قابلت فيها غسان تويني لم نشرب القهوة فقط بل تناولنا طعام الغذاء أيضاrlm;..rlm; كان ذلك في مزرعة وليد جنبلاط القريبة من بيروتrlm;..rlm; علي شرف ميخائيل جورباتشوفrlm;..rlm; الرجل الذي أنهي الاتحاد السوفيتيrlm;..rlm; وتحول إلي موديل لإعلانات البيتزا ومساحيق الغسيلrlm;..rlm; ومهرج يلقي النكات والقفشات في محاضرات عامةrlm;..rlm; بتذاكر مدفوعةrlm;..rlm; مثل مسارح المنوعاتrlm;..rlm; وقد كان وليد جنبلاط سعيدا وهو يفرجه علي النياشين والأوسمة التي حصل عليها والده الزعيم الدرزي كمال جنبلاط من الكرملين والتي يحتفظ بها في غرفة خاصة تضم صورا فوتوغرافية لاستعراضات الجيش السوفيتي في الميدان الأحمر بموسكوrlm;..rlm; وقابل الأراجوز الشيوعي السابق حماس مضيفه بابتسامة بلهاء لا معني لهاrlm;..rlm; واهتم أكثر بالحديث عن الطعام اللبناني الشهيrlm;..rlm; خاصة التبولةrlm;..rlm; والبقلاوةrlm;..rlm; وهو ما جعل الضيوف الجالسين حول مائدة الغداء ينصرفون عنه بأحاديث جانبيةrlm;..rlm; منها ما دار بيني وبين غسان تويني عن قوة الاستقرار في لبنان الذي بدا أنه يسعي جاهدا إلي نسيان سنوات الحرب والخراب بمزيد من افتعال المرح والفرحrlm;..rlm; وكان رأيهrlm;:rlm; أن ما يظهر علي سطح الحياة في لبنان هو مكياج شاحب لما يغلي تحت السطحrlm;..rlm; إن الكحكة المحشوة بالمتفجرات أكثر سخونة من طبقة الكريمة الباردة التي تغطيهاrlm;.rlm;

لم يكن من السهل أن تصدق ما يقولrlm;..rlm; فكل المؤشرات والسهرات والملاحظات تؤكد أن بيروت تعيش رفاهية غارقة في المتعة حتي أذنيهاrlm;..rlm; ملاه ليلية لا تنام قبل الصباحrlm;..rlm; فنادق فاخرة عامرة بالسياح الأثرياءrlm;..rlm; محلات أنيقة تبيع آخر ما أنتجته الدنياrlm;..rlm; نساء يمشين في الشوارع كأنهن يصورن مشاهد حية لقنوات ومجلات الموضةrlm;..rlm; مطربون وطبالون وزمارون يعزفون بصخب يغطي علي صوت البركان الذي يكشر عن أنيابه في انتظار من يستفزه كي ينفجرrlm;..rlm; وهو ما حدث في عملية اغتيال رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريريrlm;..rlm; لقد أيقظ اغتياله الوحش النائم فاستيقظ طالبا كميات هائلة من الدماء البشرية الساخنة التي تعود عليها وحرم منها منذ نهاية الحرب الأهليةrlm;.rlm;

كان غسان تويني علي حقrlm;..rlm; فقد جاء الدم بمزيد من الدمrlm;..rlm; وجاء القتل بمزيد من القتلrlm;..rlm; وجاء الحزن بمزيد من الحزنrlm;..rlm; ولم ينج هو نفسه من دفع الضريبةrlm;..rlm; فقد اغتالوا ابنه جبرانrlm;..rlm; وضاعفوا من مخزون أحزانهrlm;..rlm; ذلك المخزون الذي جعل الأب يمشي في الطريق العكسي لسنة الحياةrlm;..rlm; فيدفن أقرب الناس إليهrlm;..rlm; واحدا بعد الآخرrlm;..rlm; ثم يطالب بشجاعة بأن يدفن معهم الحقد والغل والانتقامrlm;.rlm;

لقد فقد ابنه الثاني مكرم في حادث مروري وهو في باريس بعد أن جاءها في زيارة قصيرة من الولايات المتحدة الأمريكيةrlm;..rlm;حيث كان يدرس في جامعة هارفارد الشهيرة التي يتخرج فيها مشاهير السياسيين في العالم وسبق أن درس فيها أبوهrlm;..rlm; وقد اختار له ذلك الاسمrlm;..rlm; غير الشائع في بلادهrlm;..rlm; إعجابا بالزعيم القبطي مكرم عبيد الذي كان رمزا يصعب تكراره للوحدة الوطنيةrlm;..rlm; المشكلة المزمنة في لبنانrlm;..rlm; حيث الطائفية تحكم كل شيءrlm;..rlm; من نظام الحكم إلي مناطق السكنrlm;..rlm; ومن تفسيرات الكتب المقدسة إلي ثياب النساء وأماكن السهرrlm;..rlm; ومن دواوين الشعر إلي طلقات البنادق الآليةrlm;.rlm;

