سمير عطا الله


quot;قرأت في كتب العرب انه لا يمكننا العثور في هذا العالم على ما هو اكثر اثارة للاعجاب من الانسانquot;.
بيك دولا ميراندول

أتابع على نحو شبه طقسي معدّل تساقط الامطار. فأهل القرى ndash; مثل اهل الصحراء ndash; يرون في الهطول خيراً ومواسم. ويتضايق اهل المدن من زخة تسبب الرطوبة ورائحة الملابس، بينما يهفو اهل القرى الى مطرة تفوّح رائحة الارض، اجمل عطر في الكواكب.

هذه السنة تابعت معدل الامطار في جزع. فلم يخطر لي ما في الارض، بل من عليها من نازحين وفازعين ومقيمين في ديار غير ديارهم. وفيما كانوا يتقاتلون حول quot;السقف السياسيquot; او quot;القعرquot; بالاحرى، كنت افكر في البيوت التي دمّر العدوان سقوفها وزلزل جدرانها وشرّد سكانها في الملاجئ الآجلة والاقامات الطارئة. ما اصعب أن يكون المطر مراً والهطول لا يريده الخائفون من آثاره.
اعرف، طبعاً، ان هذا الكلام قد يضحك، ربما حتى من هم في البلل. فنحن بلد سياسي لا وجود للانسان فيه، ولا حساب لمشاعره. وليس للمواطن قضية شخصية. قضيته فقط، ضد سواه. والهدوء عار. والراحة خيانة. والكفاية بطر. ولا يبرر لبنان شيء، سوى انه غليان دائم، وقلق متماد، ومجموعة شعوب متقاطعة، لا تتلاقى. بعضها يبحث عن سقف، وبعضها يفتش عن ميناء، وبعضها كفّ عن البحث عن اي شيء. انا، في القطيع الاخير.

لقد بحثت، منذ تفتقت لديّ حاسة البحث، عن مسؤولين وسياسيين وقادة، يرفعون شعاراً واحداً هو المحبة، وفقاً للاولويات التالية: محبة المواطن، ومحبة الوطن، ومحبة الامة. ولا قيام لوطن او لامة، اذا كان مواطنها باغضاً او مبغوضاً. مواطن يدرّب على الخبث وعلى دفن مشاعره الحقيقية وعلى القعود فوق كرامته. والمسؤول الذي لا يحب شعبه ووطنه لا يمكن ان يدرك معاني الكرامة البشرية واحاسيسها ومشاعرها. لذلك تتحول الشعوب من حلم بلا حدود الى ظلام بلا نهاية.

عندما يتهاوى المستوى السياسي، لا تعود هناك قيمة لشيء. فالقانون يصبح وجهة نظر، والدستور محقدة ومكايدة، والتحكيم مناكفة، والوطنية حرباً، والمستقبل رعباً، بل يصبح الدستور والقانون والوطن، مبعث النزاع وذريعة التقاتل. ويتحوّل العنف اللفظي والخطابي والتفاوضي (وليس الحواري) من محظور وطني وقومي الى نهج. وبعدما كنا ندعو العالم الى التمثل بالنموذج اللبناني اصبحنا نهدد أنفسنا بواحد من خيارين: العراق، حيث الصراع الطائفي المفضي الى زوال الدولة، او فلسطين، حيث الصراع السياسي يهدف الى الغاء الطبقة التي صنعت الثورة (والعودة) ثم غرقت في الفساد، لكي تحل مكانها الطبقة التي ورثت الثورة والعودة، ولا ندري اطلاقاً ما اذا كانت سترث الفساد ايضاً.

لقد وصلنا الى بعض الطبقة السياسية التي تتحكم في مصائرنا ويومياتنا الآن، لأننا تواطأنا، كبشر، في التآمر السلبي او الفعلي، في سبيل عدم اقامة الدولة. وهذا الموسم القبيح من القلق والخوف والفزع والبطالة وشبح الفقر والمجاعة، هو من ذلك الزرع. لم يكن ممكنا ان نرفض قيام الدولة وشرعة القانون ونظام التطور ومفهوم التضامن الوطني والعدالة الاجتماعية، ثم ان نصل الى غير ما نحن فيه اليوم. هذا هو نتاجنا. وهذا هو زرعنا. والآخرون الذين نقول اننا حاربنا حروبهم، انما نحن من حارب حروبهم. وكنا في كل مرة ننتظر من الآخرين ان ينصرونا على شريكنا في الارض وفي الحياة وفي المصير.

