الخميس21 ديسمبر2006


جميل مطر

يعرض حالياً في دور السينما الأمريكية فيلم يقوم ببطولته ليوناردو دي كابريو، الممثل الشاب الذي ذاع صيته عندما لعب دور البطولة في الفيلم الذي حكى قصة الباخرة تايتانيك. يحكي الفيلم الجديد تفاصيل المأساة التي تحيط بالعلاقة بين الألماس والحروب الأهلية وتجارة السلاح والرقيق في القارة الإفريقية. وقد رشح النقاد الفيلم كواحد من أحسن عشرة أفلام لعام ،2006 والمتوقع اختيار دي كابريو أحسن ممثل في هذا العام على دوره في ldquo;ألماس الصراعrdquo;.

ويبدو أن الفيلم أحدث ضجة كبيرة في الولايات المتحدة الأمريكية، وأتوقع أن يحدث ضجة أكبر في أوروبا. لا أظن أن الإخراج الممتاز للفيلم سبب كاف، رغم أن المخرج هو نفسه الذي أخرج فيلم الساموراي الأخير الذي حقق شعبية هائلة، ولا أظن أن الأداء الجيد لبطل الفيلم دي كابريو أو البطل الثاني وهو الممثل الأسود جيمون هونسو، سبب آخر وكاف. كلاهما لا يستدعي قيام وكيل وزارة الخارجية الأمريكية بول سيمونز بإصدار بيان منذ أيام قليلة يعبر فيه عن قلق حكومة الولايات المتحدة من أن يوحي الفيلم إلى مشاهديه بمقاطعة الألماس، وبالتالي الإضرار بصناعة استخراج الألماس في إفريقيا، وصناعة صقله في ldquo;إسرائيلrdquo; وبلجيكا والهند، والتجارة فيه في الولايات المتحدة التي تستهلك وحدها نصف إنتاج العالم من الألماس.

تخاف الحكومة الأمريكية على الشركات المستخرجة والموزعة ولا يهمها كثيراً أن عشرات الألوف من الأطفال الأفارقة تختطفهم هذه الشركات ليعملوا في معسكرات عمل تلهب ظهورهم شمس إفريقيا الحارقة وسياط عساكر الشركة أو قوات المتمردين، وفي أحيان كثيرة القوات الحكومية.

الفيلم ببساطة يصور بشاعة المسار الذي تمر فيه قطعة الألماس في سيراليون، الدولة التي تمزقها الحروب الأهلية منذ عقود، والشعب الذي يمشي مئات الألوف من أبنائه وبناته بساق واحدة بعد أن بتر الساق الأخرى قادة المتمردين وهم في الوقت نفسه حماة مهربي الألماس.

يحكي الفيلم قصة ما صار يعرف بالألماس الدموي أو الألماس الأسود، ويقصد به الألماس الذي يستخرج بطرق غير شرعية وتقوم بتهريبه إلى الخارج عصابات مرتزقة من جنوب إفريقيا وrdquo;إسرائيلrdquo; ولبنان. وفي الفيلم يقوم دي كابريو بتمثيل دور فرد في هذه العصابات يسعى للحصول على قطعة ألماس بلون الزهر.

يكاد الفيلم يصرخ في وجه تحالف بغيض أقامته جيوش مرتزقة من البيض تحرس مناجم في إفريقيا وجيوش دول إفريقية وجيوش متمردين وجيوش شركات إنتاج الألماس، وشركات أمن تحرس المهربين وجمارك وحرس حدود ورؤساء دول، وقبل كل هؤلاء تواطؤ حكومات وشركات سلاح في أوروبا وأمريكا. فقد جاء على لسان أحد أبطال الفيلم قوله ldquo;نحن في الغرب نقتل ونسرق شعوب إفريقيا، ولكننا في الوقت نفسه نبشر ضد هذا القتل وهذه السرقةrdquo;.

ولا شك في أن الفيلم يعبر عن هذا التناقض في منظومة القيم الغربية أحسن تعبير، فالبطل دي كابريو من المرتزقة البيض الذين يعيشون في زيمبابوي تعرف الى شاب أسود أخفى قطعة ألماس زهرية اللون على أمل أن يبيعها ويخلص زوجته وأطفاله من الأسر في سجون المتمردين، وانضمت إليهما صحافية أمريكية تبحث عن القصة الحقيقية للألماس الملوث بالدم، وعندما قال لها الرجل الإفريقي إنه يأمل أن يسمع الرأي العام الأمريكي قصة هذا الألماس فيضغط لإيقاف هذه الوحشية التي تمارسها الشركات الغربية ضد العمال السود أجابت.. ldquo;ربما يضغط، وربما لاrdquo;.

