ثوماس ل. فريدمان - هيرالد تريبيون
يعتبر لوسيان بروينكي واحداً من أوائل الخبراء الإسرائيليين في الطاقة الجيوحرارية، لكنني عندما التقيت به قبل حوالي أسبوعين في جامعة بن غوريون في صحراء النقب، فإن كل ما أراد التحدث عنه كان آبار النفط. ذلك أن إسرائيل، كما قال لي، قد اكتشفت النفط. وعلق بروينكي بينما يشير إلى غرفة مليئة بكبار طلبة كلية التكنولوجيا الفائقة الإسرائيليين: quot;هؤلاء هم آبارنا النفطيةquot;.
كان مشهداً أخاذاً. ففي كل سنة، يقدم طلبة جامعة بن غوريون في كليات هندسة الطب البيولوجي وبرمجة الكمبيوتر والهندسة الكهربائية والحوسبة عروضاً مسهبة لمشروعات تخرجهم أو -كما في حالة إنسان آلي كان يتقدم نحوي من صنع أحد الطلبة- يعرضون أجهزة اخترعوها.
بهذه المناسبة، جلب يوسي فاردي عراب مشروع الرأسمالية الإسرائيلية المغامرة -منذ دعمه الشباب الإسرائيليين الأربعة الذين اخترعوا أول نظام واسع للرسائل الفورية على شبكة (ميرابيليس) الذي بيع لشركة AOL بمبلغ 400 مليون دولار في عام 1998- أحضر بعضا من رفاقه في استثمار رأس المال، مثل بروينكي، إلى بن غوريون لاستكشاف البدايات المنطوية على إمكانيات ولإسداء النصح للخريجين.
كان أول معرض زرته لطالب يدعى يوثال شاروني (26 سنة) وهو طالب متقدم في الهندسة الكهربائية. وكان مشروعه بعنوان quot;مصفوفة التباين المشارك الخلاق في تعقب نقطة الهدف في الصور فائقة الطيفquot; (التي لها علاقة بالأهداف في العلم العسكري). وعندما قلت له إنني من صحيفة النيويورك تايمز قال quot;إن هذا المشروع سيحتل مكانا في الصفحة الاولى.. أقول لكquot;. وربما يحتل غلاف مجلة الميكانيكا العامة، لكنه ربما يلعب في يوم من الأيام دورا في سوق quot;ناسداكquot; حيث تمتلك اسرائيل الآن أكبر عدد من الشركات المدرجة في السوق لأي دولة خارج الولايات المتحدة.
وقال فاردي الذي يستثمر حاليا في 38 شركة مختلفة: quot;اليوم، تريد كل أم إسرائيلية يهودية لابنها ان يترك الدراسة ويذهب للانطلاق في عمل تجاري ماquot;.
ويصل بنا هذا إلى النقطة المركزية في هذا المقال: إنك إذا ما أردت معرفة السبب وراء بلوغ سوق الأسهم ومبيعات السيارات الإسرائيلية أرقاما عالية قياسية -بينما الحكومة الإسرائيلية مصابة بالشلل بسبب الفضائح وحربها مع حماس وليس فيها حتى وزير للمالية- فإن هذا يعود إلى هذا النظام الاقتصادي للمجددين الشباب وأصحاب رساميل استثمار المشروعات. وففي السنة الماضية، ضخت شركات فاردي حوالي 1,4 بليون دولار في إطلاق أعمال تجارية إسرائيلية، وهو ما يضع إسرائيل على سوية مع كل من الهند والصين.
تشكل إسرائيل quot;عرضاً من طراز أquot; لظاهرة اقتصادية أراها كثيرا في هذه الأيام. ومع أن المنافسة بين البلدان وفيما بين الشركات ما تزال تلعب دورا بطبيعة الحال، إلا أن العالم عندما يصبح بهذا الانفتاح -بوجود العديد جدا من آليات التجديد والاتصال المنتشرة، والتي تمكن الأفراد حيثما كانوا من التنافس والاتصال والتعاون- فان أهم تنافس هو ذلك الذي يكون بينك وبين خيالك الخاص، لانه بات يمكن للأفراد الحيويين والمجددين والمتواصلين الآن أن ينشطوا من خلال مخيلاتهم للوصول إلى ما هو أبعد، وبشكل أسرع وأعمق وأقل كلفة مما كان عليه الحال من قبل. ومن شأن تلك البلدان والشركات التي يتمكن أفرادها من تشغيل المخيلة والعمل بسرعة استنادا إلى تصوراتهم أن تنتعش.
وعليه، وبينما تتوفر أسباب للتشاؤم فيما يتعلق بإسرائيل في هذه الايام، فإن هناك سبباً كبيراً يتوفر للشعور بالتفاؤل: إذ يمتلك هذا البلد ثقافة تغذي وتكافئ الخيال الفردي- وهي ثقافة لا توقفها حدود أو سلطة أو خوف من الفشل. وهي ملازم يتسم بالكمال موائم لهذه الحقبة من العولمة.
يقول نيمرود كوزلوفسكي، وهو خبير إسرائيلي رفيع يعمل في حقل قانون الانترنت كما وفي المشروعات التجارية المستدامة: quot;إننا اليوم لا نستثمر في منتجات أو خطط أعمال تجارية، وإنما نستثمر في الناس الذين لديهم القدرة على التخيل وعلى أن يجدوا الصلة بين النقاطquot;. ثم أوضح فكرته بقوله إن إسرائيل ليست جيدة في بناء الشركات الكبيرة، لكنها جيدة في إنتاج الناس الذين يقولون: quot;ألن يكون الأمر عظيما لو استطعت أن تفعل كذا؟quot; ثم تقوم بخلق نقطة بداية لتمكينه من فعله، ويكون هذا الشيء هو الذي تراه لاحقاً وقد اشترته وطورته شركات مثل quot;إنتيلquot; وquot;ميكروسوفتquot; وquot;غوغلquot;.
يضيف كوزلوفسكي: quot;إن الشعار هنا ليس: اعمل بجد، ولكنه: احلم بجد. لقد حضر إلي شاب في أحد الأيام وقال لي: أتعرف غوغل؟ إنهم يحققون الكثير من المال وهم مشهورون جداً، أليس كذلك؟ حسناً، إنهم ليسوا بتلك الجودة، إذ إن لدينا نظاما أفضل بكثير، والذي يلائم أفضل العملية المعرفية الخاصة بالبحث الألكتروني. البحث المعرفي. هل تساوي قيمة نظام غوغل 50 بليون دولار؟ ربما يمكن لنا أن نناظر أرقامهم. وقد كان ذلك الشخص جادا جدا فيما قالهquot;.
توقعاتي هي أن العالم كلما أصبح أكثر انبساطا وانفتاحاً، اتسعت الفجوة الاقتصادية التي سنشهدها بين تلك البلدان التي تشجع مخيلات الأفراد وتلك التي لا تشجعها. وربما يمكن لأسعار النفط المرتفعة أن تخفي تلك الفجوة مؤقتاً، لكنها آخذة في التنامي.
إن على رئيس إيران الجاهل الذي يواصل الهذيان عن كيفية إزالة إسرائيل من الوجود أن يقوم بزيارة إلى جامعة بن غوريون، وأن يشاهد هذه القاعات التي تعج بالطلبة المجددين ومشروعاتهم التي تحمل عناوين من قبيل quot;نقاط التكامل للأنظمة الفرعية متعددة الوسائط IPquot; وquot;الحسابات اللوغارتمية لتعقب العوائق وتفاديهاquot;. إن هذه هي آبار النفط التي لا يمكن أن تجف ولا أن تنضب.