الطبقة السياسية التي انتقيناها او ارتضيناها وانقدنا لها او سكتنا عنها، لا يمكن ان تعطى سوى ما أعطت. البذيء منها يفاخر ببذاءته، لأنه ليست لديه أي مهمة او قيمة أو موهبة اخرى. والثرثار يكرر صياحه لأنه من دون ذلك لا عمل آخر له ولا مبرر. ومن المضحك ان تعيّر حاملي الفؤوس بفؤوسهم، ففي مراحل الانحطاط يتحول كل قيد خلقي الى معابة، وتنقلب السفول الى أعلى. وعندما اشتدت وطأة الحرب أصبح طبيعيا، بل متوقعا، ان يخاف صاحب المؤسسة الآدمي من بوابه الملتحق بميليشيا او مزرعة.

اذا أخذنا بكلام تشرتشل عن الديموقراطية، او بقول غاندي ان quot;جميع أنظمة الحكم تعاني خللا ماquot;، ندرك أن الحكم المثالي ليس هنا. وفي ذروة يأسه ومرارته قال المسيح بألم quot;ان مملكتي ليست من هذا العالمquot;. وما نصبو اليه ليس نموذجا لم يصله او يبلغه أحد، بل شيء مما كنا عليه ذات يوم، يوم كانت السرقة الرسمية أقل وقاحة، والمسؤول أوفر مشاعر، والقانون أكثر احتراما، والاخلاق العامة ليست مطروحة في السوق العامة كما هي اليوم، وبمثل هذه الفجاجة والوقاحة والفظاظة.

لقد دُجِّنَّا على القبول بالحدود الدنيا من كل شيء، لأننا عُوِّدنا غياب ركني الحياة الطبيعية: الانسان والدولة. وتفاخرنا ذات زمن بأن نظامنا هو الفوضى وتدبيرنا هو المخالفة. وها نحن في أسفل الاثنتين، مستقادين رغما عنا الى مزيد من كلتيهما.

لقد خيل الينا ان المنعة ضد الضرر تدوم فاسترسلنا في الضلالة الوطنية والاجتماعية والاخلاقية الكبرى. وبدل ان نتطلع الى ذواتنا ودواخلنا ومكوناتنا، تطلع كل منا الى خارجه ومعطيات سواه. وبدل ان نحلم بوطن صغير معافى تطفلنا على ما هو أكبر من قدراتنا من أدوار وزيف عابر. وبدل ان نعتمد على مقدرة الفرد في خلافة الجماعة، تحولنا جماعات مساخرية، تعدو خلف الاقطاع والتزعم وتسير في مواكب الرموز الفاسدة. وقد تسخّر رموز العلم والثقافة في كنف المفسدين وأرباب المحسوبيات ولاعبي الثلاثة أوراق، أو الثلاثة ضمائر.

قرأ دو لاميراندول في كتب العرب القدامى، عن مكانة الانسان. كان ذلك في عصور وأزمان غابرة. الآن ثمة من يعدنا، أو يتوعدنا، بما يحدث للانسان العربي في العراق او في فلسطين. ليس تحت جنازير الاحتلال وبصواريخه، بل بأيدي الاخوة. أصحاب الارض التي تضيع او تفتت، جيلا بعد جيل. وأصحاب الثروات التي تهدر وتبدد لكي تمتلئ المدن بالفقراء والعاطلين عن العمل وأصحاب الأيدي المقطوعة التي لا يمكن مدها للاستعطاء. لقد أصبحت شوارعنا وساحاتنا تشبه ساحات داكا وكالكوتا. وأجيالنا تطلب موانئ اميركا وأوروبا. والبعض يذهب حتى الى الكونغو الذي سلمت دولته الى النهش الوحشي الموبوتي منذ الايام الاولى للاستقلال. وقد نكل جوزف موبوتو بالكونغو أكثر مما نكل به الملك ليوبولد. وكان من العار استذكار الاستعمار الا باللعنة، فأصبح يذكر أحيانا بالحنين. ذلك هو الحد الاقصى من الكفر. عند الظالم وعند المظلوم.