استراحة الجمعة
ناصر الظاهري
لو يتسنى لنا تقليب ألبوم الصور القديمة، تلك التي جمدناها في أطر، أو جمدنا الزمن فيها ، وأصبحت جزءاً من الحنين، جزءاً من شقاوة الشباب وأحلامه، فرح اللحظات الجميلة والأسفار التي لم تخطر على بال، لو نقلبه ورقة، ورقة، ونتذكر من كان يجلس بمحاذاتنا، أو ذلك الذي يغطي لمعة رأسه المحلوق في الصورة أو من بدت أذناه كمغارف الصل أو ذلك الطالب الأغبر في المدرسة النهيانية بكندورته الدلعاء بوكلفسmiddot; لو نقلب تلك الصور غير الملونة الصغيرة، للرحلات المدرسية، ولطلاب الفصل، وللطلبة المثاليين، لطابور الصباح، والإذاعة المدرسية، لفريق الأشبال والكشافة والجوالة، لفرقة التمثيل وحفلات آخر العام الدراسي، بعض هذه الصور أصبح باهتاً، اصفرت جوانبها، امتحت بعض الوجوه وأخرى غيبتها الحياة، من كان يشكو المجاعة بالأمس، اليوم لا يضمه هذا الباب الواسع، ومن كان سنسوله يصل الأرض، اليوم أنفه في السماء، ومن كانت ساقه مليئة بالكدم والجروح وقدمه من الشحف و الحفاء تدمى، اليوم يضعها في حذاء تمساحي أو نعامي الجلد، ومن كانت عيناه تدمعان من كحل الأثمد و الصراي تختفيان اليوم خلف أطر النظارات المذهبة ذات الماركات الغالية، هي صور قديمة غير أنها جميلة وحية ولا تحمل أي رتوش، صور تنتمي لزمنها ووقتها الذي ركض بسرعةmiddot; لو نقلب صور السفر المبكر إلى مصر والهند ولندن، سنجد بناطيل الشارلستون العريضة من أسفل، وكأنها قبعة مكسيكي والقميص المشجر الضيق الذي تكاد أزراره أن تتناثر، لو جلسنا على راحتنا، أما المعاطف المخططة كجلد حمار وحشي فقد كانت موضة زمان، وبدلات الأمس كانت أشبه بأقمشة الستائر والطرابيل، وربطات العنق كانت مثل رأس القطmiddot; أما موضة الشعر فكان الطويل أو المنفوش مثل رمثة برية، أما السوالف التي تصل تحت الأذن فكانت مثل عكفة الداس كيف تتحول الأمور الجميلة التي نفرح بها، إلى أشياء قديمة، محرجة، نتمنى لو أننا في يوم لم نلبسها أو نعتمرها أو حتى نظهر بها أمام الناسmiddot; الذوق الجماعي هو الذي يفرض نفسه على الذوق الخاص، وإن كان منبعه مزاج فردي وذوق خاص، لكن عقلية القطيع هي التي تسيّر الذوق وتسيّر الحماس لكل شيء، بعض أنواع من الموديلات التي تغيب لعشرات السنوات تعود من جديد، وبنفس تفاصيلها، لكننا نكون نحن قد تقدم بنا العمر، واتسعت مساحة الرأس، فلا نقبله ولا يقبلناmiddot; اليوم، حين أرى سيارة مرسيدس قديمة في الشارع، أحس كأنها امرأة عجوز عائدة من السوق أو من استلام الشونة وهي حتى الأمس القريب كانت سيدة المقام والحضور، وأمنية كل الرجال، أما السيارات الأمريكية الطويلة بدون داع، والتي كانت ضمن المغريات في الأغنية المحلية القديمة مثل يا صاحب الدوج الخضر و يا راكب الكادلاك وغيرها، هي اليوم تشبه قفا رجل مخادع اكتشفه الناس فجأة، أو كتفين متخاذلتين لرجل مهزومmiddot; هذه صور قلبناها في ألبوم شخصي وأخرى في الشارع، فهل نخجل غداً مما نلبسه اليوم، ومما نقتنيه؟ تبدو الصور أجمل في البروازmiddot;
