الخميس: 2006.08.03


أفق آخر
خيري منصور


نعرف أن الحياة تستمر في إعادة تنظيم نفسها حتى في أزمنة الحرب والرعب ولكن ليس معنى هذا أن نرى إنساناً يخرج من ملجأ تحت وابل القصف وهو يحمل مرآة ويحلق ذقنه، أو نرى إنساناً آخر يشكو من عدم وجود ماسحي أحذية في ساعات منع التجول، من حق الناس أن يعيشوا في ذروة الاحتدام والصراع مع مضادات الحياة، ومن حق الفضائيات أن تختلف في التعامل مع الهواء.. بحيث يختار بعضها الاكسجين ويختار بعضها الآخر ثاني أو عاشر أكسيد الكربون.

المثير في هذا المشهد العربي الذي تحول الى سيرك مجاني بلا أبواب، ومفتوح على مدار الموت والساعة، هو أن هناك من يتلوى على الشاشة لأنه يحتضر، وقد نزف ثلاثة أرباع من خاصرته وعلى الشاشة المجاورة من يتلوى كالملدوغ طرباً، وغنجاً واستخفافاً بكل ما يحول الأعراس الى مآتم في قوس ذهبي من هذا العالم العربي طالما أحببناه، واختصرناه الى أغنية فيروزية أو صيف جبلي تتدلى تحت سمائه الصافية عناقيد الكرز وقطوف العنب.

لبنان.. اسمنا الحركي كعرب في عقود عجاف، ونداهتنا لحرية ما كنا نلثغ بها لولاه قتلناه حباً، ونكلنا به حسداً، وأخيراً خلعناه كما يخلع الصاحب صاحبه في لحظة اختبار عسير.

قبل ربع قرن قاوم بأصابع أطفاله وأوتاره المشدودة بين الأرز والزيتون، ونزف من الدم ما يكفي لأن يطفو.. وينجو لهذا لم يتركوه، انه أهم رصيد استراتيجي فيما يسمى بنك أهدافهم، وكل ما فيه وعلى ترابه مطلوب، ويكذبون إذا زعموا بأنهم يفرقون بين حبة التين وحبة الليمون وبين صيدا وطرابلس والضاحية الجنوبية ورأس بيروت.

انهم يرصدونه منذ خمسة عقود، في المقاهي التي شهدت سجال الثوار والشعراء وأحلام الضباط الشبان بالانقلابات في عواصمهم النائية.

ولم يكن لبنان ذات اجتياح أو اصطياف أو موسم ثقافي علبة مزخرفة وملفوفة بالحرير.. لأن قرية تنورين تغادر الأغنية وتترجل من الباص الخشبي لتتحول الى جدار أخير وخندق عربي ربما كان الأخير أيضاً.

ذلك العنقود من القرى التي زرع أهلها أشياء أخرى غير التبغ، والنعناع، كان قدره في خريف العرب أن يتولى الدفاع عما تبقى.

لهذا يعودون الى بوابة فاطمة.. وكأنهم يسيرون الى حتفهم للمرة العشرين، فلبنان ليس سلة فاكهة عزلاء وليس أغنية خضراء تعشش فيها طيور الوروار فقط، انه الوردة والشوكة والرغيف ونصل المنجل، والجبل والوادي، لهذا يليق به وبأهله نشيد عربي مؤجل وربما كان محرماً طوال عقود الارتهان والصمت القسري لأن الأفواه ملأى بكل شيء غير زفير الحقيقة، وحصوتها التي يختنق بها من لا ldquo;يبقّهاrdquo;.

ان أي انزلاق الآن نحو خصخصة أهداف العدو، والمباعدة بين لبناني وآخر لأسباب طائفية أو قبائلية هو بمثابة حشو بنادق الغزاة برصاص احتياطي.

لبنان.. ما من بلد مثله أسيء فهمه، حين اختلط السياحي بالسياسي والناي بالعصا، والتوت الجبلي الأحمر بالدم.. انه الآن كثافتنا وهي تتقطر دماً ودمعاً وصموداً فهل نتخلى عن تعريفاته الكلاسيكية البائسة، ونقر له بما هو جدير به