كنت أعرف أن الحجاز هو موطن الغناء العربي، قبيل مجيء الدعوة الاسلامية، وازدهر في العصرين الأموي والعباسي.. لكنني لم أكن أعرف أنه كان صناعة رائجة لها أربابها وأساطينها ومريدوها إلاّ عندما قرأت رواية رشيد الضعيف الأخيرة معبد ينجح في بغداد .
راودتني شكوك عميقة حول تأليف الكاتب اللبناني هذه الرواية وماذا يريد أن يقول لنا، نحن عرب اليوم، من خلالها.. فهل أراد ان يقول إن الغناء، عند العرب القدماء، كان صدارة مجلس المُلك والجاه قبل أن يكون زاد المتهتك والسفيه؟ أم أنه يقصد شيئاً آخر من خلال إعادة تأليف كتاب الأغاني روائياً؟
لست علي يقين من قصد رشيد الضعيف، وإن كانت نيتي السيئة حيال صنيعه الروائي ، تقـــــول انه وقع علي مادة دسمة بقدر ما تُعلي من شـأن الغناء عند العرب، بقدر ما تستجيب لأفق توقعات الآخر حيالهم: المجــــــون، العنف السادر، جلجلة الغرائز، اللواط، الحريم والجــــواري، العنصرية العرقية، الخ... الخ.
فهذه مادة وفيرة ينبشها رشيد الضعيف من بطون الكتب، وعينه، أغلب الظن، علي الترجمة، التي تتلقف كل ما من شأنه تغذية التنميطات الغربية (الاستشراقية) عن العربي التي لم تفتر لها هّمة ولم يكلّ لها عزم رغم أفول علوم الاستشراق والمستشرقين.
قد تكون هذه قراءة في نوايا للكتابة ومقاصدها أكثر مما هي قراءة في العمل نفسه، وهذا أمر بعيد عن الإنصاف.
غير أن ما ينشّط سوء النية عندي خلو مدونة هذا الكاتب اللبناني من أي مقاربة للتراث العربي أو اشتغال علي سرده. فهو كاتب انشغل بالحياة اليومية اللبنانية في ظل الحرب الأهلية وذيولها. وبدا بعيداً جداً عن التراث العربي.
المعروفون بهذا الاهتمام بين الروائيين العرب المعاصرين قلة قليلة، أذكر منهم إميل حبيبي وجمال الغيطاني، وربما بن سالم حميش.
لكن هذا أمر لا يهمني الآن.
فليكن مقصده ما يكون.. ما يهمني (.. وأشكر الضعيف عليه) هو غوصه في بطون أمهات الكتب (اغاني أبو الفرج الأصبهاني تحديداً) وعودته بموضوع فاتــــن لا يعرف عنه عرب اليوم، المبتلون بزيزان الفيديو كليب وجراده الكاسح، سوي النزر اليسير!
الغناء عند العرب؟
يبدو الأمر أقرب إلي المجاز منه إلي الحقيقة. فهل كان عند الطالعين من الصحراء غناء له أسس وقواعد وأعلام؟
سأعدّل السؤال علي النحو التالي: هل كان الغناء عند العرب أساسياً بحيث لا يكون المُلك مُلكاً والا الليل ليلاً ولا الشجن والفرح شجناً وفرحاً من دونه؟
رواية رشيد الضعيف التي يصطنع لها، شخصية رئيسية وهمية (هي معبد بن رباح) تقول ذلك:
الغناء أبهّة المُلك وجلاله .
هذه مقولة ترد في رواية الضعيف، قد تكون مقتبسة من مرجع تراثي ما، وقد تكون من وضعه، لأن لغة الرواية، هذه، تغادر أرض العربية شبه اليومية (إن لم أقل الركيكة، قصداً) المعهودة عند هذا الكاتب اللبناني، لتتقمص لغة العرب في العصر العباسي، وبصرف النظر عن قائل هذه المقولة، فهي تشير إلي أن المُلك لا تستقيم عدته، في ذلك العهد، من دون الغناء والمغنين.. وبالتالي الشعراء..
نحن، الآن، في بغداد بني العباس التي كان خليفتها الرشيد يتطلع إلي السحابة المارة فوق عاصمة امبراطوريته فيعرف أن خراجها، أنيّ شرّقت أو غرّبت، عائد إليه.
الفتوحات الكبري أُنجزت.
