جهاد الخازن
هو كتاب آخر بدأت أقرأه لأسباب العمل، لا لرغبة شخصية، غير أنني سعدت به بقدر ما أتعستني قراءة اضطرارية لكتب عن المحافظين الجدد والحرب الأميركية على العراق.
لفتني الى الكتاب في البداية عنوانه، فقد كان laquo;النساء السعوديات يتكلمنraquo;، ثم توقفت عند اسم المؤلفة منى المنجد، ووجدت انها ابنة الدكتور صلاح الدين المنجد والسيدة دنيا مروة (شقيقة كامل مروة، مؤسس laquo;الحياةraquo;)، وهما صديقان عزيزان من أيام بيروت، تراجعت الصلة بهما بعد أن انتقلا الى جدة للإقامة فيها.
الكتاب، وهو بالانكليزية، ضمّ مقابلات مع 24 سيدة سعودية بارزة راوح نشاطهن بين الأعمال الخيرية والتعليم، الى النهوض بالمرأة والتجارة والاهتمامات الفنية من رسم وتصميم بأنواعه.
وقدمت منى المنجد لكل ذلك بعرض مختصر مفيد، خصوصاً للقارئ غير العربي، عن تاريخ المملكة العربية السعودية وتقاليد مجتمعها ودور الاسلام في الحياة العامة والخاصة في بلد الحرمين الشريفين.
كانت المؤلفة محظوظة انها قابلت الملكة عفت، قرينة الملك فيصل، رحمهما الله، قبل وفاتها بقليل، ودار الحديث على اهتمام الملكة عفت بالتعليم من المدرسة النموذجية للأولاد في الأربعينات، الى دار الحنان للبنات على رغم ما واجهت من معارضة، الى كلية عفت الأهلية للبنات التي تشرف عليها الآن ابنتها الأميرة لولوة، وهي أيضاً رئيسة مشاركة لحوار الاسلام والغرب، حيث أنا عضو معها، عبر المنتدى الاقتصادي العالمي.
الاهتمام بالتعليم والأعمال الخيرية يبرز في كل مقابلة تقريباً، فهو يتكرر في المقابلات مع الأميرة موضي بنت خالد بن عبدالعزيز، وهي الأمينة العامة لمؤسسة الملك خالد، وأيضاً لمؤسسة النهضة الخيرية، والأميرة فهدة بنت سعود بن عبدالعزيز رئيسة مؤسسة الفيصلية التي ورثت الاهتمام بالتعليم عن والدها الملك الراحل الذي أرسى نظام التعليم وهو ولي للعهد، وفُتحِت سنة 1951 أول مدرسة للبنات في نجد، laquo;الكريماتraquo;، وأيضاً الأميرة جواهر بنت ماجد بن عبدالعزيز التي كانت رائدة في شؤون الثقافة والإبداع عبر مؤسسة المنصورية ومقرها باريس، وأسست مدرسة للبنات مع ثلاث من بنات عمها، ثم الأميرة عادلة بنت عبدالله بن عبدالعزيز التي تعكس المقابلة معها تعدد مواهبها واهتماماتها، فهي ترأس، أو أنها عضو لجان، من الرعاية الصحية الى المتحف الوطني الى التجارة والصناعة.
وجدت أن منى المنجد أجرت مقابلات مع ثماني نساء من العائلة المالكة وست عشرة امرأة سعودية أخرى، وإذا كان لي أن أصفهن جميعاً بكلمة واحدة فهي laquo;النجاحraquo;.
أسماء الدباغ طبيبة ذات شهرة عالمية اختصاصها الأشعة، ترأست كلية طب للإناث في جامعة الملك عبدالعزيز، وهدى الخطيب أول طبيبة قلب في السعودية ورائدة في مجال تخصصها، وعائشة المانع دكتورة في علم الاجتماع وناشطة بارزة في مجالات حقوق المرأة.
في المقابل الأميرة فهدة، إضافة الى كل اهتماماتها الخيرية، رسامة تستخدم الألوان المائية، وتهتم بالنماذج الاسلامية وتبرزها في رسومها للنساء. أما نوال موصلي فشاركت في تأسيس أول مدرسة للفن التعبيري في السعودية، وتهتم بالفن الحديث، وصفيّة بن زقر رسامة جمعت انتاجها في متحف خاص، ورسومها تبرز عادة التقاليد السعودية، وابتسام القصيبي تصمم مجوهرات مستوحية التقاليد العربية في الذهب والفضة والخط، وتمزج ذلك بتأثيرات أوروبية، وجميلة الشاعر سيدة أعمال ناجحة وتتخصص في تصميم الأزياء.
الدراسة أيضاً تعكس شيئاً مشتركاً، فبعد السعودية تبرز تأثيرات مصر ولبنان، وأيضاً باكستان والغرب.
ومع سعادتي بأن تكون مؤلفة الكتاب ابنة صديقين عزيزين، فقد وجدت ما جذبني شخصياً، والمقابلة مع الاذاعية البارزة دلال ضياء ذكّرتني بوالدها الأديب والصحافي الكبير عزيز ضياء، فقد كان أول صحافي سعودي عرفته، وأشكر الأخ عبدالمقصود خوجة الذي أهداني أخيراً مجموعة أعماله في خمسة مجلدات أنيقة.
ولا أستطيع أن اتحدث عن كل مقابلة في الكتاب، وأعتذر عن التقصير، إلا انني وقد ضاق المكان أكمل بالدكتورة عايشة المانع، فقد رأيتها في مؤتمرات، والاستماع اليها والجدال معها متعة حقيقية بما عرف عنها من آراء مثيرة أو جدلية. وكانت صريحة في المقابلة فتحدثت عما واجهت من صعوبات في عملها وكيف أن المجتمع السعودي يخاف من التغيير ويقاومه.
وأخيراً هناك المقابلة مع مهى الجفالي، وهي ابنة صديقين عزيزين، الشيخ أحمد رحمه الله، والسيدة سعاد الحسيني، شريكة المؤتمرات ومجالس الادارة حول العالم. فهي المدير التنفيذي لمركز العون الذي أنشأه والداها قبل 22 سنة، وهي صغيرة. والمركز يعنى بالأطفال من أصحاب الاحتياجات الخاصة، وهناك دائرة لتقويم السمع والنطق وغير ذلك.
مركز العون خدم أكثر من 1500 طفل من أصحاب الاحتياجات الخاصة، وهو اليوم يضم 320 طفلاً يحتاجون الى رعاية على مدار الساعة. وقد اختارت مهى الجفالي تخصصاً تعليمياً يمكّنها من ادارة المركز بثقة وخبرة.
الكتاب laquo;النساء السعوديات يتكلمنraquo; أكد لي ما أعرف عن قدرة النساء العربيات جميعاً، وما يستطعن أن يفعلن لأمّتهنّ لو أعطين فرصة.
