ج. غ. بالارد، ترجمة بسّام حجّار
خيالٌ علمي
اتضح أنّ مُعظَم تنبّؤات الخيال العلمي كانت خاطئة. لقد بقيت الرحلات الفضائيّة بين الكواكب، استيطان الأفلاك البعيدة، على غرار اكتشافات عصر النهضة الكبرى، هي أبرز أحلام القرن العشرين، حتّى اتضح أنّ معظم الكواكب ليست في متناول البشر ولا يمكن بلوغها. طبعاً كان هربرت جورج ويلز قد تنبّأ بالقنبلة الذريّة، كما تنبّأ آخرون بنشأة مجتمع الاستهلاك المفرط. ولكن بالإجمال يمكن القول إنّ quot;أدبquot; الخيال العلمي قد أخطأ في توقّعاته للمستقبل، وإنْ كان قد شهدَ عصراً ذهبياً قصير الأمد في الخمسينات والستينات عندما أرغمته الخشية من اندلاع حرب نووية على بلوغ سنّ الرشد، وعندما جذب إلى مجالِه عدداً من الكتّاب المبرِّزين. لكنّ الخيال العلمي يُسهمُ اليوم في الترفيه الجماهيري ويُهمِلُ معظم المشكلات التي تواجهنا: الصراع بين الإسلام والغرب، طغيان حماية الاستهلاك، النزعة الماديّة الغالبة في أوروبا ما عادت تؤمن لا بقيمها ولا بزعمائها، وحيث غدت السياسة إتاوةً كسواها... أنا أرى أنّ الخيال العلمي قد مات.
هل من مُستَقْبَل للمُستَقْبَل؟ كلاّ. في نظري المُستقبل يُحتَضَر. ربّما بدأ الأمر مع انفجار المكوك تشالنجر الذي قوَّض ذلك الأمل الكبير في الانعتاق من الأرض. في ذلك اليوم، كفّت البشريّة عن الحلم، ولم يبق لها إلاّ التسوُّق. ما عاد الناس يهجسون إلاّ بعطلتهم المقبلة! وما نحتاج إليه حقّاً، هو التوق إلى المستقبل. في صِغَري كانت الكتب والإذاعة (كان ذلك قبل عصر التلفزيون) تنمّي فينا أسطورة الطيران. وفي سنة 1930، سنة مولدي، لم تكن سرعة الطيران القصوى قد تجاوزت الـ 200 كلم/ساعة. وكان كلّ يوم يشهد اكتشافاً جديداً في مجال الطب من شأنه إنقاذ أعداد من البشر، مضادات حيوية، أو الطاقة الذريّة... كان المستقبل يبدو لنا لامتناهياً ولا يحدّه حدّ. في الخمسينات كان تصميم السيّارات الأميركيّة مستقبليّ النزعة، وكأنّ هذه السيّارات تنطلق باتجاه المقبل من الأيام.
ضواحِ
المخاطر التي تتهدّدنا تتجسّد في البربريّة التكنولوجيّة والتلاعب بالإعلام وامتداح أشكال اللهو. لقد سقطت الحضارة الغربيّة مجدداً في عصر طفولتها. نحن أبناء أثرياء يعانون السأم في ظلّ وفرة وفيرة من اللُعَب. وهنا مكمن الخطورة: إذ دائماً يغلبنا الميل إلى تحطيم هذه اللُعَب. ولتحطيم كلّ شيء الفاشيّة هي سبيلنا الأسلس. ليست فاشيّة القمصان السود بل فاشيّة رخوة هي الخاصّة بالضواحي السكنيّة. إنّ هتلر المقبل سيكون أشبه بمقدّم برنامج توك شو قادرٍ على إغواء ربّات البيوت. إنّها العبودية المُختارَة. فعندما يُدرك الناس في لاشعورهم أنّ حلم عصر الأنوار الكبير، منذ نيوتن وفولتير، حلم الحكومة المبنيّة على العقل، قد مات، منذ 11 أيلول 2001 على سبيل الإفتراض، فلا يبقى خيارٌ أمامهم