والامبراطورية التي ضمت بين جناحيها أرضاً وأقواماً وألسنة لم يسمع ببعضها العرب من قبل، تتمدد، باسترخاء، بين السند و جبال البرانس .
فما الذي يمنع القوم من التمتع بالخيرات المتدفقة علي عاصمة الخلافة (الكون) التي كان يمكن أن يجري الذهب في نهرها العريض بدلاً من الماء؟
لا شيء، في الواقع، سوي المؤامرات بين ورثة أبي العباس السفاح.
ولكن حتي هذه لم تنتقص، في بدئها، قيراطا واحداً من تلك الامبراطورية المترامية الأطراف.
فأي شيء من شأنه أن يزيد عاصمة الامبراطورية ـ الكون القاً علي ألق سوي الشعر والأصوات التي تسابقت برنينها الماسي علي هزّ الستارة الفاصلة بينهم وبين خلفاء دانت لهم الدنيا، فاضطجعوا علي السندس والدمقس والاستبرق؟
الغناء أبهة المُلك !
فكيف إذا كان المُلك لبني العباس سادة دنياهم؟
سيكون علي الشعراء والمغنين أن يأتوا بالعجب كي تهتز تلك الستارة، أو كي تزال بين الخليفة وخواصه وبين المغني / المغنية وفرقته.
إزالة الستارة تمثل لحظة الانخطاف بالغناء التي كانت تخرج أمير المؤمنين عن دوره الديني المفترض، وتهبط بالملك من عرشه لـ يتوحد ، بحاشيته العليّة مع المغنين والخدم.
في بغداد المختلطة الثقافات والأعراق، سيقفز الغناء، بعربه ومواليه، قفزة كبيرة تجعل من لحن معبد بن وهب، وقصيدة أبي قطيفة التي يقول مطلعها:
القصرُ فالنخلّ فالجمّاءُ بينهما أشهي إلي القلب من أبواب جيزون..
مجرد سلف بعيد، وربما خشن. فما قصر سعيد بن العاص ونخله في الحجاز أمام عالم ألف ليلة وليلة البغدادي؟
فضيلة رواية رشيد الضعيف الوحيدة، ربما، هي استعادة بغداد التي كان يستخفها الشعر والأنس والطرب، بغداد عاصمة العالم كما كان يعرفها أناس تلك الأيام، أمام بغداد، اليوم، التي تتكالب عليها جيوش وقطاعو طرق جاءوا من كل فجَّ عميق.
راودتني شكوك عميقة حول تأليف الكاتب اللبناني هذه الرواية وماذا يريد أن يقول لنا، نحن عرب اليوم، من خلالها.. فهل أراد ان يقول إن الغناء، عند العرب القدماء، كان صدارة مجلس المُلك والجاه قبل أن يكون زاد المتهتك والسفيه؟ أم أنه يقصد شيئاً آخر من خلال إعادة تأليف كتاب الأغاني روائياً؟
لست علي يقين من قصد رشيد الضعيف، وإن كانت نيتي السيئة حيال صنيعه الروائي ، تقـــــول انه وقع علي مادة دسمة بقدر ما تُعلي من شـأن الغناء عند العرب، بقدر ما تستجيب لأفق توقعات الآخر حيالهم: المجــــــون، العنف السادر، جلجلة الغرائز، اللواط، الحريم والجــــواري، العنصرية العرقية، الخ... الخ.
فهذه مادة وفيرة ينبشها رشيد الضعيف من بطون الكتب، وعينه، أغلب الظن، علي الترجمة، التي تتلقف كل ما من شأنه تغذية التنميطات الغربية (الاستشراقية) عن العربي التي لم تفتر لها هّمة ولم يكلّ لها عزم رغم أفول علوم الاستشراق والمستشرقين.
قد تكون هذه قراءة في نوايا للكتابة ومقاصدها أكثر مما هي قراءة في العمل نفسه، وهذا أمر بعيد عن الإنصاف.
غير أن ما ينشّط سوء النية عندي خلو مدونة هذا الكاتب اللبناني من أي مقاربة للتراث العربي أو اشتغال علي سرده. فهو كاتب انشغل بالحياة اليومية اللبنانية في ظل الحرب الأهلية وذيولها. وبدا بعيداً جداً عن التراث العربي.
المعروفون بهذا الاهتمام بين الروائيين العرب المعاصرين قلة قليلة، أذكر منهم إميل حبيبي وجمال الغيطاني، وربما بن سالم حميش.
