جيفري كمب
في العاشر من الشهر الجاري، أعلن رئيس الوزراء البريطاني quot;توني بليرquot; وسط ضجة إعلامية كبيرة، أنه سيستقيل من منصبه في السابع والعشرين من يونيو القادم، بعد عشر سنوات قضاها في 10 دواننج ستريت (مقر الحكومة البريطانية). ويعتقد على نطاق واسع أن وزير الخزانة الحالي quot;جوردون براونquot; هو الذي سيخلف بلير كرئيس للحزب وكرئيس لمجلس الوزراء (وإن كان يتوقع أيضاً رغم ذلك أن يواجه بعض التحديات من شخصين من يسار الحزب؛ هما جون ماكدونالد ومايكل ميتشر). ومن المعروف أن براون سياسي معتدل يعتنق تقريباً نفس الآراء التي يعتنقها بلير في مجال السياسات الداخلية، وإن كانت الطريقة التي سيدير بها السياسة الخارجة تبقى سراً حتى الآن على الأقل. فعلى الرغم من أن الرجل موالٍ لأميركا ويمتلك منزلاً صيفياً في quot;كيب جودquot; في الولايات المتحدة، وأنه قد زار أميركا العديد من المرات منذ أن تولى منصبه كوزير للخزانة، إلا أن المؤكد هو أنه سيبذل ما في وسعه كي يتجنب لقب quot;كلب بوش المدللquot; بشأن سياسته في العراق، أي أنه سيحاول بقدر الإمكان عدم إظهار تبعيته لواشنطن في تلك السياسة على الأقل إلى أن يأتي رئيس جديد للولايات المتحدة.
وفي الوقت نفسه لا يزال موضوع التركة التي سيتركها بلير بعد أن يرحل عن الحكم، هو الحديث المفضل اليوم في الصالونات والمنتديات. ويمكن القول ابتداءً إنه ليس من شك في أن بلير سيتم تذكره في المستقبل باعتباره رئيس الوزراء الذي فاز بثلاثة انتخابات متوالية منذ أن انتشل حزبه من غياهب النسيان عام 1997 وصعد به إلى سدة الحكم. فنجاحه في الوساطة من أجل تحقيق السلام في أيرلندا، وصلابته بشأن الحاجة إلى استخدام القوة المسلحة في كوسوفو، واهتمامه الصادق بقارة أفريقيا، وبموضوع التغير المناخي... كلها مواقف وسياسات لن تغيب عن الأذهان، وإن كان الموضوع الذي سيتم تقييم فترة حكمه على أساسه هو سياسته في الشرق الأوسط وهي السياسة التي يمكن القول عنها -حتى الآن على الأقل- إنها كانت فاشلة.
لقد اشترك بلير مع بوش في اهتمامه المبالغ فيه بالخطر الذي يمثله صدام حسين، وبالحاجة الماسة لمواجهة quot;الإرهاب الإسلاميquot;، لكنه كان مع ذلك راغباً في تحقيق تقدم بشأن موضوع الصراع العربي- الإسرائيلي، من خلال وضعه على المسار السريع. وكان بلير يأمل في أن يتمكن من استخدام نفوذه للتأثير على جورج بوش ودفعه نحو بذل جهد أكبر فيما يتعلق بعملية السلام، لأنه كان يعرف أنه بدون اشتغال أميركي فعال على هذا الموضوع فإنه لن يتم تحقيق أي تقدم بشأنه. والرجل، فوق كل شيء، كان على أقل تقدير متحدثاً أكثر فصاحة -ربما من بوش ذاته- في معرض دفاعه عن سياسة أميركا في العراق، فضلاً عن أن شعبيته في استفتاءات الرأي العام في أميركا ذاتها فاقت شعبية الرئيس بوش، وهو وضع استمر لسنوات طويلة وما زال مستمراً حتى اليوم.
وعلى الرغم من ذلك، فإن بلير لم يرغب في أي وقت في إقناع بوش بالحاجة إلى إيجاد صلة بين موضوع العراق وبين حل الصراع العربي- الإسرائيلي. كذلك، كان بمقدور بلير خصوصاً في الأسابيع التي سبقت اندلاع الحرب في مارس 2003، أن يطلب من بوش عدم خوض تلك الحرب إلا بعد استصدار قرار ثانٍ، محكم الصياغة، من مجلس الأمن الدولي يفوضه فيه باستخدام القوة ضد العراق. لقد كان من غير المرجح إلى حد كبير أن يقدم بوش على خوض الحرب بمفرده دون دعم من بلير، إذ لو قال له الأخير quot;لاquot; فإنه كان من المشكوك فيه أن ينضم باقي أعضاء التحالف -أو ما كان يطلق عليه في ذلك الوقت quot;تحالف الراغبينquot;، خصوصاً أستراليا وإيطاليا وأسبانيا- إلى الولايات المتحدة في حربها الأحادية ضد العراق.
المشكلة في هذا الصدد هي أن بلير كان يؤمن -مثله في ذلك مثل بوش- بصواب الحرب ضد صدام. ومثله أيضاً كان يؤمن بأن النصر العسكري في العراق، سيزيد من سرعة إيقاع التحول الديمقراطي، وتحقيق الحرية في مختلف أنحاء المنطقة، كما سيساعد على تعزيز موقف حلف quot;الناتوquot; الذي يحارب في أفغانستان ضد تنظيم quot;القاعدةquot; وحركة quot;طالبانquot; اللذين يحاولان إعادة الأوضاع في ذلك البلد إلى ما كانت عليه قبل الغزو الأميركي. لكن إذا ما أخذنا في الاعتبار أن حرب العراق تحولت إلى حرب غير شعبية تماماً في بريطانيا، فسنرى أنه ما كان لبوش أن ينجح في إدامة الوجود العسكري البريطاني في العراق، لولا الدعم الهائل الذي تلقاه من quot;حزب المحافظينquot; الذي يمثل المعارضة في البرلمان. ففي اللحظات الحرجة في السجال الممتد والدائر حول حرب العراق، لم يكن quot;المحافظونquot; الذين خسروا في ثلاثة انتخابات على التوالي أمام quot;حزب العمالquot; راغبين في معارضة حرب العراق خوفاً من ظهور حزبهم (حزب المرأة الحديدية) بمظهر الحزب الضعيف.
إن بوش وبلير يأملان دون أدنى شك في تحسن الوضع في العراق خلال السنوات القادمة كي ينسب الفضل إليهما -حتى وإن كان ذلك متأخراً- باعتبارهما القائدين الغربيين اللذين قادا الهجمة من أجل تغيير النظام الذي كان قائماً في العراق. وإذا ما تحققت تطورات إيجابية في العراق -على الرغم من كافة الدلائل الحالية التي تفيد العكس- فإن سوء التدبير الفادح الذي حدث في الحرب لن يغيب عن أذهان المؤرخين، ولكنه على الأقل لن يكون القصة الرئيسية. لابد أن يكون ذلك هو ما يأمل فيه بلير الآن، إذا ما كان يريد حقاً أن يغادر منصبه تاركاً وراءه إرثاً لا يرتبط ارتباطاً لا فكاك منه بكارثة يطلق عليها quot;غزو العراقquot;.