إلاّ بين التعصّب والعَدَميّة. لقد أخفق مشروع عصر الأنوار. فلا يستطيع العقل أن يحول دون إقدام شبان فرنسيين من الضواحي على إحراق سيّارات طلباً للسلوى واللهو ولكي تعرض صورهم على شاشة التلفزيون. كما أن العقل عاجز عن احتواء العنف المديني الذي يغزو بريطانيا. قبل ستة أشهر، قام أربعة مراهقين (اثنان من السود وأبيض وبيضاء لا تتجاوز أعمارهم الخامسة عشرةquot; بالاعتداء على عدد من المارّة عند معبرٍ جوفيّ قرب محطّة واترلو، وصوّروا فعلتهم بواسطة هاتفٍ محمول. وقد أسفرت اعتداءاتهم المتكرّرة عن مقتل أحد هؤلاء المارّة وهو في الثلاثين من عمره جرّاء تعرّضه للركل بالأقدام. وقد صدرت مؤخراً أحكام قاسية في حقّ المعتدين. هؤلاء الشبّان يلهون باستكشاف نطاق معتم من دماغهم ربّما الأحرى أن نسمّيه نطاق المرض النفسي. ومنه يستمدون متعتهم. إنّ المجتمعات الراهنة شبيهة بسيّارات مجهّزة بنظام ممتاز للمعاليق وقادرة على امتصاص أعنف الصدمات دون أن تفقد توازنها. ويشعر المرء أنه ينعم بالأمان ما التزم البقاء داخل السيّارة...
ما يغري في العنف المجّاني هو أنّه مجّاني، كأنّه تحدّ للمعنى. تلك هي الحال العجيبة للقرن الحادي والعشرين والتي حاولت أن أظهرها في كتابي quot;ناس الألفيةquot;. انتفاضات الضواحي الفرنسيّة، ومجزرة كولومبين في الولايات المتحدة، وجرائم القتل المجّاني في بريطانبا: إنّ الضواحي المتوالدة في مدننا هي مؤشّرات التغيير. ففيها يسود السأم وتجري الحياة تحت وطأته الثقيلة. وفيها السكنُ المبعثر حيث لا حياة جمعية ولا لحمة اجتماعية. ولا شيء فيها يشبه تلك المدن الريفيّة التي نشأت في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، وكان بناؤها متمحوراً حول الكنيسة أو مبنى البلدية. ما عاد الناس يعملون حيث يقيمون. وغدا التلفزيون هو وسيلة التسلية الوحيدة، وكذلك الزنا والتردّد على وكالات السفر. أودّ أن أكون حاضراً في الصفّ الأول عندما يحدث الانفجار! ولهذا السبب ما زلت أقيم في شيبرتون، في ضاحية لندن الكبرى.
بريطانيا
مع الوقت تحوّلت أكثر فأكثر إلى كاتب سياسيّ. بلير ممثّل أغوى البريطانيين بسحره البورجوازي. إنّه اشتراكيّ مزيّف. فيما مضى كنت أعشق مرغريت تاتشر، خاصّة من الناحية الجنسيّة! كانت صورة مثاليّة للمربيّة الصارِمة المثيرة جداً في نظر الصبية الصغار. أمّا اليوم فقد تطوّرت أفكاري باتجاه اليسار. مسألة تعلّقي بإنكلترا لطالما كانت أمراً بالغ التعقيد. قَدِمتُ إلى هذا البلد وأنا في الخامسة عشرة من عمري، أي سنة 1946، وكان قدومي إليه صدمةً كبرى في حياتي. كانت بريطانيا، على أكثر من صعيد، قد خسرت الحرب، ولكنّها لم تكن مدركةً هذه الحقيقة. صحيح أنّ الناس هنا كانوا يتحدّثون عن الانتصار ولكنّ نظرتهم كانت سوداوية ومعنوياتهم في الحضيض ولا يرون أفقاً لمستقبل.
