نورمان سولومون
نسمع باستمرار أن العراق ليس فيتنام. ولا شك في أن أي عالِم جغرافيا كفيّ يوافق على هذا الأمر. لكن الولايات المتحدة هي الولايات المتحدة ndash; بلد يديره قادة يلوّحون بالإمكانات العنيفة للبنتاغون ويحتفون بها ويستعملونها باعتبارها أمراً طبيعياً.
قبل نحو خمسين عاما، وفي الخريف الذي فاز فيه جون ف. كينيدي بالرئاسة، أصدر جون هرسي روايته quot;شاري الولدquot; المكتوبة في شكل جلسة استماع أمام لجنة تابعة لمجلس الشيوخ في الولاية. يقول سناتور لوالدة عبقري في العاشرة من عمره تسعى شركة quot;يونايتد ليمفوميلويدquot; لشرائه quot;المعذرة سيدتي لكنني أتساءل إن كنت تعرفين ما هو على المحك في هذه المرحلة. تعرفين أن المسألة تتعلق بالدفاع الوطنيquot;. فتجيب الوالدة quot;إنه ابني. يريدون أن يأخذوا مني ابني الجميلquot;. يدلي نائب رئيس في quot;يونايتد ليمفوميلويدquot; quot;مسؤول عن شراء الموادquot; بإفادته قائلاً quot;لواجباتي تصنيف عالٍ جداً في الدفاع الوطنيquot;. ويضيف quot;عندما يكون هناك نقص في سلعة نحتاج إليها، يجب أن نخرج ونسرع في العمل. أشتري أدمغة. قبل نحو 18 شهراً، واجهت شركتي quot;يونايتد ليمفوميلويد أوف أميركا، إنكوربورايتدquot; مشكلة صعبة جداً، مشروعاً، عقداً حكومياً لفترة خمسين عاماً، متخصّصاً جداً وسرياً جداً، وكنّا بحاجة إلى بعض من خيرة الأدمغة في البلاد...quot;.
سرعان ما اندهش معظم المشترعين في اللجنة بأهمية الشراء المقترح بالنسبة إلى البلاد. وهكذا يسود بعض الذعر عندما يقول شاري الولد إنه وضع أخيراً اقتراحه quot;على الطاولة مباشرةquot;، وكان جواب الصبي لا.
يصرخ السناتور سكايباك quot;بالله عليك، ألم يكن بإمكانك أن تشتري رأسه بكل بساطة؟quot;
quot;شاري الولدquot; محاكاة ساخرة ذكية مع فكاهة غير خفيفة على الإطلاق. بعد 15 عاما من إجراء هرسي أبحاثاً عن كثب لوضع كتابه quot;هيروشيماquot;، كانت الحرب الباردة قد أحكمت الخناق على أميركا. يقول شاري الولد (واسمه السيّد جونز، وكأنّ الكاتب يستبق أغنية لبوب ديلان كُتِبت بعد سنوات عدّة) أمام لجنة مجلس الشيوخ إن مسعاه ملح على الرغم من أنّ المشروع يدوم خمسين عاماً. ويتابع quot;كما تعلمون، نعيش في عالم قاسٍ. ما يبدو جميلاً ومشرقاً في الإعلان التلفزيوني الذي يروّج لمنتج استهلاكي ما يخفي في معظم الأحيان خلفية من الاقتتال التنافسي الحاد. كِسرة آجرّ مغلّفة في علبة هدية. الكشف القانوني والمهذّب عن البطن. قطّاع طرق يرتدون سترة رسمية. والمزيد مع مشاريع مثل مشروعنا. هناك إمكانات لتحقيق أرباح هائلة. لا نريد أن نخسرquot;.
وما هو المشروع الذي سيُشترى الولد من أجله؟ تفصّل مذكّرة واردة في محضر جلسة الاستماع quot;الأساليب التي تستعملها quot;يونايتد ليمفوميلويدquot; لإلغاء كل الصراعات من الحيوات الداخلية للعيّنات، وحملهم على استخدام معدّاتهم الداخلية بأقصى فاعلية ممكنةquot;.