على كل حال، أعتقد أن الفيلم كان صريحاً وجريئاً في تصوير الحال البائسة التي يعيش فيها العمال الأفارقة في مناجم الألماس لا ينقل صورة كتلك التي سجلها منذ سنوات صحافي غربي زار منجماً للألماس حين كتب ldquo;رأيت عمالاً في ثياب رثة وأطفالاً عيونهم غائرة وبطونهم منتفخة من الجوع، كلهم ينحنون بحثاً عن قطع الألماس في الوحل، وفوق رؤوسهم جنود الشركة أو عساكر الحكومة أسلحتهم مشهرة، وعند المغيب يقوم هؤلاء الجنود بتفتيش كل عامل وطفل بحثاً عن أحجار يكون قد دسها في فمه أو مكان آخر في جسده. وفي الليل يهاجمون القرى القريبة.. ليخطفوا عدداً من الأطفال للعمل في اليوم التالي في المنجم.. أو للعمل كجنود. وبعد فترة يجبرونهم فيها على تعاطي المخدرات حتى يدمنوها وبعد ذلك يسلمونهم رشاشات للقتل. ويتداول الجنود القرى قرية بعد قرية والليالي ليلة بعد ليلة يشربون.. ويتسلون باغتصاب الفتيات والسيدات.. وعند الفجر.. يحرقون القرى فلا يبقى من رأى أو من سمعrdquo;. وليس سراً صلة ما قامت بين الحرب الأهلية اللبنانية وعمليات تهريب الألماس من سيراليون، بل إن تقارير ربطت بين الحرب الأهلية في لبنان ومحاولات تفجير حرب أهلية في سيراليون يستفيد منها المهربون. وتقول تقارير أخرى إن بعض أمراء الحرب في لبنان وجهوا في ذلك الحين تعليمات إلى رعايا لبنانيين في إفريقيا تابعين لهم طائفياً بدفع إتاوات من عائد تجارتهم في تهريب الألماس. والمعروف أيضاً أن بليز كامبوريه رئيس بوركينا فاسو كان يشتري طائرات من أوكرانيا ليسلمها إلى المتمردين في سيراليون وبخاصة قوات السفاح سنكوح، الشهير بالمعلم لخبرته في بتر أعضاء الجسم، والمعروف أنه كان بين عدد من الضباط الأفارقة الذين تلقوا تدريباً عسكرياً في الجماهيرية الليبية.

وقد حدث أثناء الحرب الأهلية في سيراليون، أن دعا المتمردون شركات استثمارية كندية وأمريكية لاستخراج الألماس في المناطق الواقعة تحت سيطرتهم، وجاءت هذه الشركات بعلم الحكومة الأمريكية، حتى إن قائد المتمردين كان يسافر إلى اتحاد جنوب إفريقيا بجواز سفر أمريكي برغم أنه كان مطلوباً لمحاكمة دولية ويخضع لحظر على السفر. ولعب تايلور رئيس ليبيريا دوراً كبيراً في تشجيع تجارة الألماس الملوث بالدم، إذ تعاقد مع شركات أوروبية وأمريكية ليؤكد لهم حرصه على استمرار العمل في مناجم الألماس في سيراليون مقابل حصته من الألماس الأسود أو الملوث. كان هدف تايلور طوال مدة حكمه إبقاء الحرب الأهلية في سيراليون مشتعلة، تماماً كما كان هدف شركات غربية أخرى إبقاء الحرب الأهلية في الكونغو مشتعلة، إذ كان جنود أوغندا وبوروندي الذين احتلوا المناطق الشرقية يضمنون استمرار تدفق الألماس المهرب. ويذكر أن جوناس سافمبي قائد التمرد في أنجولا، والذي استمر فترة طويلة يحظى بحماية الولايات المتحدة في حربه ضد الحكومة الشرعية، اتفق مع الرئيس موبوتو سيسي سيكو، رئيس الكونغو الأسبق، على تزويده بالأسلحة مقابل الألماس الملوث بالدم المستخرج من الأقاليم التي كانت تحتلها منظمة أونيتا في أنجولا.

وفي تقرير الأمم المتحدة الصادر عام ،2002 انكشفت أدوار كثيرة ولكن تفادت الأمم المتحدة اتهام الدول الغربية صراحة وألقت معظم اللوم على أكبر شركة ألماس (دي بيرز) التي كانت تشتري الألماس الملوث بالدم بأسعار زهيدة وتبيعه في أسواق باريس ولندن ونيويورك من محلات مثل تيفاني، قبل أن تقرر الأمم المتحدة ضرورة أن يقدم البائع ldquo;شهادة أصل وجنسيةrdquo; لكل قطعة ألماس يبيعها تثبت أنها غير ملوثة بالدم.

لو عرفت الحبيبة أو الخطيبة أو الزوجة تفاصيل الرحلة الرهيبة والدموية التي مشاها حجر الألماس الذي أهدي لها تعبيراً عن أرق المشاعر وأحلاها، هل كانت تتردد في قبوله؟. كانت شركة ldquo;دي بيرزrdquo; تروج بضاعتها بشعار ldquo;حجر من الألماس إلى الأبدrdquo; وكانت على حق. ولكنها لم تقل الحقيقة كاملة. كذلك لم تقل عواصم الغرب الحقيقة الكاملة عندما قررت تقييد حرية تداول الألماس الملوث بالدم. قالت إنه تسبب في الحروب الأهلية والمذابح في إفريقيا، ولم تقل إن الشركات والتجار في الدول الغربية أعربوا عن خوفهم على تجارتهم عندما زاد حجم المعروض في السوق من الأحجار الملوثة بالدم. فالألماس لكي يستحق الثمن المدفوع فيه ويحافظ على أبديته وقيمته يجب أن يحافظ على ندرته.

لأكثر من سبب، أتمنى أن يكون فيلم ليوناردو دي كابريو قد نقل الرسالة بأمانة.