لقد ترعرعتُ في شنغهاي الخاضعة آنذاك لنظام الامتياز الدولي، أي ترعرعتُ في بيئة محصورة جداً لكنّها بيئة مبنيّة على المساواة. لدى قدومي إلى بريطانيا اكتشفتُ سستام الطبقات الإجتماعيّة المعقّد كسستام الطبقات في يابان القرن السابع عشر. كان على المرء أن يكون عالم إناسة لكي يفهم مجرى الأمور في هذا المجتمع ولكي يفهم لغته. إذ يكفي أن تقول quot;المغاسلquot; بدل quot;المرحاضquot; لكي تتهم بأنّك من طبقة منبوذة أو محتقَرة. وكان على المرء أن يعاشر الناس الذين ينتمون إلى مثل بيئته وعالمه. هذه التباينات لم تزُل. كأننا نحيا في منتجع سياحيّ على الطراز القديم حيث بورجوازيون صغار مفلسون ومنهارون نفسياً ما زالوا يترسّمون كلّ يوم لتناول الشاي: ما هي المشكلة التي يعانون منها؟ ما زلتُ لا أدري.
مراقبة بالفيديو
لندن هي المدينة الأوروبيّة الأكثر تطوراً من حيث تقنيات المراقبة بواسطة كاميرات الفيديو. أمرٌ لا يُطاق. يحسب المر نفسه في أجواء quot;1984quot; (رواية أورويل). وما يثير حنقي هو أنّ لا احد يعترض. إن سستام المراقبة بواسطة الكومبيوتر الذي جهّزت به المدينة بأمرٍ من رئيس بلدية يساريّ يتيح عملياً تحديد موقع أي شخص في أي مكان. ولعلّ موقف الرأي العام غير المكترث بهذا الأمر هو دليل إضافيّ على مازوشيّته. لقد اتسع نطاق المراقبة بواسطة كاميرات الفيديو ليشمل الأرياف والضواحي السكنية، حتّى بلغ شيبرتون! طبعاً أتاحت الكاميرات اعتقال مشتبهٍ بهم عقب الهجمات الإرهابية في لندن، غير أنّ هذا الأمر استثناء غير كافٍ لتبرير استخدام هذه التقنية لهذا الغرض. الثمن المترتّب باهظ جداً. حيثما تنقّلت في لندن يجري تصويرك. مثل هذا السستام القابل لشتّى أنواع التجاوزات قد يُستغلّ بسهولة من قبل أي نظام توتاليتاري. وقريباً جداً سوف يفرض على البريطانيين حمل بطاقات هويّة تتضمّن سلسلةً من المعطيات المتصلة بقياس الحياة، كما تتضمّن معلومات عن الوضع المصرفيّ لحاملها، وسجلّه العدلي، وتاريخه الطبّي، وغير ذلك. سوف تتمكّن الحكومة من معرفة كلّ شيء عن كلّ واحد منّا. ولا أسمع أحداً يعترض، ولا أرى حتّى من ينتبه إلى حقيقة ما يجري. إننا نستسلم كالمسرنمين للعيش داخل أسوار سجن صممّناها بأنفسنا.
تأثيرات
لقد تأثّرت بويلز وهوكسلي وأورويل. لقد تبيّن أنّ توقّعات هوكسلي في كتابيه quot;أفضل العوالمquot; وquot;أبواب الإدراك الحسّيquot; كانت أصدق بكثير من توقّعات أورويل الذي رسم في كتابه quot;1984quot; صورةً للمجتمع الستاليني. ومن خلال حسّه الاشتراكي النبيل كان يعبّر عن خشيته من انتقال عدوى انحراف الاشتراكيّة إلى أوروبا الغربيّة. غير أن هوكسلي استطاع أن يتنبّأ بالمجتمعات المبنية على النسق الوحيد، والهروب من الواقع عبر تعاطي المخدّرات، والاستنساخ، وكذلك فكرة استغلال الطاقة الدماغيّة عبر استخدام العقاقير المثيرة للهذيان ـ ما قد يُعتبر رؤيةً استشرافيّة فعلية للواقع الراهن. لِمَ أنتجت بريطانيا هؤلاء الكتّاب الثلاثة؟ السبب برأيي هو أنها تقاوم التغيير، وهؤلاء الكتّاب تمرّدوا على هذا الجمود.
