الأربعاء: 2006.07.26
ناصر الظاهري
أكثر الإسرائيليين راحة، هو الرئيس الإسرائيلي، حتى أننا ننسى أسمه أحياناً، رغم الزخم الإخباري الوارد من فلسطين وإسرائيل ولبنان، وبشكل يومي، من يتذكر حاييم وايزمن، يتسحاق بن تسفي، زلمان شزار، إفرايم كتسير، يتسحاق نافون، حاييم هرتسوغ، موشيه كاتساف، لو لا أن هذا الأخير اتهم بقضية جنسية فاضحة مع سكرتيرته ومحاولة التحرش من جانبه والابتزاز من جانبها.
وحده رئيس الوزراء الإسرائيلي، طبّاخ السم، هو ضمن دائرة الضوء الإعلامي، والتناول الخبري، والمجاهرة بالعداء، على المستوى الشعبي، ونكاد نحصر المؤسسة الإسرائيلية في شخص رئيس الوزراء، حتى إذا ما اختفى من المشهد السياسي، ننساه وكأنه لم يرتكب أي جرم، ولم يقم بأي مذبحة، ولم يساهم في زيادة التوسع الاستيطاني، ولم يقمع أي تظاهرة فلسطينية تطالب بحق العيش بكرامة وأمان في وطنها.
لم نزل نتذكر جولدمائير، وبيغن، وشامير، ونتنياهو، وباراك، وشارون، كل أولئك كانوا في يوم من الأيام ضمن المفردة اليومية، بل ضمن أحلام اليقظة العربية، واليوم أيهود أولمرت، هو في الصدارة، ويختصر أسماء نظرائه العبريين، العابرين في كلام عابر، وجرائمهم، ومجازرهم السابقة، والتي لا تنتهي.
ياسر عرفات طوال حياته، تعامل مع الكل، واستطاع بسياسة الكر والفر، أن يساهم في التخلص منهم الواحد بعد الآخر، ظل شارون وحده يحاصر عرفات، حاصره قبل أربع وعشرين سنة في بيروت، وحاصره في أراضيه الفلسطينية قبل وفاته، حتى ابن شارون، سر أبيه، وشبيهه الذي ظلم، والذي يعتبر مساعداً له، ومقرباً من عرفات، لم يستطع إذابة الجليد بين العدوين الحميمين.
شارون ولد عام 1928 في مستوطنة كفار إملال، وعندما بلغ الرابعة عشرة، انضم إلى منظمة الهاغاناه الإجرامية، وفي الخامسة والعشرين، أسس الوحدة الانتقامية المعروفة باسمquot;الوحدة 101quot; التي ارتكبت المذابح في غزة والضفة الغربية، ثم تولى قيادة فرقة المظليين، وبعدها قيادة جيشي الجبهتين الشمالية والجنوبية، ترك الجيش عام 1972 ودخل السياسة عام 1973، كان من المساهمين الرئيسيين في توحيد اليمين الإسرائيلي المتطرف تحت مسمى الليكود، كان وزيرا للزراعة، فاقتطع الأراضي الفلسطينية المزروعة، وقلع أشجارها المثمرة، وأنشأ مزرعة له، أعيد توزيره من جديد ليكون هذه المرة وزيرا للدفاع، فاجتاح لبنان، وارتكب مذبحة صبرا وشاتيلا، أصبح رئيساً للوزراء وعاث في الأرض نهباً وفي الشعب قتلاً حتى رقد رقدته الأخيرة بين الحياة والموت في مستشفى تل هاشومير قبل سبعة شهور، وبذلك غابت صورته من المشهد السياسي والإعلامي.
لم يفق من حالة الغيبوبة، ولم يطرأ على صحته أي تحسن خلال الشهور الماضية، إلا في الأسبوعين المنصرمين، حيث بدأ صاحب 78 عاماً في البربشة بعينيه، لأنه سمع تحركاً وضرباً وشيكاً باتجاه بيروت، وحين دكت المنشئات اللبنانية، بدأت ترد له الروح، وبرّقت عيناه لأول مرة متذكراً quot;عهده القديمquot; حين اجتاح لبنان ودمر وارتكب المجازر، يقال أن الأطباء نصحوا أهل شارون أن يخرجوه من غرفة العناية المركزة، لأنها لن تفيده بشيء، واقترحوا أن يركبوا له بدلاً من الأجهزة وخراطيم الأوكسجين، شاشات تلفزيون بلازما ملونة ليرى مشاهد الرعب الإسرائيلي في لبنان وفلسطين، لأن مثل هذه المناظر والانتصارات الوهمية هي التي سترد له الروح، وتجعله يعود ويقبل على الحياة ولو على كرسي مدولب.