هناك أولاً الحجز الانفرادي لبضعة أسابيع في quot;غرفة النسيانquot;. وتأتي المرحلة الثانية التي تُعرَف بquot;التعليم وإلغاء الأحاسيس في العزلquot;، لدفع العملية أكثر نحو الأمام. وتليها quot;مرحلة التغذية بالبياناتquot; ثم عملية جراحية كبرى quot;تقوم على rsquo;ربطlsquo; الحواس الخمسquot;، ونصل إلى المرحلة الأخيرة الطويلة الأمد المعروفة بـquot;العمل الإنتاجيquot;. وعند سؤاله إذا كان المشروع متطرّفاً جداً، يرفض السيد جونز الفكرة قائلاً quot;لقد أنتج هذا الأسلوب عباقرة بطريقة لم يتخيّلها الإنسان من قبل. عبر استخدام اختبارات وضعها باحثون في الشركة، قمنا بقياس حاصل الذكاء لدى ثلاث عيّنات خضعت للتدريب الكامل، عام 974 ثم 989 و1005...quot;.
الصبي هو من يغلق مداولات اليوم الأخير من جلسة الاستماع شارحاً quot;أظنّ أنّ السيّد جونز هو من قلب الموازين. تحدّث معي مطوّلاً هذا الأسبوع. وأقنعني بأنّ حياة مكرّسة لـquot;يونايتد ليمفوميلويدquot; ستكون مثيرة للاهتمام على الأقل، لا بل أكثر إثارة للاهتمام من كل ما يمكن أن يحصل لي الآن في المدرسة أو المنزل... من المدهش أن أكون عيّنة، هذا مدهش حقاً. هل تظنّون أنّني أستطيع بلوغ حاصل ذكاء يفوق الألف؟quot;.
لكنّ أحد السناتورات يسأل، هل يظن الصبي حقاً أنّه يستطيع نسيان كل شيء في quot;غرفة النسيانquot;؟ يجيب الصبي quot;طرحت على نفسي هذا السؤال في الصباح. تساءلت عن النسيان. لطالما اعتبرت أنّ كل ذاكرة هي نوع من الصورة، صورة غير مادّية. وفكّرت في أنّها تخطر فجأة في بالك عندما تحتاج إليها، إنها شيء رأيته أو سمعته. ثم يمكن أن تبقى لبرهة أو تزول، ومن ثم تعود مرة أخرى. تساءلت حول غرفة النسيان. إذا اختفت كل الصور ونسيت كل شيء، إلى أين ستذهب؟ ستختفي في الهواء وحسب؟ في السماء؟ في المنزل، حول سريري، حيث تمكث أحلامي؟quot;.
غالباً ما سهّل إلغاء الذاكرة غير المناسبة الغِشية التي تعزّز عمل البنتاغون. لكن يمكن سماع بعض الأصوات المضادّة.
لم يكن ليني بروس اسماً عادياً عندما توفّي بسبب جرعة مورفين مفرطة في آب 1966، بل كان معروفاً على نطاق واسع، وكان قد مثّل حتّى عبر التلفزيون. وقد انتقدت مسرحياته في الملاهي الليلية التي وُزِّعت في ألبومات، تطرّف العديد من الركائز الأخلاقية القائمة. وتصف إحدى مسرحيات بروس المفضّلة زيارة قام بها إلى نيويورك رجال دين رفيعو المستوى من المسيحية واليهودية. وقد قصدوا كاتدرائية القديس باتريك quot;يسوع وموسى واقفان في الجزء الخلفي من كاتدرائية القديس باتريك. المسيح مشوَّش من عظمة الداخل، الداخل الباروكي، الداخل الباروكي الركوكي. قاده الطريق إلى هارلم الإسبانية. تساءل كيف يعيش خمسون شخصاً من بورتو ريكو في غرفة واحدة. تلك النافذة من الزجاج الملوَّن تساوي تسعة آلاف دولار! همممم...quot;.
