الجمعة: 2006.03.03
د. أسعد عبد الرحمن
عشرون عاما مضت ونحن ننتظر وقفة نفي صريح، أو اعتذار جريء، أو إدانة موثقة لعملية اغتيال جرت ضد شخصية نابلسية (بل فلسطينية) بارزة حيث quot;أعلنquot; مسؤوليته عنها quot;فصيلquot; أحمل له، بل يحمل له كثيرون، قدرا هائلا من الاحترام. أما المغدور، أو بالأحرى الشهيد في يقيني الثابت، فهو ظافر المصري الذي تجندل على أرض quot;نابلسquot; الباسلة في يوم ربيعي فلسطيني أخاذ في الثاني من مارس 1986. وأما quot;الفصيلquot; فهو quot;الجبهة الشعبية لتحرير فلسطينquot;.
هل قلت quot;عشرون عاما مضت ونحن ننتظرquot;؟!! في الحقيقة، كثيرون من أحبتي في quot;الجبهةquot; وخارجها يعلمون أنني ndash;وغيري بالتأكيد- لم نكن quot;ننتظرquot; بقدر ما كنا نعمل من أجل جلاء الحقيقة كاملة وبخاصة أن شعار quot;الجبهةquot; الذي نعتز ونفخر به كان ولا يزال: quot;الحقيقة، كل الحقيقة، للجماهيرquot;. وفي سياق المساعي المبذولة لجلاء تلك الحقيقة المحددة، تحدثت، مرارا وتكرارا، إلى عدد من القادة الأبرز في quot;الجبهةquot; مؤكدا على معرفتي بحقيقة مركزية قوامها أن أسلوب الاغتيال ليس من سياسة quot;الجبهةquot; بل هو غير مقبول عليها. وحتى لو كان الأمر عكس ذلك، فإن من حقي (حقنا) ndash;فيما أظن- أن أعلم (نعلم) حيثيات وظروف وقرائن عملية الاغتيال تلك التي استهدفت أخا حبيبا، وquot;ابن بلدquot; (حيث quot;تنبلستُquot; جزئيا منذ عام 1956) علاوة على زمالة جمعتنا، وصداقة ربطتنا في منتصف الستينيات من القرن الماضي أثناء الدراسة في quot;الجامعة الأميركية في بيروتquot; حيث نشأت، أساسا، quot;حركة القوميين العربquot; التي انبثقت منها، أساسا، quot;الجبهة الشعبيةquot; لاحقا.
المسألة، إذن، مسألة جلاء للحقيقة. وفي هذا السياق، ثمة ثلاثة احتمالات:
1- إما أن تكون quot;الجبهةquot;، كجبهة، لم تقم بذلك العمل الاغتيالي، بل قام به فرد أو خلية بدون قرار مركزي، وعندئذ فإن ذلك الفرد أو تلك الخلية تكون قد خالفت الأصول التنظيمية ويجب محاسبته/ محاسبتها! أما السكوت عن مثل هذا التجاوز من قبل quot;الجبهةquot; فإن فيه إساءة لها... وقطعا إساءة للشهيد... وزوجته وأبنائه وعموم عائلته وأحبائه وأصدقائه ومعارفه بل وعموم الشعب العربي الفلسطيني.
2- وإما أن تكون quot;الجبهةquot;، كجبهة، قد قامت بالعمل ndash;مع سبق الإصرار والتعمد- لأنها رأت في المرحوم quot;ظافرquot; ndash;لا قدر الله ولا سمح- quot;عميلاquot; تتوجب تصفيته! وفي هذه الحالة، نسأل السؤال المركب: منذ متى أصبحت quot;الجبهةquot; مع نهج الاغتيالات؟! وما هي القرائن المؤيدة quot;لعمالةquot; ظافر؟ ومن يعطي أي فصيل حق الاتهام وquot;المحاكمةquot; وإصدار القرار وتنفيذه بدون أصول قضائية (عادية أو حتى ثورية)؟ وفي هذا السياق، أقول شخصيا، وأكرر ما سمعته من كثيرين: إن quot;ثبتتquot; ndash;بالدليل القطعي الدامغ- عمالة ظافر (وهو قطعا بريء منها... حتى يُدان) فإننا ndash;على الأقل بعضنا- ليس فقط، لن نستنكر، وربما ndash;بعضنا على الأقل- قد نتجاوز مسألة غياب الأصول القضائية العادية ونقبل بالأصول القضائية الثورية مع أنها خاصة بفصيل واحد من فصائل منظمة التحرير وليس من مؤسسة quot;القضاء الثوريquot; للمنظمة. بل إنني ndash;في حالات فلسطينية بل عربية مشابهة- سمعت مباشرة أو قرأت نقلا عن الأبناء والأحفاد (وعموم الأقرباء) من رد على عمليات الاغتيال في الشارع الفلسطيني (والعربي) بالقول: إن ثبت أن أبانا (أو قريبنا) عميل فنحن نبارك الاغتيال... رغم غياب الأصول القضائية العادية... لكن، يتابع هؤلاء قائلين: نحن نطلب الدليل القطعي الدامغ!
