الإثنين: 2006.08.28
عبدالله بن بجاد العتيبي
quot;النصر الاستراتيجيquot; كان التعبير الذي تكرر ndash; بشكل أو بآخر- على لسان عدد من رموز حلف إيران الجديد، منهم حسن نصرالله الأمين العام لـquot;حزب اللهquot;، والرئيس الإيراني أحمدي نجاد والرئيس السوري بشّار الأسد، لقد تغنوا بهذا النصر غناء مثيراً للريبة والشفقة في ذات الوقت، فعن أي انتصار يتحدث هؤلاء؟ وبأية معايير ومقاييس قاسوا النصر والهزيمة؟ هل يعتقدون حقاً أنهم انتصروا على إسرائيل؟ وإذا كانوا قد انتصروا فلماذا أوقفوا الحرب ولم يواصلوها حتى يسحقوا إسرائيل؟ وهل فكَّروا لحظة في الإنسان اللبناني وأدخلوه ولو حاشية على حساباتهم للأرباح والخسائر؟
أسئلة تتناسل في العراء وتتطاير من الألسنة والرؤوس ولا يفكر أحد من هؤلاء بتقديم إجابات لها، بل إن بعضهم يتعمد منع الصحفيين من طرحها عليه خلال لقاءاته المتلفزة وحواراته الصحفية. والحقيقة هنا أن ثمة معايير إنسانية أساسية لقياس النصر والهزيمة، وثمة أرقام توضح حسابات الأرباح والخسائر، وثمة بشر ومجتمعات يمكن بالمقارنة بينها معرفة المنتصر من المنهزم.
يعتقد رموز حلف إيران الجديد ومن سار في ركابهم من الكتّاب والفضائيات بأن مجرد عدم انهيار quot;حزب اللهquot; يعدُّ نصراً مؤزَّراً، بغض النظر عن أية حسابات أخرى، ولكن الحقائق على الأرض لا تتحدث نفس الحديث ولا تتجه ذات الاتجاه، بل إن لها مساراً معاكساً واتجاهاً مناقضاً، خصوصاً إذا دخل الإنسان والاقتصاد في الحسبة، بعيداً عن الشعارات التي تهدم ولا تبني وتخرِّب ولا تعمِّر.
إن لغة الأرقام والإحصائيات التي صدرت أثناء الحرب وبعدها تتحدث بلغة حسابية حديثاً تحتل كلمة quot;الخسائرquot; العنوان الرئيس له في المجالات البشرية والمادية والاقتصادية والسياسية وغيرها.
فبحسب حصيلة جمعتها وكالة quot;فرانس برسquot; اعتمدت فيها على مصادر رسمية أهمها الهيئة العليا للإغاثة التابعة للحكومة اللبنانية، فقد أودت الحرب منذ بدايتها وحتى يوم الإعلان عن توقف المعارك بحياة 1084 مدنياً و40 عنصراً من عناصر الجيش والدرك. كما اعترف quot;حزب اللهquot; بمقتل 61 من مقاتليه، في حين أعلنت حركة quot;أملquot; الشيعية عن مقتل 7 ناشطين من كوادرها، وquot;الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ndash;القيادة العامةquot; أعلنت عن مقتل عنصر واحد من عناصرها. وأدى القصف الإسرائيلي أيضاً إلى مقتل أربعة مراقبين تابعين للأمم المتحدة في بلدة الخيام، إضافة إلى عنصر في قوة الطوارئ الدولية المؤقتة في لبنان quot;يونيفيلquot;. مع تأكيد الهيئة أن هذه الأرقام تشمل الجثث التي تم التعرف على أصحابها، ولا تشمل من لا يزالون تحت أنقاض أطنان من المباني المهدَّمة، والتي لم يتم انتشالها بعد.
إن مجموع هؤلاء القتلى يصل إلى ما يقارب 1200 إنسان، كانت لهم حياة اختطفت وأهل أثكلوا، وآمال وئِدت، كل ذلك في حرب لم يسألهم مشعلها ولم يستشرهم مذكِيها في شنِّها وإطلاق شرارتها التي أحرقت أعمارهم وخطفت أرواحهم.
هذا بالنسبة للقتلى أما عدد المصابين فقد بلغ 3700 مصاب على الأقل طبقاً للوكالة، أما النازحون والمهجرون من بيوتهم ومنازلهم فقد قاربوا المليون شخص (973334)، ومن ضمنهم 220 ألفاً غادروا البلاد إلى الخارج.
وبمقابل هذه الخسائر البشرية الفادحة في الجانب اللبناني فقد قتل في الجانب الإسرائيلي ما يقارب الأربعين مدنياً من جراء الصواريخ التي أطلقها quot;حزب اللهquot;. كما قتل 86 جندياً إسرائيلياً حسب الأرقام الصادرة عن الجيش الإسرائيلي نفسه.
هذا ما يتعلق بالخسائر البشرية فحسب، أما الخسائر المادية فقد شملت عدداً كبيراً من مرافق البنية التحتية والمنشآت الحيوية، بالإضافة إلى الأبنية والمساكن وهوائيات للهاتف النقال وأماكن عبادة ومقار تابعة لـquot;حزب اللهquot; ومكاتب ومنازل لكوادر الحزب، وقواعد ومعدات عسكرية وطرقاً وجسوراً ومزارع ومصانع ومحال تجارية وغير ذلك كثير.
