الثلاثاء: 23 . 08 . 2005

ثمة فهم سائد لدي العقل الغربي المتمركز حول ذاته وهو أن التسامح السياسي محض قرين للديمقراطية الليبرالية التي تمثل بدورها ذروة مثل الحداثة السياسية في القرنين الأخيرين علي وجه الخصوص‏,‏ ومن ثم فلم يكن هناك تسامح سياسي‏,‏ ولا تعايش سلمي قبل ذلك أو في اطار حضاري أو ثقافي مغاير خارج عن أو علي التشكيل الغربي المعاصر‏,‏ وهو فهم نرجسي مدمر اذ يرتب افتراضا خطيرا يلقي بظلاله علي المستقبل البشري‏,‏ وعلي العلاقة بين الثقافات والحضارات الإنسانية‏,‏ فحواه انه لا تسامح ولا تعايش إنساني أو دولي ممكن في المستقبل إلا بالإندماج في الديمقراطية الليبرالية‏,‏ بل واستعارة نمط الحياة الغربي بما يحتويه من قيم ومرجعيات‏,‏ حتي لو أدي ذلك إلي تغريب المجتمعات الإنسانية‏,‏ باعتباره الطريق الوحيد لأي مبادرة للتحديث الوطني أو للنهوض الحضاري القومي‏.‏

وبلا شك يتنافي هذا الافتراض مع الواقع التاريخي أو علي الأقل يمثل فهما اختزاليا له ذلك أن التسامح كفضيلة إنسانية أو كمبدأ سياسي ليس قرينا للديمقراطية الليبرالية وحدها‏,‏ ولا مرادفا لها إذ وجد دينيا وسياسيا في مراحل تاريخية أقدم بكثير من آواخر القرن الثامن عشر‏.‏ ففي التاريخ الحضاري الإسلامي مثلا أبدي العرب المسلمون الأوائل في المدينة المنورة قبولا بوجود اليهود بها وأحسنوا التعامل معهم وقدموا لهم الحماية رغم خيانتهم أحيانا وعدائهم غالبا‏,‏ كما احتضنهم مسلمو الأندلس فعاشوا في رحابهم أفضل مراحل تاريخهم حيث لمع أبرز فلاسفتهم موسي بن ميمون ووصل بعضهم إلي مناصب سياسية غير مسبوقة‏,‏ وأبقت الخلافة العثمانية علي نهج التسامح مع اليهود ومع الأرمن والمسيحيين الذين عاشوا بها تاريخا طويلا من الحرية الدينية والثقافية

وهناك أيضا نموذج التعايش الإنساني والسياسي الذي ساد التاريخ المصري الطويل مع كل آخر بدون استثناء حتي أن المصري في كثير من العصور ربما شابت نظرته الي الآخر أطياف من عنصرية معكوسة تمجده علي حساب الذات‏,‏ ولدي العراق ـ علي استبداديته في الحقبة الأخيرة ـ تجربة عميقة في التسامح مع اليهود استمرت حتي ثورة تموز وما صاحبها وأعقبها من نزوع اليهود أنفسهم الي اعادة تكييف هويتهم كإسرائيليين والهجرة إلي ما تصوروه حلمهم القومي الجديد في أرض الميعاد‏.‏

ولا شك في وجود نماذج أخري للتسامح تزخر بها الثقافات الإنسانية الأخري‏.‏ لعل أبرزها ماكان من الهنود الحمر في تعاملهم الباكر مع المستوطنين الأوروبيين وخاصة الأسبان ثم الإنجليز قبل أن يكتشفوا نواياهم الإستعمارية‏,‏ فقد كان هنود أمريكا اللاتينية يدلون المستكشفين الأسبان الأوائل علي ما يملكونه من ثروات من المحاصيل‏,‏ ومن الذهب‏,‏ ولا يترددون في اقتسامه مع ضيوفهم الغرباء‏,‏ قبل أن يستدير اليهم هؤلاء الضيوف بالسيوف قتلا وإبادة فيما يعترف به كولومبس نفسه في سجلاته عن مغامراته الكبري في جزر الباهاما وكوبا وهسبانيولا‏,‏ ويكرره خليفته الفاتح الأسباني بيزارو في البيرو‏,‏ وكذلك المستكشف فرناندو كورتيس في المكسيك حيث تم القضاء هناك علي حضارة الأزتيك وهي حضارة متكاملة صار المؤرخون الغربيون اليوم يعترفون صراحة بوجودها‏.‏

وعلي المنوال نفسه كان الأمر مع المستكشفين الإنجليز في فرجينيا التي وصلها ريتشارد جرينفل علي رأس سبع سفن ليشعل فيها النيران رغم الكرم الشديد الذي قوبل به هناك وذلك بحجة ان هنديا سرق كوبا فضيا صغيرا‏,‏ وكما كان أيضا في نيو انجلاند‏,‏ ورود ايلاند علي يدي جون ونثروب وغيره وكما يعترف مؤرخون كبار بحجم فيرجل فوجيل‏,‏ وهوارد زن‏,‏ وادموند مورجان وغيرهم‏.‏

