أحمد فؤاد نجم


انتهي الشيخ إمام من وضع اللحن الجميل السهل في حوالي الساعة الثانية عشرة من منتصف النهار، وظللنا نغني اللحن الجديد حتي أتي المساء ونحن لا ندري:

البحر غضبان مابيضحكش

أصل الحكاية ماتضحكش

البحر جرحه مابيدبلش

وجرحنا ولا عمره دبل

والبحر بيضحك ليه

وأنا نازلة أدلع أملا القلل

وكانت هذه هي القصيدة الأولي التي يلحنها المرحوم الشيخ إمام، وتغنيها الجوقة التي كنا نسميها laquo;فرقة الشحاتينraquo;، وهي مكونة من العبد الفقير، كاتب هذه السطور ومحمد الصايغ الشهير بالفنان التشكيلي محمد علي، طبال الشيخ إمام الذي جرجروه معنا إلي معتقل القلعة الشهير، ولا أدري حتي الآن بأي تهمة اعتقلوه!

أما باقي الجوقة فمجموعة من النكرات لا داعي لذكر أسمائهم الآن، ولا حتي بعد الآن، لأن المسألة مش فارقة، وكان في هذه الجوقة اللعينة أصوات ما أنزل الله بها من سلطان، أصوات غليظة ونشاز وأصوات مسرسعة ونشاز أيضاً، وكان الشيخ إمام يتأذي ويتألم، ولكن في صمت لأن أفراد التخت كلهم من laquo;حوش قدمraquo; وكان أغلبهم ما بيعرفش عربي، يعني مابيتفاهمش، وأذكر الآن العربي سرسع اللي مرة الشيخ إمام قاله برقة شديدة:

- يا معلم عربي اسمع العود الأول قبل ما تغني عشان تخش المقام معانا.

فضحك المعلم عربي ضحكة حشاشين ماجنة ثم قال للشيخ إمام:

- يا مولانا بطل هجس بقي.. مقام مين اللي هاخشه معاكم؟ مقام سيدي الدردير؟

وإيش أخشش أولياء الله الصالحين معانا دلوقتي!

فحاولت شرح وتبسيط الأمر فقلت للمعلم عربي:

- مولانا ما يقصدش الأولياء الصالحين يا معلم عربي.

قال لي:

- يا عم يقصد ولا ما يقصدش، إنت حتعملي لي فيلم هندي! وبعدين أنا جاي أغني معاكو محبة عشان إنتو ولاد حتتي، إنما أكتر من كده لأ.

وقال الشيخ إمام بمودة:

- دلوقتي أنا عايز أعرف يا معلم عربي انت زعلان ليه؟

قاله:

- انت كمان مش عارف أنا زعلان ليه؟ إزاي تحبس دمي قدام شلة المقاطيع دول - وأشار نحونا - هو أنا يعني غلطت في البخاري؟ وإيش حال لو ما كنتش شايل عود كحيان وقاعد تنجد عليه! ولا إنت افتكرت نفسك منير مراد ولا صالح عبدالحي.

وهنا دخل ضيف جديد وأكمل كلام المعلم عربي سرسع.

- ولا ليلي مراد ولا نجاة علي.

وانفجرنا جميعاً بالضحك، وكانت ضحكة المعلم عربي هي التي غطت علي جميع أصوات الضحكات أما الشيخ إمام فقد عرف صوت القادم فقال بحرارة:

- أهلا يا laquo;أبوشهديraquo; ابن حلالمصفي.. لسه كنا في السيرة.

وقال نجيب سرور:

- والله يا مولانا القلوب عند بعضها.. لكن انتو دلوقتي كنتوا بتغنوا إيه؟

الشيخ إمام قال له:

- انت آخر حاجة سمعتها وانت طالع إيه؟

فقال نجيب سرور:

- أنا إللي خيش في ودني ضحكة نشاز فكرتني بصوت غطا البكابورت.

فقال المعلم سرسع:

- علي العموم تشكر يا ذوق.. دا بس من أصلك

فقلت للمعلم عربي:

- الأستاذ الشاعر نجيب سرور يا معلم عربي هو اللي كاتب الكلام الحلو اللي كنا بنغنيه دلوقتي.

قال لي:

- يا خسارة بقي اللي كاتب الكلام الحلو ده يشبه بني آدم بالبكابورت.

فقال نجيب:

- انت عارف غطا البكابورت مصنوع من إيه؟!

فقاله:

- منك نستفيد يا باشا.

قال له:

- مصنوع من الزهر.

فقال سرسع:

- سبحان الله.. يسيحوا الزهر بتاع الطاولة ويغطوا بيه البكابورتات؟!

فقال نجيب سرور ضاحكاً:

- امال يا معلم كفتة.. الطب اتقدم.

وهنا ارتفع صوت عود الشيخ إمام ليغني ونحن خلفه:

البحر بيضحك ليه

وأنا نازله ادلع أملا القلل

فوجئ نجيب سرور فانهمرت دموعه وحاول أن يغني معنا فقلت له:

- صوتك نشاز يا نجيب.

فقال ضاحكاً:

- يا ابن الكلب دانا لسه سامع عندكم واحد بيضحك نشاز.

وفي المقطع الأخير الذي يقول:

بيني وبينك سور ورا سور

وأنا لا مارد ولا عصفور

في ايدي ناي

والناي مكسور

وصبحت أنا في العشق مثل

بكي نجيب سرور بصوت مسموع، وكانت هذه هي المرة الوحيدة التي سمعت فيها بكاء الشاعر العظيم، الذي طالما أبكاني في حب معشوقته الوحيدة مصر المحروسة، وفي هذه الأيام نحتفل بذكري ميلاد نجيب سرور في بلدته إخطاب وسنة حلوة يا نجيب سنة حلوة يا أبو شهدي وكل سنة وإنت عايش في وجدان وقلب المعشوقة المتعبة - مصرك المحروسة يا نجيب.