شنغهاي
لمّا عدتُ إلى شنغهاي سنة 1991، كانت المدينة لا زالت تحتفظ بآثارٍ من حقبة الثلاثينات. كان المنزل الذي ربيت فيه ما زال موجوداً، شأن معظم ما عرف آنذاك بنطاق الامتياز الفرنسي. غير أن شنغهاي تتألف من مدينتين متمايزتين. فإذا ابتعدنا عن وسطها توغّلنا في الخيال العلمي. لا شيء يوقف تقدّم الصينيين!
في فترة مراهقتي أمضيتُ ثلاث سنوات في معسكر الاعتقال الياباني في لونغهوا، في ضواحي شنغهاي. وقد تعلّمتُ الكثير الكثير من هذه التجربة. إنّ الطفولة البورجوازيّة النموذجيّة هي طفولة محدودة، ومحصورة جداً: إذ يتعيّن اتباع قواعد السلوك وفق جدول محدّد لتقسيم المواقيت، وخاصّة عدم الاختلاط بالبالغين. في معسكر الاعتقال أقمت صلاتٍ ليس فقط مع الأولاد بل مع البالغين أيضاً. واكتشفتُ واقعاً يبقى في الغالب بعيداً عن إدراك أولاد الطبقة البورجوازيّة: واقع خضوع الأهل لتوتّرٍ لا يُحتمَل، وواقع الجوع والخوف والشكّ واليأس. وحدهم أولاد الفقراء معرّضون لمثل هذه الهشاشة الجسديّة والمعنوية التي يعاني منها اهلهم. لقد تعلّمت في هذه السنوات الثلاث أشياء عن الطبيعة البشريّة ما كنت لأعجز عن تعلّمه طوال حياتي في بيئة محصّنة. لقد اختبرت حقيقة أن الشجاعة قد تنجّي المرء من سوء المعاملة والجوع والملاريا. وهكذا ندرك أن الواقع المعتاد ليس اكثر من ديكور مسرح او سينما. فعلى الرغم من كل شيء كنت في المعتقل أتمتّع بحرية شبه كاملة. كأنه العالم مقلوباً. والغريب أنني لم اشعر في حياتي بمثل هذا القدر من الحرية.
ثلاثة كتب أحملها على جزيرة نائية
لن أصرف وقتاً طويلاً على القراءة. ففي هذه الحال افضّل أن أقطّر شراباً كحولياً من شجر النخيل! ولكن، على كلّ حال، قد احمل معي رواية quot;الغريبquot; لألبير كامو، وهي في نظري تحفة بالمطلق ما زالت تحتفظ بسرّها كاملاً، كما قد أحمل معي كتاب ألدوس هوكسلي quot;أفضل العوالمquot;. وأخيراً كتاب نتنائيل وست quot;حريق لوس أنجلسquot;، وهو كتاب رؤياوي حول عبادة نجوم هوليوود وكراهيتهم. كتاب تنبّأ ببرامج تلفزيون الواقع البريطانية التي تهدف إلى إذلال quot;أهل المجتمع المخملّيquot;، أمام اعيننا المغتبطة...
(*) جيمس غراهام بالارد من مواليد شنغهاي عام 1930؛ مراهقاً، أمضى ثلاثة أعوام في معتقل ياباني، وهي التجربة التي سرد أحداثها في كتابه quot;إمبراطورية الشمسquot; التي اقتبسها المخرج ستيفن سبيلبرغ للسينما. اشتهر منذ الستينات بروايات الخيال العلمي التي أضحت مؤلفات كلاسيكيّة في هذا المجال، وانتقل فيما بعد إلى تأليف روايات من نوعٍ يصفه هو بأنه بات quot;أكثر فأكثر سياسيّةquot;، نذكر منها : quot;اصطدام quot; (اقتبسها للسينما المخرج كروننبرغ) وquot;سوق الفظاعاتquot;. صدر له مؤخراً quot;الألفية، طريقة الاستخدامquot; وهو كتاب جمع بين دفتيه أفضل مقالاته؛ ولمناسبة صدور ترجمته الفرنسيّة (عن دار نشر تريستام، باريس 2006 ) نشرت مجلّة quot;لونوفيل أبسرفاتورquot; الأسبوعيّة (عدد 16ـ22 شباط 2006) هذه المقطفات من أقواله.
