:المدينة تحولت الي ساحة أدبية شارك فيها الجمهور بكثافة ومحمود درويش وسلمان رشدي كانا متألقين

عبدالاله الصالحي


تولوز ـ القدس العربي: ماراثون الكلمات هذه هي الصيغة الجديدة التي أبدعها المسؤولون الثقافيون الفرنسيون للاحتفاء بالأدب والثقافة في مدينة تولوز الفرنسية المشهورة باسم المدينة الوردية وبنهرها الأسطوري لاغارون الذي يعبر وسط المدينة ويشطرها الي ضفتين. فعلي مدار أربعة أيام متتالية احتضنت شوارع المدينة ومسارحها ومؤسساتها المختلفة حوالي مئتي قراءة شعرية ونثرية قامت بها العشرات من الشعراء والكتاب والممثلين والمغنين. والي جانب القراءات حرص المنظمون وعلي رأسهم أوليفييه بوافر دارفور صاحب الفكرة ومديرها التنفيذي، علي اقامة عدة تظاهرات موسيقية ومسرحية في مختلف أحياء المدينة، أغلبها بالمجان وبعضها تطلب دفع أثمان رمزية، لاشاعة أجواء احتفالية بهيجة عززها الطقس الصيفي الرائع الذي عم المدينة طيلة أيام المهرجان وحث سكان هذه المدينة خاصة من الشبان والشابات الي المشاركة بكثافة وتلقائية في هذا المهرجان الضخم.

كيف تحولت المدينة الي سوق أدبي صاخب

ومن أجل انجاح هذه التظاهرة غير المسبوقة ومنحها بُعْدا عالميا راقيا لجأ المنظمون الي دعوة باقة من الأسماء الأدبية الذائعة الصيت وعلي رأسهم الكاتب البريطاني سلمان رشدي صاحب الآيات الشيطانية الذي دشن حفل الافتتاح مساء الخميس الماضي والممثلة الفرنسية الشهيرة ايزابيل هوبير التي اختتمت الماراثون مساء أمس. كما شارك في فعاليات هذا المهرجان الكاتب الفرنسي الكبير جون ماري لوكليزيو المقيم في المكسيك والذي نادرا ما يشارك في تظاهرات من هذا النوع. الحضور العربي تمثل في الشاعر الفلسطيني محمود درويش الذي قرأ في مسرح المدينة مقاطع من الجدارية بمساهمة الممثل ديديي سوندر والروائي المصري جمال الغيطاني الذي قرأ نماذج من رواياته المترجمة الي الفرنسية. هذا بالاضافة الي الكاتبة والباحثة الفرنسية من أصل جزائري آسيا جبار والكاتب الجزائري عبد القادر جامع. ومن الأسماء التي أشعت بحضورها أيضا الشاعر الفرنسي ابن مدينة تولوز سيرج بي مخترع الشعر القصبي الذي عود الجمهور علي استعمال القصب في قراءاته وهو معروف بكونه أحد أعمدة الشعر الصوتي في الساحة الفرنسية. ماراثون الكلمات حول المدينة بين عشية وضحاها الي سوق ثقافية حقيقية وتركزت جل القراءات في الساحات العامة والشوارع وتمت اقامة بنوك أدبية لتبادل الكتب بين الجمهور وتم تغيير كل أسماء الشوارع بهذه المناسبة لتحمل أسماء شعراء وكتاب وفنانين من مختلف أنحاء العالم. كما أن مقاهي وحانات المدينة احتضنت قراءات شعرية ونثرية تجاور فيها الكتاب والشعراء المعروفون مع كتاب مجهولين أو مبتدئين في أجواء احتفالية طبعها المرح والحبور. كما تكفلت المدارس والجامعات باقامة محترفات أدبية مخصصة للصغار والناشئة بمساهمة الكتاب المدعوين. وقد قرر المنظمون في هذه الدورة الأولي من ماراثون الكلمات استضافة مدينة لشبونة كضيف شرف وتخصيص عدة تظاهرات للاحتفال بالأدب البرتغالي حيث نظمت قراءات لفرناندو بيسوا وجوزيه ساراماغو وانطونيو لوبو أنتونس وليديا خورخي كما رافقت هذه القراءات عروض مسرحية لفرقتين برتغاليتين.