من تلك الخسائر المادية تدمير 30 منشأة من المنشآت الحيويَّة، بما فيها مطار بيروت الدولي والموانئ وخزانات المياه وخزانات الوقود ومحطات توليد الطاقة الكهربائية. وتدمير ما ينيف على 100 جسر، و630 كيلومتراً من الطرقات، و23 محطة لتوزيع الوقود، و7000 آلاف مسكن مع مساكن أخرى في جنوب لبنان والضاحية الجنوبية لبيروت ومنطقة بعلبك.
والمصانع سجَّلت خسائر كبرى أيضاً فقد دمر ما يقارب 9000 مصنع ومحلٍّ تجاري، منها مصنع quot;ليبانْ ليهْquot; الذي يعدُّ واحداً من أكبر مصانع مشتقات الحليب. ودمرت أكثر من 450 شاحنة، والعشرات من المزارع التي تعتبر من أهم مصادر الدخل في لبنان، منها على سبيل المثال مزرعة quot;تنميةquot; لتربية الدواجن التي تعتبر ثاني أكبر مزرعة لتربية الدواجن في لبنان والتي فقدت وحدها ما يقارب 90 طناً من الدجاج.
ومع كل هذه الخسائر المادية فإن دُور العبادة لم تسلم كذلك من الدمار، فجامع الإمام علي في بعلبك والعشرات من الحسينيات في جنوب لبنان طالها الدمار، وكنيسة في بلدة quot;راشيا الفخارquot; في جنوب شرق لبنان طالها ما طال المساجد.
مواقع الجيش اللبناني تعرضت لدمارٍ مماثل فدمرت ثكنات عسكرية وقواعد بحرية ومراكز استخبارات عسكرية وقواعد جويَّة وجميع محطات الرادار ومخازن للأسلحة.
مقرات quot;حزب اللهquot; نفسها دمر غالبها تدميراً شبه كامل بما فيها المقر العام ومنزل ومكتب نصرالله وغيرها من المباني والمدارس والمقرات الحزبية التابعة للحزب.
وبحسب تقديرات بعض المراقبين الاقتصاديين فقد بلغت خسائر لبنان الاقتصادية ما يصل إلى 6 مليارات دولار، وهو ما تشكِّل نسبته 23.5% من الناتج المحلي الإجمالي للبنان، في حين أن خسائر إسرائيل لم تتجاوز نسبتها 2% من إجمالي الناتج المحلي لإسرائيل.
أعلم أنني أطلتُ في سرد الأرقام لكن هذه الأرقام تحكي مأساة شعبٍ تمَّ جرُّه لحربٍ خاسرةٍ، تحت شعارات آيديولوجية ومصالح استراتيجية لدول خارجية تقف إيران على رأسها. والمواطنون اللبنانيون في جنوب لبنان تحدثوا بمرارة عن إجبار quot;حزب اللهquot; وعناصره لهم بالدخول في الحرب، وتحدثوا كيف أنهم لا يستطيعون منع عناصر الحزب من إطلاق الصواريخ من داخل قراهم ومنازلهم، وأن مقاتلي الحزب كانوا يختبئون بالمساكن والمدنيين لتجنب القصف الإسرائيلي.
فعن أي quot;نصر استراتيجيquot; يتحدث هؤلاء! إنها الهزيمة النكراء المتخمة بالخسائر التي تدمي القلوب وتحزُّ في الأفئدة.
حقاً ما أشبه الليلة بالبارحة في هذا الزمن العربي الرديء، فقد دخل quot;أحمد سعيدquot; التاريخ العربي من بوَّابة الكذب ونشر الزيف بادعاءاته أن مصر منتصرة في حرب سبعة وستين وهي كانت خاسرة خسارة عظمى. وهو مشهد كرره بشكل مؤسف صحَّاف العراق. وها نحن نرى اليوم ونسمع كيف أن ساسة كباراً وقنوات فضائية واسعة الانتشار وصحفاً ومطبوعات وكُتَّاباً وصحفيين ومثقفين يتقافزون لادعاء النصر بالصوت والصورة والكلمة والقلم، ليحتلوا مكانة quot;أحمد سعيدquot; الخاوية، ويملأوا الفراغ الذي تركه محمد سعيد الصحَّاف!
واأسفاً على لبنان التاريخ والحضارة، لبنان التعايش، لبنان التجارة، لبنان الزراعة، لبنان المستقبل، فقد أكلت الحرب أخضره ويابسه، وأحرقت بيادره وأحلامه، لسببٍ لا يرتضيه أغلب أهله ولا يقبل به الأكثرية من مواطنيه.
سيظل الأمل يحدو الجميع أن يعود لبنان معافىً حيّاً قويّاً وأن يظل رجاله قادرين على استنبات الورود بين الخرائب وبذر الحياة وسط ركام الموت. لكنَّ الواجبَ الملحَّ اليوم على قادة لبنان هو ألا يسمحوا باستمرار الوضع على ما كان عليه قبل هذه الحرب، وألا يسمحوا لأحدٍ كائنا من كان بأن يختطف الوطن من جديد ليقدمه قرباناً لمصالح خارج الوطن، وأن يضمنوا سيطرة الدولة على كل أرضها ومواطنيها، وأن يوحِّدوا القرار بيد الدولة وينتزعوه انتزاعاً من أيدي المغامرين.
