إريك لوران


نحن على موعد هنا مع محاولة لا ينقصها الطموح ولا الجرأة للاقتراب من الواقع النفطي كما تعيشه الصين، والذي يفسر الكثير من تحركاتها وقراراتها على أكثر من صعيد، حيث تستهلك الصين الآن 7 ملايين برميل من النفط يومياً، أي عشرة أضعاف استهلاكها قبل عقد من الزمان.

وستجد نفسها قريباً مضطرة إلى استيراد 60% من احتياجاتها النفطية، ومن هنا يبرز السيناريو الذي يتصوره البعض والذي يتضمن مواجهة بين واشنطن وبكين حول موارد الطاقة، خاصة وأن هذا البعض يفسر حرب المحيط الهادئ على أنها كانت في أحد أبعادها صراعاً بين واشنطن وطوكيو على النفط بصورة رئيسية.

فتحت العولمة فضاءات جديدة. والواقع يميل إلى إثبات ذلك. فالإنتاج الصناعي الصيني سيجتاز في أفق عام 2010 جميع منافسيه باستثناء الولايات المتحدة الأميركية. هكذا ستصبح الصين مع إنتاج صناعي بقيمة 1000 مليار دولار مقابل 500 مليار دولار اليوم في مرتبة ألمانيا نفسها.

وتفيد الأرقام المقدّمة أن laquo;الصين تنتج اعتبارا من الآن 60 بالمئة من الألعاب في العالم و50 بالمئة من آلات التصوير و50 بالمئة من المكيّفات و42 بالمئة من الدراجات النارية و40 بالمئة من أجهزة التلفزيون. إن أحد مفاتيح هذا النجاح يكمن في الأجور والمرتبات، فكلفة العامل الصيني في المتوسط هي 0,7 دولار مقابل 4 دولارات في بولندا و18 دولاراً في فرنسا و21 دولاراً في الولايات المتحدةraquo;.

وينقل المؤلف عن كتاب laquo;عندما تغيّر الصين العالمraquo; الصادر عام 2005 ما يلي: laquo;إذا كان القرن التاسع عشر هو قرن الإذلال بالنسبة للصين فإن القرن العشرين كان قرن الترميم أما القرن الواحد والعشرون فإنه قرن السيطرةraquo;. وإذا كان مؤلف هذا الكتاب يقبل إمكانية تحقق هذا الاحتمال فإنه يرى أنه:laquo;من بين الأمور المؤكدة، الشك هو الأكثر تأكيداraquo;.

ثم إنه ليس هناك ما يمكن أن يضمن مصير المسارات الاقتصادية. هنا أيضا ينقل المؤلف عن المفكر أرثر كوستلر أنه قال له، عندما التقى به في شقته اللندنية قبل عدة أشهر من انتحاره، ما يلي: laquo;إن العلم، مثل الاقتصاد، يتقدمان مثل من يمشي وهو نائم، عبر التلمس والتعرّج. وللصدفة وما هو غير متوقع نصيب كبير، كما أن عمليات التقدم التي يتم تحقيقها يعقبها غالبا أشكال باهرة هي الأخرى من التقهقرraquo;.

للميدالية وجهها الآخر

يقدم التلفزيون الصيني الرسمي عبر 50 قناة برامج عديدة تتناوب خلالها البرامج التربوية مع برامج المنوعات الترفيهية. قدم في الاشتراكية وآخر في الرأسمالية بلا حدود. إحدى القنوات تقدم صور الرئيس ومقابلاته وزياراته للمصانع والمؤسسات.

وقناة أخرى مكرّسة للأغاني الوطنية حيث يشاهد المتفرّج حشدا من عمّال المناجم بزيّهم الموحّد. المناسبة هي تكريم هؤلاء العمّال وغيرهم من عمال الصناعات النفطية. وتجدر الإشارة إلى أن الفحم لا يزال يمثل 68 بالمئة من مصادر الطاقة المستهلكة في البلاد. لكن الطلب على النفط سجل ارتفاعا هائلا.

ويشير المؤلف إلى أن جميع المسؤولين الصينيين الذين قابلهم ألحّوا على تباين في التعبير له أهمية كبرى بنظرهم ويتمثّل في قولهم: laquo;الصين ليست المستورد الثاني في العالم للنفط، وإنما هي المستهلك الثانيraquo;، بعد الولايات المتحدة. هذه الملاحظة صحيحة جزئيا، ذلك أن الصين أصبحت تحتل المرتبة الثانية بين البلدان المستوردة في العالم للنفط الخام بعد أن كانت حتى عام 1993 بلدا مصدّرا لهذه المادة.