3- وإما أن تكون quot;الجبهةquot;، كجبهة، قد اتخذت قرارها (أو تبنت قرار فرد/ خلية فيها) ثم ثبت خطأ ذلك القرار! وفي هذه الحالة، نقول: إننا نعلم أن quot;الجبهة الشعبيةquot; تملك من الأخلاق والجرأة ما يدفعها للاعتراف بالخطأ والاعتذار (وإن كان ذلك لن يعيد quot;ظافرquot; إلينا أو لعائلته) لكنه حق من حقوق عائلة وأهل وأحباء وأصدقاء ومعارف quot;ظافرquot;، بل إنه حق لعموم الشعب الفلسطيني ولحركة quot;فتحquot; التي تبنت quot;ظافرquot; عضوا فيها وشهيدا من شهدائها منذ وقعت الواقعة! وسواء كانت quot;ذريعةquot; الاغتيال قبول quot;ظافرquot; وصحبه قيادة بلدية نابلس في ذلك الوقت، أو التنسيق مع الأردن، فإن على الحكم المنصف الإدراك (بدون حاجة لادعاء quot;الحكمة بأثر رجعيquot;) أن ذلك quot;القبولquot; لم يكن قرارا ذاتيا وإنما تنفيذا لقرار اتخذته حركة فتح (وبخاصة أمير الشهداء جهاد الوزيرndash; رحمه الله رحمة واسعة)
وإذ أطلق على quot;ظافرquot; تعابير quot;أخ حبيبquot; فإنما أتحدث على هدى القاعدة المعروفة: quot;رب أخ لك لم تلده أمكquot;! وإن تحدثت عن صداقتي معه، فإنما أتحدث على أساس أن quot;الصداقة كنز لا يفنىquot;! وإن تحدثت عن محبتي له، فإنما أتحدث عن quot;ظافرquot; الإنسان/ الإنسان المتجسد فيه والذي جعله يحظى ndash;في أوساط واسعة- باسم quot;حركيquot; هو: والد الفقراء! والمسألة هنا ndash;كما تلاحظون- ليست مسألة عواطف لا معنى لها! فهذه عواطف نبعت من حقيقة أن quot;ظافراquot; كان ndash;أكرر- إنسانا بكل ما في الكلمة من مضمون، وكان معطاء بكل تواضع لأنه كان، أصلا، كريما بلا حدود، وخلوقا حتى الإدهاش! ولمن لا يعرف أو يريد الاستزادة، أو لمن يريد التأكد كي يطمئن قلبه، أو لمن يزعم أنه quot;يعرفquot; غير ذلك، نقول له: اسأل عنه من كان به عليما... أي عموم أهل نابلس بل والناس/ الناس خارجها.
واليوم، إذ أكتب ما أكتب (ويشهد الله والوطن بقسم معظـّم مغلـّظ أن لا أحد من أهله قد طلب هذه الشهادة أو علم بها قبل نشرها) فإن ذلك ndash;ولأكن صريحا- ليس فقط حبا بظافر (وهو حبيب حبيب حبيب) وليس فقط حبا بالجبهة (التي خبرتها وعرفتها منذ كانت مجرد فكرة) وليس فقط حبا بضرورة تفعيل شعار quot;الحقيقة، كل الحقيقة، للجماهيرquot; (وهو شعار أثير عندي) وليس فقط كرها مني بأسلوب الاغتيال بالمطلق (فهو أسلوب العاجز الظالم)... وإنما حبا في إعلاء نهج القضاء الذي إن لم يعلَ شأنه في فلسطين (وعموم الوطن العربي ndash;كما هو الحال في العالم المتحضر) فلن تكون لنا الدولة التي ننشد، بل ولن تقوم لنا قائمة. كما أكتب لأن الأوضاع في فلسطين -هذه الأيام- مفعمة بالاحتقان بمختلف أنواعه السياسية والاقتصادية والاجتماعية بل والنفسية. وكذلك، لأن الظاهرة/ الفضيحة التي أسميناها quot;الفلتان الأمنيquot; مرشحة أكثر من أي وقت مضى للتوحش والانفلات من جديد ndash;لا سمح الله ولا قدر. وفي نهاية المطاف، يجب ألا نرسي quot;تقليداquot; بعدم التساؤل و/ أو المساءلة عن عمليات الاغتيال الفلسطينية/ الفلسطينية إذ أن مثل هذا الحال مثله مثل quot;الماء القاتلquot; يبدأ بقطرة، ثم يصبح سيلا... ثم يأتي الطوفان... والعياذ بالله!