سلمان رشدي يُضْحِكُ الجمهور

في ساحة الكابيتول التي تتوسط المدينة علي بعد بضعة أمتار من مسرح تولوز القومي حيث أقيم حفل افتتاح الماراثون لم يكن بوسع الكاتب سلمان رشدي أن يعبر من دون أن تلاحقه عيون المارة والمتجولين حول الساحة وحتي أولئك الذين لم يتعرفوا علي سحنته الشهيرة بعد أن حلق لحيته، شدتهم ملامح زوجته الجميلة التي تتأبط ذراعه. سلمان رشدي رفض أي حماية بوليسية وذرع المدينة وشوارعها وجال في مكتباتها وحده أو برفقة زوجته وزملائه من الكتاب الفرنسيين من دون أن يتعرض لأدني مضايقة. هكذا لاحظ الجميع أن صالة جوزيه كابانيس حيث أقيمت أول قراءة أدبية في الماراثون احتفاء بسلمان رشدي لم تشهد أي حضور للشرطة أو رجال الأمن لا عند عتبة الصالة ولا داخلها. اختار رشدي أن يبدأ مساهمته في أول قراءة أدبية بالحديث مع الجمهور والجواب علي أسئلة الحضور متحدثا عن علاقة السياسي وبالأدبي وعن مسؤولية الكاتب كفاعل مجتمعي. ثم انتقل للحديث عن الهند بلده الأصلي حيث أثار عاصفة من الضحك حين قال: الرشوة دواء مضاد للتطرف. فحالما يتعود المتطرفون علي الرشوة يظلون علي حالهم الي الأبد كمال لو أن الأمر مسألة شرف وعندما بادره أحد الحاضرين بسؤال عن موقفه من التصويت علي الدستور الأوربي وهو حديث الساعة في فرنسا هذه الأيام لم يخف رشدي اقتناعه بالوحدة الأوربية وبالدستور الأوربي رغم ما يشوب هذا الدستور من نواقص كأرضية لتحقيق الحلم الأوربي. وبدا رشدي في غاية الحيوية والظرف عندما تحدث عن روايته الجديدة شاليمار المهرج التي فرغ للتو من كتابتها بعد أربع سنوات من الاعتكاف.
وهي رواية تدور فصولها في محافظة كشمير وتبدأ أحداثها بعملية اغتيال يتعرض لها سفير سابق للولايات المتحدة الأمريكية في الهند. وتطرق رشدي أيضا الي مسألة حرية التعبير ومسؤولية الكاتب: لا يجب التعرض للكُتاب حتي أكثرهم رداءة لكن لا أدري ان كان هذا المبدأ ينطبق علي كاتب شيفرة دافنشي! لتضج القاعة بالتصفيق والقهقهات وجد رشدي صعوبة في ايقافها لكي يقرأ مقاطع مختارة من رواياته بالانكليزية والفرنسية. ولم ينس رشدي أن يوجه تحية حارة الي صديقته الكاتبة الأمريكية سوزان سونتاغ التي توفيت مؤخرا والي صديقه الشاعر الباكستاني فايز أحمد فايز.

درويش يتألق أمام جمهور
مفتون بشعره

من بين المواعيد المهمة في هذا الماراثون الثقافي ويوم الجمعة مساء نظمت مكتبة النهضة في ضواحي تولوز وهي مكتبة معروفة بتوجهاتها اليسارية لقاء مفتوحا مع الجمهور الذي اكتظت به قاعة المكتبة، حوالي 150 شخصا علي الأقل، وكان خليطا من أبناء الجاليات العربية والفاعلين من جمعيات المجتمع المدني المناصرين للقضية الفلسطينية. وفي هذا اللقاء الذي دام حوالي الساعة أجاب درويش علي أسئلة الحضور التي كان بعضها حول تجربته الشعرية ومزاوجته بين هموم الذات وشجون القضية وبعضها كان سياسيا محضا وقد كان الي جانب درويش صديقه وناشره الفرنسي مسؤول دار سندباد فاروق مردم بي الذي تكفل بعملية الترجمة من والي الفرنسية.. لكن العرس الحقيقي كان مساء السبت في مسرح المدينة الذي امتلأ عن آخره بحوالي 700 شخص من بينهم شخصيات ثقافية وسياسية مرموقة ومجمل ما تضمه تولوز من كتاب وشعراء ومثقفين أتوا لسماع درويش يقرأ مقاطع من الجدارية بالعربية ومقاطع بالفرنسية قرأها الممثل ديدي ديساندر الذي تفنن في الالقاء بطريقة مسرحية رائعة. ولاحظ الجميع خاصة من أولئك الذين دأبوا علي حضور قراءات درويش أنه كان شديد التركيز وأن قراءته كانت في غاية النجاح أمام جمهور فرنسي مفتون. وكلما توقف عند نهاية بيت ما كان الصمت يطبق علي القاعة قبل أن يواصل الشاعر قراءته بانسيابية وعذوبة نادرتين تظهر بشكل واضح موسيقية شعر درويش وقابليته للقراءة. وقد أسر درويش لمرافقيه بأنه كان في غاية الغبطة وهو يقرأ أمام جمهور نوعي حج بكثافة الي المسرح ودفع ثمن الدخول. وللتذكير فدرويش له جمهور فرنسي عريض يتابع نتاجه بشغف ويقطع مئات الكيلومترات للتمتع بسماع صوته كما أن دواوينه المترجمة لها رواج لافت في سوق الكتاب.