وينقل المؤلف عن فانج فاي، الذي يصفه أنه الخبير الرئيسي في الطاقة بالصين، قوله له عندما التقى به: laquo;إن أسباب التزايد الكبير في استهلاك النفط تعود جزئيا إلى شح الكهرباء. إن المناطق الساحلية (حيث يتركز 60 بالمئة من الإنتاج الصيني و75 بالمئة من الاستثمارات الأجنبية الخاصة) قامت، أمام صعوبات التزود بالكهرباء، بإنشاء مجموعات صغيرة لتوليد الكهرباء تستهلك كميات كبيرة من المحروقات. لقد تجاوزنا اليابان كمستهلكين للبترول ونحن نقترب من الولايات المتحدة. وتمثل بلادنا اليوم 7 بالمئة من الاستهلاك العالميraquo;.

وعن النمو الاقتصادي الذي يصل إلى حوالي 10 بالمئة سنويا منذ أكثر من عقد من الزمن قال الخبير الصيني: raquo; لا شك أن نموّنا الاقتصادي السريع كان له أثره على أسعار النفط. إن الإنتاج النفطي للصين وصل في أعلى مستوى له من احتياجاتنا من الخارج.

هذا المستوى من التبعية للخارج يعادل مستوى الولايات المتحدة. لكننا نواجه مشكلة أخرى تزيد هشاشتنا، وهي أننا لا نملك مخزونات إستراتيجية مثل بلدان الوكالة الدولية للطاقة التي تطالب البلدان الأعضاء فيها بمخزون يكفي 70 يوماً على الأقل. إن الصين لا تنتمي إلى هذه الوكالة وتنفيذ مثل ذلك الإجراء سيتطلب وقتا طويلاraquo;.

وحول مصادر قلق الصين، ينقل المؤلف عن فانج فاي قوله: laquo;علينا أيضا أن ننوع من مصادر وارداتنا، ذلك أننا نعاني اليوم من تبعية كبيرة حيال منطقة الشرق الأوسط. ويمكن لاستئناف العلاقات مع روسيا أن يقدّم بديلا، وكذلك أيضا بالنسبة لنفط منطقة بحر قزوين. وينبغي علينا أيضا أن ننوّع من أشكال تعاوننا عبر الاستثمار مباشرة في الحقول النفطية. باختصار سيكون على الصين مواجهة تحديات كثيرة.

الطاقة أولوية مطلقة

تدل التقديرات الرسمية الصينية على أن الصينيين يشترون كل عام 5 ملايين سيارة فقط. والعاصمة بكين هي على غرار البلاد كلها ذات شهية كبيرة للطاقة. إنها كانت حتى مطلع سنوات الثمانينات مدينة الدرّاجات بامتياز، ولم يكن في المدينة سوى شارعين كبيرين على محيطها، فأصبحت هناك أربعة شوارع محيطية في أواسط عقد التسعينات. أما اليوم فيحيط بالمدينة ذات ال15 مليون نسمة 6 شوارع، ويحتاج اجتيازها من طرف لآخر إلى أكثر من خمس ساعات.

يريد الصينيون أن يجعلوا من عاصمتهم واجهة لبلادهم ويخفون كل نقاط ضعفها مع اقتراب الألعاب الأولمبية التي ستدور فيها خلال عام 2008. وتستفيد النهضة العمرانية من واقع أن متوسط أجرة العامل شهريا هي بين 150 و200 دولار في laquo;ورشة العالم الكبرىraquo;.

مع إشارة المؤلف إلى أنه في بكين، كما في بقية المدن الصينية، هناك 50 بالمئة من السكان لا تشملهم الرعاية الصحية. وأن السلطات الصينية تقوم بطرد الكثير من الفلاحين خارج أراضيهم كي تبني عليها مصانع جديدة. لكن المراقبين الأجانب ينسون كما يبدو أن الصين لا تزال بلادا زراعية وأن هناك 900 مليون من أصل ال1, 3 مليار صيني لا يزالون من الفلاحين.

وحرمان هؤلاء من أراضيهم يعني حرمانهم من عملهم ومصادر رزقهم وتحويلهم إلى يد عاملة مطواعة ورخيصة. هكذا يوجد أكثر من 300 مليون صيني يتنقلون في البلاد بحثا عن فرص عمل لبضع ساعات أو ليوم واحد، مما يدفع نحو تخفيض أكبر للأجور.

وهذا ما يجد به مؤلف الكتاب محافظة القادة الصينيين على فلسفة ماو تسي تونج القائلة بضرورة تحقيق laquo;قفزة كبيرة إلى الأمام مهما كان الثمن الإنساني لذلكraquo;. إنها مفارقة كبرى بين السياسة والاقتصاد. ذلك أن البلاد التي تحقق أكبر نمو اقتصادي في العالم والتي تطبّق القواعد الأكثر ابتعادا عن البعد الاجتماعي للرأسمالية هي ذات نظام شيوعي.