جاء مكرم إلي باريس في الثمانينيات ليقضي إجازة أعياد الميلاد مع عائلته التي اضطرت للهجرة من بيروت بسبب الحرب الدامية بين الأهل والجيران وهي الحرب التي كان يصفها أبوه بأنها حرب الآخرين في لبنانrlm;..rlm; وجاء جبران ـ ابنه البكر ـ من باريس إلي بيروت ليقتل هو أيضاrlm;..rlm; لتتكرر صدمة الأب الذي حكمت عليه الأقدار بأصعب حكمrlm;..rlm; أن يدفن بنفسه أبناءهrlm;..rlm; وكانت بينهم ابنته التي ماتت بالسرطانrlm;..rlm; بجانب زوجته التي ماتت بالمرض اللعين نفسهrlm;..rlm; لتنتهي ذريته وشريكة عمره أمام عينيهrlm;..rlm; وفي عين حياتهrlm;..rlm; ولم يجد أمامه سوي أن يداوي أحزانه بالصبر وتحمل الدهر والاقتران بزوجة أخري هي شادية النيني التي فقدت هي أيضا زوجهاrlm;..rlm; وتذوقت طعم فراق الأحبةrlm;..rlm; إن ذلك السجل الحزين جعل زملاءه وتلاميذه وأصحابه في صحيفة النهار يسمونه مخزون الدهر الصامتrlm;.rlm;

ولم يجد الرجل لمواجهة كل هذه الخناجر التي تمزق قلبه وتفرمه دون توقف سوي التدينrlm;..rlm; لكنrlm;..rlm; تدينه كان يحمل سمات من الإبداع الخاص لمثقف وجد أن البشر رفعوا الكتب المقدسة لتكون ذريعتهم للقتل والنهب والخراب وتكوين الثروات الحرامrlm;..rlm; كان كل ما فعله جمع الأيقونات وكتب التراث والمخطوطات القديمة من مصر واليمن وتونس والمغربrlm;..rlm; لكنrlm;..rlm; أكثر ما حصل عليه كان من أسواق العاديات التاريخية في عواصم أوروبا المختلفةrlm;..rlm; فهم هناك أكثر اهتماما بتاريخنا مناrlm;.rlm;

وقد بدأت صحيفة النهار في بداية الثلاثينيات وهي تحمل شعار الديك الذي يشير صياحه إلي ميلاد يوم جديدrlm;..rlm; أو نهار جديدrlm;..rlm; صدرت في أربع صفحاتrlm;..rlm; وبصورة بدائيةrlm;..rlm; دون أن تتجاوز في اهتماماتها الحدود اللبنانيةrlm;..rlm; لكنrlm;..rlm;ذلك لم يستمر طويلاrlm;..rlm; فقد عاد غسان تويني من الولايات المتحدة بعد انتهاء دراسته الجامعية هناك لينقل الصحيفة المحلية إلي دائرة عربية وعالمية أكبر وأوسعrlm;..rlm; لتعبر عن نفسها بصورة قوميةrlm;..rlm; تتفجر بالحريةrlm;..rlm; وتبتعد عن الطائفيةrlm;..rlm; وهو ما جعل رجلها الجديد شخصية تمثل خلاصة ظواهر متميزة في الوسط الفكري للأرثوذكس العرب من أنطوان سعادة إلي ميشيل عفلقrlm;,rlm; ومن قسطنطين زريق إلي جورج حبش لكي تكون ذات أفق عربي بمعني الخروج من إطار المطبوعة التي تهتم بالشأن الداخلي إلي المطبوعة التي تعطي اهتماما ملحوظا لقضايا العالم العربيrlm;..rlm; حسب ما كتب فؤاد مطر في صحيفة الشرق الأوسطrlm;.rlm;

ويضيف فؤاد مطرrlm;:rlm; لقد هبت الفواجع علي غسان تويني كالأعاصير وكأن بينه وبين الحزن علاقة لا تنفصم عراها أو كأنه محرم عليه أن يفرحrlm;..rlm; لكنه رغم ذلك كان نبيلا في حزنهrlm;..rlm; صامداrlm;..rlm; لا يكاد يبدي ضعفاrlm;..rlm; وفي عزاء ابنه اختصر كل شيء في جملة واحدةrlm;..rlm; ستعيش بعد أن يرحل هو أيضاrlm;..rlm; أنا أدعو اليوم لا إلي انتقام ولا إلي حقدrlm;..rlm;بل أدعو إلي دفن الأحقاد مع جبرانrlm;.rlm;
إن كل الأنهار تجف إلا نهر الحزنrlm;..rlm; لا يكف عن الفيضان من أمطار القلبrlm;.rlm;