وفي عروضه الأخيرة، تلا بروس (بلهجة ألمانية ثقيلة) أسطراً من قصيدة للراهب اللاترابي توماس مرتون ndash; وهي عبارة عن تأمل حول المسؤول النازي الرفيع المستوى أدولف اينمان. quot;دفاعي؟ كنت جندياً. شهدت على نهاية جهود حيّة الضمير. راقبت عبر الكوّات. رأيت كل يهودي يُحرَق ويُحوَّل صابوناً. هل تظنّون أنفسكم أفضل لأنّكم أحرقتم أعداءكم بالصواريخ عن مسافات بعيدة؟ من دون أن تروا حتى ما الذي فعلتموه بهم؟quot;.
رأينا فراشات تتحوّل مقاتلات، ولم نكن نحلم. شهدت مرحلة الستينات منافسة بين الإفراطات الأميركية، من دون أن يتمكّن أحد ndash; مهما بلغ حجم تأثير الأدوية المخدِّرة على الدماغ أو كان الجنس رائعاً أو المهرجانات الموسيقية مدهشة ndash; من التغلّب على ما كان البنتاغون يفعله في جنوب شرق آسيا أو تقويضه. كتب الصحافي مايكل هير في فيتنام quot;أخذنا مسافة بسرعة وكان الثمن باهظاً والذعر كاملاً وأقرب إلى الهمجية القصوى. كانت آلتنا مدمّرة ومتقلّبة. كان بإمكانها فعل أيّ شيء ما عدا التوقّفquot;. في الوقت الذي أصبحت فيه فرقة quot;وودستوكquot; بسرعة أسطورة إعلامية في منتصف آب 1969، علت الأناشيد المؤيّدة للسلام في وجه الحديد البارد لآلة الحرب الأميركية. احتشد أربعمئة ألف شاب في مزرعة شمال نيويورك بصورة غير مباشرة ndash; وفي شكل أساسي غير فعّالة ndash; لرفض الحرب والمزاعم التي تغذّيها. وكانت أغنية جيم هندريكس quot;الراية المرصَّعة بالنجومquot; تعبيراً
مناسباً عن السياسة الخارجية الأميركية.
بعد أيام من انتخابات تشرين الثاني 2004، ومع توجّه القوات الأميركية مجدداً إلى الفلوجة لمواصلة المذبحة، جاء في رسالة من مراسل quot;نيويورك تايمزquot; في تلك المدينة نُشِرت في الصفحة الأولى quot;لا شيء هنا منطقي، لكن يبدو أنّ التدريب والقوّة النارية المتفوّقَين للأميركيين سيسودان في النهايةquot;.
كان العنف المتفوّق، بحسب كتابات لا تُعدّ ولا تحصى، صائباً ومرضياً جداً. منذ الطفولة، تصوِّر المحطات التلفزيونية والأفلام العنف الشديد وكأنّه السلاح الأقصى والحل النهائي الذي يستطيع وحده وضع حد للنزاع. يتم التخلّص من مصدر التهديد، هذا محتوم. لكن في الداخل في الولايات المتحدة وبعيداً، أصبحت الإخفاقات العملية والأخلاقية للعنف أمراً غير قابل للدحض. وفي العراق، التقت مصادر العنف غير المسموح مع العنف الأميركي المتصاعد. وفي الولايات المتحدة، لقي معارضو الحرب ازدراء من الرئيس. في قصة قصيرة نُشِرت قبل مئة عام، كتب وليم دين هويلز quot;يا له من أمر أن يكون هناك بلد لا يمكن أن يخطئ، لكن حتى ولو أخطأ، فهو محق في مختلف الأحوالquot;
ترجمة نسرين ناضر