لكن هذا أمر لا يهمني الآن.
فليكن مقصده ما يكون.. ما يهمني (.. وأشكر الضعيف عليه) هو غوصه في بطون أمهات الكتب (اغاني أبو الفرج الأصبهاني تحديداً) وعودته بموضوع فاتــــن لا يعرف عنه عرب اليوم، المبتلون بزيزان الفيديو كليب وجراده الكاسح، سوي النزر اليسير!
الغناء عند العرب؟
يبدو الأمر أقرب إلي المجاز منه إلي الحقيقة. فهل كان عند الطالعين من الصحراء غناء له أسس وقواعد وأعلام؟
سأعدّل السؤال علي النحو التالي: هل كان الغناء عند العرب أساسياً بحيث لا يكون المُلك مُلكاً والا الليل ليلاً ولا الشجن والفرح شجناً وفرحاً من دونه؟
رواية رشيد الضعيف التي يصطنع لها، شخصية رئيسية وهمية (هي معبد بن رباح) تقول ذلك:
الغناء أبهّة المُلك وجلاله .
هذه مقولة ترد في رواية الضعيف، قد تكون مقتبسة من مرجع تراثي ما، وقد تكون من وضعه، لأن لغة الرواية، هذه، تغادر أرض العربية شبه اليومية (إن لم أقل الركيكة، قصداً) المعهودة عند هذا الكاتب اللبناني، لتتقمص لغة العرب في العصر العباسي، وبصرف النظر عن قائل هذه المقولة، فهي تشير إلي أن المُلك لا تستقيم عدته، في ذلك العهد، من دون الغناء والمغنين.. وبالتالي الشعراء..
نحن، الآن، في بغداد بني العباس التي كان خليفتها الرشيد يتطلع إلي السحابة المارة فوق عاصمة امبراطوريته فيعرف أن خراجها، أنيّ شرّقت أو غرّبت، عائد إليه.
الفتوحات الكبري أُنجزت.
والامبراطورية التي ضمت بين جناحيها أرضاً وأقواماً وألسنة لم يسمع ببعضها العرب من قبل، تتمدد، باسترخاء، بين السند و جبال البرانس .
فما الذي يمنع القوم من التمتع بالخيرات المتدفقة علي عاصمة الخلافة (الكون) التي كان يمكن أن يجري الذهب في نهرها العريض بدلاً من الماء؟
لا شيء، في الواقع، سوي المؤامرات بين ورثة أبي العباس السفاح.
ولكن حتي هذه لم تنتقص، في بدئها، قيراطا واحداً من تلك الامبراطورية المترامية الأطراف.
فأي شيء من شأنه أن يزيد عاصمة الامبراطورية ـ الكون القاً علي ألق سوي الشعر والأصوات التي تسابقت برنينها الماسي علي هزّ الستارة الفاصلة بينهم وبين خلفاء دانت لهم الدنيا، فاضطجعوا علي السندس والدمقس والاستبرق؟
الغناء أبهة المُلك !
فكيف إذا كان المُلك لبني العباس سادة دنياهم؟
سيكون علي الشعراء والمغنين أن يأتوا بالعجب كي تهتز تلك الستارة، أو كي تزال بين الخليفة وخواصه وبين المغني / المغنية وفرقته.
إزالة الستارة تمثل لحظة الانخطاف بالغناء التي كانت تخرج أمير المؤمنين عن دوره الديني المفترض، وتهبط بالملك من عرشه لـ يتوحد ، بحاشيته العليّة مع المغنين والخدم.
في بغداد المختلطة الثقافات والأعراق، سيقفز الغناء، بعربه ومواليه، قفزة كبيرة تجعل من لحن معبد بن وهب، وقصيدة أبي قطيفة التي يقول مطلعها:
القصرُ فالنخلّ فالجمّاءُ بينهما أشهي إلي القلب من أبواب جيزون..
مجرد سلف بعيد، وربما خشن. فما قصر سعيد بن العاص ونخله في الحجاز أمام عالم ألف ليلة وليلة البغدادي؟
فضيلة رواية رشيد الضعيف الوحيدة، ربما، هي استعادة بغداد التي كان يستخفها الشعر والأنس والطرب، بغداد عاصمة العالم كما كان يعرفها أناس تلك الأيام، أمام بغداد، اليوم، التي تتكالب عليها جيوش وقطاعو طرق جاءوا من كل فجَّ عميق.
