16 يناير 2007
رضي السماك
لعل من أبرز الرؤساء الذين غادروا البيت الأبيض ولعبوا دوراً مميزاً في هذا الشأن الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر، وهو ثالث رئيس أمريكي يفوز بجائزة نوبل بعد ويلسون وروزفلت.
على أن الرئيس كارتر يتفرد عن قرنائه الرؤساء الأمريكيين في مأثرتين اختص بهما:
الأولى: جهوده من أجل السلام والديمقراطية وحقوق الإنسان في العالم.
الثانية: كونه أكثر الرؤساء الأمريكيين تفهماً وإنصافاً للقضية الفلسطينية. ولعل هذه المأثرة تهمنا نحن العرب على وجه التحديد.
وعرف عن كارتر انتقاده لحكم دكتاتور تشيلي الراحل بينوشيه، وكذلك نظام الأقلية العنصرية البيضاء في جنوب إفريقيا المقبور، كما كسر كارتر حصار بلاده المضروب على كوبا، وقابل رئيسها كاسترو، مطالباً بفك الحصار الصحي والغذائي على هذا البلد المجاور لبلده.
وقام بمساع لحل أزمة كوريا الشمالية النووية، كما قام بمقابلة الرئيس السابق كيم إيل سونج. وظل كارتر يجوب شتى بقاع المعمورة، رغم تجاوزه العقد الثامن، في مهام لنشر وتعزيز العمليات الديمقراطية أو لإرساء السلم والقضاء على بؤر التوتر الدولية، فقد أشرف على العمليات الانتخابية في هايتي، والضفة الغربية وغزة بفلسطين، والسلفادور وموزمبيق، هذا إلى جانب ما قام به من مساع كوسيط دولي لوقف الحرب الأهلية في إثيوبيا والسودان. كما عرف الرئيس كارتر بدوره المميز مع زوجته روزلين لمحاربة الملاريا في إفريقيا والإيدز في الهند.
ولم يكن كارتر وهو في الحكم مقيداً بالمؤسسة الرسمية ومن خلفها اللوبي الصهيوني (ايباك)، عميق الإدراك بتعقيدات القضية الفلسطينية حينما رعى مفاوضات واتفاقيات كامب ديفيد بين الرئيس المصري الراحل أنور السادات ورئيس الحكومة ldquo;الإسرائيليةrdquo; الأسبق مناحيم بيجن، واللذين بفضلها نالا أيضاً جائزة نوبل للسلام مناصفة بعدئذ. لكنه بعد مغادرته الرئاسة بدأ يدرك على نحو أعمق تعقيدات هذه القضية العربية الدولية، وأخذ يتفهم ويتعاطف مع حقوق الشعب الفلسطيني الأساسية والظلم التاريخي الذي وقع عليه.
وقد توج هذا الاهتمام والتفهم بإصداره مؤخراً كتابه ldquo;فلسطين: السلام وليس الفصل العنصريrdquo; والذي لم يحظ رغم أهميته الفائقة باهتمام كاف لدى العرب. وفي هذا الكتاب انتقد كارتر بشدة السياسات العنصرية التي تمارسها ldquo;إسرائيلrdquo; تجاه الفلسطينيين، مشبهاً إياها بما مورس تجاه شعب جنوب إفريقيا، ودان ما يتعرض له الفلسطينيون من قمع، كما دان نظام التراخيص الصارم في حرية التنقل والفصل الشديد بين الفلسطينيين والمستوطنين، ووثق رؤيته ليس بناء على مصادر معلوماته كسياسي متابع لما يدور في هذه المنطقة فحسب، بل وبناء على قيامه بمهام مراقبة الانتخابات الفلسطينية في 1996 و2005 و2006.
وقد تعرض كارتر بسبب هذا الكتاب إلى غضب عارم مازال مستعراً من قبل المؤسسة الرسمية الأمريكية والساسة المتعاطفين مع ldquo;إسرائيلrdquo; فضلاً عن اللوبي اليهودي ممثلاً في لجنة العلاقات الأمريكية- ldquo;الإسرائيليةrdquo; (إيباك).
ولم يتردد كارتر في فضح هذه الجهات وعلى الأخص (ايباك) التي انبرت لوصمه بمعاداة السامية لمجرد تجرئه على نقد السياسات ldquo;الإسرائيليةrdquo; تجاه الفلسطينيين.
ولا يمكن فهم مأثرة هذا الرئيس الأمريكي جيداً تجاه العرب ما لم ندرك المسلمات التي ترسخت في تقاليد سياسات الإدارات الأمريكية المتعاقبة بدعم ldquo;إسرائيلrdquo; اللامحدود وتجاهل الغبن الواقع على الشعب الفلسطيني.. وهو بهذا لربما يكون أول رئيس أمريكي يكسر تابوهات نقد ldquo;إسرائيلrdquo; ويجرؤ على التعاطف الواضح مع حقوق الشعب الفلسطيني.
وللأسف، فإنه في الوقت الذي يتعرض فيه كارتر لهذه الحملة الضارية داخل بلاده فإن العرب، وعلى الأخص الحكومات العربية، يبدون غائبين عنها تماماً مثلما هم غائبون عن دعمه وتكريمه لمواقفه المشرفة تجاه القضية الفلسطينية سواء جاء غيابهم على الصعيد الرسمي أم على الصعيد الشعبي.
على أن كارتر ليس أول شخصية دولية مؤثرة تتعاطف مع العرب وتلقى هذا التجاهل من قبلهم، إذ ثمة شخصيات دولية عديدة.. فكم هو جدير بالعرب لو أنهم أناطوا بمؤسسة من مؤسساتهم الإعلامية أو السياسية القومية أن تكرم مثل هذه الشخصيات سنوياً على طريقة جائزة نوبل أو على طريقة مجلة ldquo;التايمrdquo; في تحديد رجل العام المتعاطف مع قضاياهم المصيرية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.