القراءة صرعة جديدة تجتاح المشهد الأدبي الفرنسي

ماراثون الكلمات جاء ليتوج تقليدا أدبيا متزايد النجاح في مختلف الأقاليم الفرنسية وتمثل في عودة قوية للشفهي وللقراءات الشعرية والنثرية. فالسنوات الأخيرة عرفت اقبالا متزايدا للجمهور الفرنسي علي القراءات وكأنه صار يميل أكثر لسماع النصوص بدل قراءتها سواء تعلق الأمر بنصوص الكتاب الأحياء أو النصوص الكلاسيكية. بل أن ثمة ظاهرة بدأت تعم المسارح الفرنسية حيث تخصص بعض الممثلين ومنهم بعض الأسماء اللامعة في قراءة النصوص الشعرية والنثرية علي المسرح. وخير دليل علي هذه الظاهرة السينمائي والكاتب باتريس شيرو الذي يقرأ منذ خمس سنوات نصوص دوستيوفسكي في مسرح أوربا بباريس في صالة مكتظة بالجمهور مرة كل شهر. وهناك أيضا الممثل الشهير فابريس لوكيني الذي قام قبل عامين بجولة ناجحة عبر مسارح المدن الفرنسية لمدة ثلاثة أشهر كاملة قارئا نصوصا مختارة لفرديناند سيلين ورامبو ونيتشه ولوتريامون. الا أن البعض من المهتمين بالمسرح يرون في هذه الظاهرة نزوعا من جانب أصحاب المسارح الي التخفيف من الأعباء المالية التي تتطلبها اقامة المسرحيات من ديكور وانارة وملابس وأكسسوارات لأن القراءة في نهاية المطاف لا تتطلب سوي القارئ وطاولة عليها كتاب وميكروفون.
وبالاضافة الي ظاهرة الممثلين/القراء المعروفين هناك العشرات من الممثلين المجهولين الذين يقومون يوميا بقراءة الشعر في المكتبات العامة والمستشفيات وحتي السجون. وما النجاح الذي عرفه ماراثون الكلمات في تولوز سوي استمرار للنجاح الذي يعرفه منذ عشر سنوات مهرجان حفل القراءة الذي ينظم سنويا في بداية شهر تشرين الاول (أكتوبر) وتقام خلاله القراءات في الشوارع والساحات العامة. وأيضا مهرجان ربيع الشعراء الذي يعرف نجاحا متعاظما كل دورة ويحتفل هو أيضا بالقراءة ويحرص علي الدفع بالشعراء لقراءة نصوصهم خارج الأمكنة التقليدية التي عادة ما يقرأ فيها الشعر.
وقد تكون هذه الظاهرة أمرا مألوفا بالنسبة للقراء العرب، فالتقاليد الشفهية ما تزال حاضرة بقوة في المجتمعات العربية لكن الملاحظ أن القراء في الغرب وفي فرنسا تحديدا صاروا يميلون الي حضور القراءات للسماع والاحتكاك المباشر مع الشعراء والكُتاب. واللافت حاليا أن الكتاب أنفسهم شرعوا في الاهتمام بالقراءة هم المتعودون علي ممارسة الكتابة والقراءة كنشاط فردي يستوجب حالة من العزلة. بل ان كاتبا مرموقا مثل دانيال بيناك صار يدعو الي ما أسماه حق الكاتب في القراءة بصوت عال وهذا ما دفع بوزارة التربية الوطنية الي اللجوء الي مساعدته وتنظيم مشروع ضخم تمثل في تجنيد عشرة آلاف قارئ متطوع من المتقاعدين والمتقاعدات لكي يقوموا بقراءات في المدارس وفي الأحياء الفقيرة لاستمالة الجمهور الي الأدب والتشجيع علي القراءة.