ابتسامة خميس
تركي بن عبد الله السديري
يقول الشاعر صالح حجي الكبير من العراق، توفي سنة 1275ه يتغزل:
أمن ريقها العذب عذباً برودا
وردناه علا فساغ ورودا
تثنى فتهزّأ بالخيزران
قداً وبالظبي لحظاً وجيدا
وحيّ الحمى وليالي الحمى
وعيشاً بأكناف نجد رغيدا
ويقول ابن الصباغ الأندلسي من موقع يعبر عن quot;نجدquot; لكنه مثل العراقي ربما يكون قد تغزل بما لم يره من قبل:
وإن يوماً حللت ديار سلمى
فقل كلف به كلف السقام
تهيجه إذا لمعت بروق
وتشجيه إذا سجعت حمام
أيا بانات نجد هل شميم
فيحييني على النأي انتسام
وهذا الصمة القشيري من العصر الأموي تجربته تختلف، فهو قد رحل من نجد غاضباً، وبائساً، واستبدل الشام الخضراء بها، لكن ترف الشام لم يمنعه من الحنين إلى نجد يقول:
دعاني من نجد فإن سنينه
لعبن بنا شيباً وشيبننا مردا
ونجداً إذا جادت به رهم الحيا
رأيت به المكنان والنفل والجعدا
ثم في قصيدة أخرى يرسل هذا الحنين:
بنفسي تلك الأرض ما أطيب الربا
وما أحسن المصطاف والمتربعا
وأذكر أيام الحمى ثم أنثني
على كبدي من خشية أن تتصدعا
فليست عشيات الحمى برواجع
عليك ولكن خل عينيك تدمعا..
بالتأكيد أن الفنانة القديرة فيروز قد قامت بعملية مبادلة طريفة، حين غنت من جبال لبنان الخضراء هذا الشعر الآتي نحو بلادها قبل مئات السنين من صحراء جرداء..
لقد قدم الأستاذ عبدالملك بن علي الجنيدي رصداً لأشعار ثلاثمائة شاعر من العصر الجاهلي إلى الآن، مستعرضاً (5200) بيت شعر قيل تغزلاً بنجد، أو وجداً بها.. ربما أن بعضهم أو أكثرية هؤلاء قد سمعوا بها، ولم يردوها، فوردت عندهم، مثلما نتمثل الترف بقولنا إنه: quot;جنات عدنquot; بينما ليس هناك من رأى هذه الجنات رأي العين..
ونجدٌ في الواقع هي مصدر نزف للهجرات البشرية، فمنذ ما قبل العصر الجاهلي كانت الهجرات تتوافد من الجنوب، ثم تستقر فترة زمنية في الوسط، لكن الجفاف يعود فيدفعها إلى الهجرة شمالاً، لينتشر العنصر العربي في شمال الجزيرة العربية وشمال إفريقيا..
لكن هذه الأرض القاحلة معظم أيام السنة، للإنسان الذي يعيش في صحرائها ولهٌ عجيب بها..
فهذا هو شاعر نبطي يدعى حنيف بن سعيدان يقول:
حتى أيش لو غطيت خبز على شاه
ودي بنجد لو ريوقي حزاها
ف quot;حتى أيشquot; تعني: quot;حتى إذاquot; وquot;غطيتquot; أي: quot;غمستquot; وquot;شاهquot; والسين تنطق كالزاي.. ومعنى الكلمة: quot;الشايquot;..
دعونا نتأمل البيت؛ فالرجل الذي يعيش حياة صعبة في صحراء نجد، يتصور أن وجبة خبز حاف مغموس بالشاي، هي منتهى الترف؛ لأنه لم يصل إلى سمعه أن هناك من يأكل مخبوزات متنوعة، يدخل فيها الزعتر، والزعفران، إلى جانب الزبادي، والعسل، ومأكولات لحوم مفروطة، أو مشوية ومجزأة، ومع ذلك فترف الوجبة المتواضعة هذا لا يريده، ويفضل العيش بنجد، حتى ولو كان quot;ريوقهquot; أي: إفطاره من نبات quot;الحزاquot; البالغ المرارة..
أعتقد أن الأرض بموقعها، وتباين مواسمها، وتماوج حركة القبائل فيها تبعاً لتماوج مواقع المطر، هو الذي أنشأ حواراً من الأرض المتصحرة؛ التي أنبتت رقيق المشاعر ورقيق التصورات..
