الإثنين 18 ديسمبر2006
راشد صالح العريمي
أعطت حملة انتخابات المجلس الوطني منذ انطلاقها، أسباباً قوية للتفاؤل بمستقبل العمل الوطني في مجاله العام، من خلال هذا الإقبال الملحوظ على الانخراط في مسار التجربة السياسية التشريعية، ترشحاً ومتابعة واهتماماً إعلامياً، وأيضاً من خلال ما سُجل من اهتمام كبير بها من أعضاء الهيئة الانتخابية والمواطنين عموماً، وقد كلل جميع ذلك النجاح بمكسب كبير للمرأة الإماراتية والخليجية تمثل في فوز أمل القبيسي عن طريق صناديق الاقتراع. وهذا في مجمله هو ما يمكن اعتباره بمثابة quot;بنية تحتيةquot; متوافرة من حيث المبدأ، الآن في الإمارات، لنجاح التجربة الانتخابية. ومفهومٌ، أن أحد أهم دروس التربية الوطنية المنتظرة من التجربة، هي لفت انتباه الناخبين إلى أهمية وضرورة استغلال هذه العملية لاختيار النصف المنتخب من بين أكثر الوجوه الوطنية قدرة على تحمل أعباء خدمة الصالح العام.
ومع أن الانتخابات الجارية الآن في الدولة تهدف أصلاً إلى خلق ثقافة المشاركة السياسية، وهي ثقافة مفتقدة، للأسف، بلاشك في مجتمعنا، إلا أن المسار الذي سار فيه البعض، في إدارة حملاتهم، وفي إغداق الوعود يميناً ويساراً، ودون حساب، يعطي الانطباع بأنهم خرجوا بوضوح عن بعض تقاليد ثقافة المشاركة السياسية الانتخابية، مع ما يترتب عليها من التزامات أدبية، واستطراداً سياسية. فمن يقرأ مثلاً، أو يسمع، كثيراً من خطاب الحملات الانتخابية عندنا هذه الأيام، يشعر بوجود تشوش في الفهم لدى البعض، لوظيفة ومهمة المجلس الوطني الدستورية. فبعض الوعود التي قطعت لا علاقة لها لا من قريب ولا من بعيد بمهمة المجلس الوطني أصلاً. ويبدو أن من أطلقوها هكذا جزافاً أخفقوا، للأسف الشديد، في التمييز بين اختصاصات السلطتين التنفيذية والتشريعية. فللحكومة ما للحكومة، وللبرلمان ما للبرلمان، وهذه ليست بدعة أو خصوصية لدولة دون أخرى، بل هي من مستقر العادة البديهية، وتعد من أبجديات العمل السياسي وتقسيم الأدوار والاختصاصات، داخل أي نظام سياسي حديث في عالمنا هذا.
ناهيك عن أن عضوية المجلس الوطني هي وظيفة فنية، بالمعنى الإجرائي للكلمة، أي أنها مفهوم سياسي ذو مجال استخدام محدد ومتعارف عليه في جميع الدول، وهو التشريع، ومناقشة القوانين والمصادقة عليها، لما فيه مصلحة المجتمع، في طيفه الواسع، وعلى نحو لا مجال فيه لأي نشاط آخر، دفعاً لتضارب الاختصاصات، أو الافتئات على صلاحيات جهات أخرى، داخل السلطة التنفيذية أو السياسية. وعموماً أعتقد أن الانتخابات نفسها ليست نهاية المطاف، فتفعيل دور المجلس، والدفع بمساهمته في صنع القرار، كان يفترض أن يكون هو الشغل الشاغل، وقطب الرحى فيما يريد المترشحون إسماعنا إياه.
وليس هؤلاء هم وحدهم من أخفق في وضع التجربة الانتخابية في سياقها الصحيح، بل لقد سبقهم إلى ذلك آخرون وزادوا عليهم بالشطط والتعجل، لأنهم انتقدوا التجربة منذ البداية، في بُعدها الإجرائي لا السياسي، وانتقدها بعضهم فقط لأنها لم تستجب لتطلعات شخصية خاصة بهم هم، بغض النظر عن الصالح العام. وفي مقدمة هؤلاء بطبيعة الحال بعض المنتقدين ممن لم يجدوا أسماءهم في هذا السطر أو ذاك من قوائم الهيئة الانتخابية.
ولأن هؤلاء وأولئك من المغرِّدين خارج سرب ثقافة المشاركة وتقاليد الممارسة الانتخابية السليمة ظلوا بوضوح هم الاستثناء، في حين أن الغالبية تسابقت لتلبية متطلبات عملية انتخابية مستوفية للشروط المطلوبة، لذا فليس من المبالغة القول إن التجربة في مجملها كانت ناجحة بكافة المعايير، وتستحق كل إشادة. ولكنَّ الرضا بالمتحقق، والمنجز، كائناً ما كان نجاحه، ليس من شيم من يرومون لهذا الوطن الغالي السير دائماً من نجاح إلى نجاح، ومن إنجاز إلى إنجاز. إنها أحلام من لا يريدون لنجاحاتنا أن يكون لها سقف، ولا أن يحدها حد، فالإمارات تستحق ذلك، وتستحق منا جميعاً كل إخلاص وولاء.