ويشي التاريخ الصيني المديد ربما لأكثر دولة وطنية استمرارا في التاريخ البشري دونما انقطاعات أو تحولات كبري‏,‏ بشخصية حضارية بالغة التسامح تغذيها ثقافة عريقة وغنية‏,‏ وتدعمها ديانة أرضية هي الكونفوشيوسية تلعب فيها الحكمة العملية والخبرة الحياتية والمثل الأخلاقية دورا مركزيا وملهما فلم تعرف العدوانية قط‏,‏ وان عرفت الإعتزاز بالنفس‏,‏ والرغبة في الحفاظ علي نسيجها الحضاري ما دفعها قديما الي بناء السور العظيم لحماية نفسها من البرابرة‏,‏ ويدفعها اليوم الي تطوير ثقافة تنمية شاملة تقترب من حدود النموذج العالمي ولكن من داخل خصوصيتها القومية التي لم تدفعها الي العدوانية حتي علي تايوان الإبن الصغير المنشق رغم الفوارق الكبري بين الطرفين علي صعيد القوة الشاملة‏.‏

وفي مقابل العمق التاريخي للتسامح‏,‏ فإن ثمة عمق علي مستوي الروح الفردية أو الشعور بـ الفردانية في الديمقراطية الليبرالية المؤسسة علي الرؤية الحديثة للوجود تتغذي علي مرجعية ثقافية خاصة جوهرها العلمانية ومركزية الذات الحديث‏,‏ ومعيارية العقل البشري‏,‏ وهي مرجعية لم تجد تجسدها الكامل حتي الأن اللهم سوي في التجربة الغربية حيث قادتها هذه المرجعية إلي التسامح في النهاية أي عند نقطة وصول يمكن السير نحوها عبر طرق مختلفة عن تلك المرجعية الليبرالية‏.‏

وربما يدعم هذا الفهم نشوء نوع وسطي أو توفيقي من الديمقراطية غير الليبرالية كآلية لتداول السلطة والتنافس حولها بشكل تحكمي ومن دون مرجعية ليبرالية حيث يتم التشارك في السلطة السياسية بل وتبادلها بين كتل وأحزاب يجري اصطناعها تقريبا دونما تراث ليبرالي تحول دونه موانع وذلك علي منوال ما يجري في إيران وتركيا حيث ضغوط المؤسستين الدينية والعسكرية تعوق تراكم هذا التراث وإن لم تحل دون قيام شكل تنافسي يضمن انتقالا سلميا للسلطة السياسية‏.‏

ولعل هذا الفهم يلتقي ـ ولو من الباب الخلفي ـ مع تصور المفكر الأمريكي المعروف جون رولز في كتابه قانون الشعوب حيث يؤكد أن الليبرالية ليست عالمية‏,‏ وإنما تقتصر غالبا علي الدول الغربية‏,‏ وميز في تصوره للمجتمع الدولي بين الدول الليبرالية الغربية أساسا وبين الدول المنضبطة التي تمارس سياسات عقلانية وتندمج في الاقتصاد الدولي ولكن دون روح ليبرالية حقيقية‏.‏ وبين قسم ثالث منها لا هو ليبرالي ولا هو عقلاني منضبط يمكن تسميته بـ الدول الفاشلة إذ يعتقد رولز أن الصنفين الأولين من الدول هما أساس المجتمع الدولي المعاصر حيث يمكن أن يقوم عليهما نظام دولي يرتكز علي مبدأ العدالة‏.‏ ونحن هنا نوافقه الرأي بوجود دول‏/‏ قوي عقلانية تستطيع بناء نظام عالمي والإسهام في حركة التاريخ وان لم تراكم مرجعية ليبرالية‏,‏ ما يعطي لكل الدول والإرادات في عالمنا حق الوجود الفاعل من داخل خصوصياتها الثقافية

طالما التزمت بحدود العقلانية السياسية‏,‏ والشرعية التاريخية الواسعة‏,‏ وليس فقط بالحدود الضيقة للديمقراطية الليبرالية التي قد يؤدي إعمالها كمرجعية وحيدة للحضارة الإنسانية الي تخريب السلم العالمي واشعال حرائق ثقافية ودينية غير محدودة‏.‏ فلتكن العدالة الدولية‏,‏ والسلام العالمي غايتان كبريان لكل الأمم‏,‏ ولتبقي الديمقراطية الليبرالية وسيلة مثلي‏,‏ ضمن أخري‏,‏ لبلوغهما‏.‏