إن الصين، ثاني مستهلك للبترول في العالم، تساهم في تسارع خطورة الوضع العالمي، ذلك أن هناك كميات أقل فأقل توفر من البترول، بينما يتزايد الطلب عليه أكثر فأكثر. إنها معادلة مستعصية على الحل. هنا يفتح المؤلف قوسين ليشير إلى أنه في نهاية التحقيقات التي قام بها حول الصين طرح على نفسه السؤال التالي: laquo;ألم يصل الازدهار الصيني متأخرا جداraquo;؟ ذلك أن الطريق لا يزال طويلا جدا ومحفوفا بالمخاطر. والوقت محسوب بل وربما أن العد التنازلي قد بدأ وأن نقص موارد الطاقة قد أصبح سلاحا حاسما سيؤدي إلى انحلال الاقتصادات.

هذا ينجم عنه إمكانية أن يدخل عالمنا في مواجهات عنيفة، في حرب حقيقية من أجل موارد الطاقة على قاعدة ندرة إمكانيات التزود بها. وسؤال آخر يطرحه المؤلف: laquo;ألم يكن احتلال العراق من قبل الولايات المتحدة مقدمة لتلك الحربraquo;؟ ويجيب أنه في حال كون هذا السيناريو واقعيا، فإن المواجهة بين الولايات المتحدة والصين واقعة لا محالة.

ويتعرض المؤلف في هذا السياق إلى لقائه مع البروفسور كسياوجون ما، الذي يصفه بأنه أحد الأشخاص الذين يفكّرون ويعدّون للقادة الصينيين مبدأ الأمن القومي وتموين البلاد بالطاقة، وإنه خبير في الظل مكلّف بالملفات الدبلوماسية والإستراتيجية الأكثر حساسية بالنسبة للنظام الصيني، مثل قضية تايوان والعلاقة مع أوروبا ومع الولايات المتحدة، وخاصة ملف أمن الطاقة الذي أصبح الأولوية الرئيسية للبلاد.

روى البروفسور الصيني لمؤلف هذا الكتاب بعض ما جرى أثناء مساهمته القريبة في ندوة حول الطاقة نظّمها مركز laquo;أميركان انتربرايز انستيتوتraquo; الذي يعمل بعض أعضائه في الإدارة الأميركية الحالية. أما أعمدة هذا المركز الأساسيون فهم ديك شيني، وزوجته، وريتشارد بيرل، أحد أبرز المحافظين الأميركيين الجدد.

وكان من بين المشاركين أيضا سبنسر ابراهام وزير الطاقة الأميركي الأسبق وlaquo;نيوت جينجريتشraquo;، الرئيس السابق للأغلبية الجمهورية في الكونغرس. هذا الأخير وصفه البروفيسور الصيني laquo;بأنه رجل laquo;عجيب ومعادٍ تماما للصينraquo;. ثم أضاف: laquo;لقد وجّهنا له دعوات عديدة للمجيء إلى الصين، وكانت إجابته دائما هي أنه لن يضع قدمه أبدا في بلادنا طالما أنها محكومة بنظام شيوعيraquo;.

وكان مما جاء في مساهمة البروفسور الصيني قوله: laquo;البترول هو مادة استراتيجية هامة. ثم إن وظيفة البترول وسعره لم يكونا خاضعين تاريخيا للقواعد الاقتصادية فحسب وإنما أيضا لمجموعة من العوامل السياسية. يمكن للبلدان المنتجة أن تستخدم البترول كسلاح في العلاقات الدولية. هذا ما فعلته منظمة الاوبيك أثناء الحرب الإسرائيلية-العربية. أما اليوم فقد جعلت العولمة من الصعب أكثر التنبؤ بالطريقة التي سوف تؤثر من خلالها الخيارات السياسية على مسائل التزود بالنفطraquo;.

وأضاف: laquo;لقد عززت الولايات المتحدة، منذ الحرب في العراق، من سيطرتها على الشرق الأوسط وأصبحت تمارس منذئذ ضغوطا على إيران، أحد البلدان المنتجة الرئيسية، مما خلف شكوكا متزايدة بالنسبة لتزود آسيا بالنفط. ويمكن للإرهاب وللقرصنة، خاصة في مضيق ملقا، أن يؤديا إلى تشويش عمليات تزويدنا بالطاقة، ذلك أن قسما كبيرا من البترول الموجّه إلى الأمم الآسيوية سيتم نقله عبر البحرraquo;.

وأضاف: laquo;لم تتخذ أمم شرق آسيا موقفا حازما حول مسائل الطاقة، ونقص التعاون بينهما يُضعف من قدرة المنطقة على ممارسة تأثير فيما يخص أسعار البترول. إن اليابان تتحمل مسؤولية كبيرة في هذا الوضع. فهذه البلاد، وعلى عكس ألمانيا، لم تعبّر أبدا عن أسفها حيال الحرب العالمية الثانية، بل إنها على العكس قامت بتمجيد جرائم حربها في كتب التاريخ، مما أثار غضب بلدان آسيوية أخرى. إن العلاقات الصينية-اليابانية هي علاقات باردة حاليا سياسيا وحارّة اقتصادياraquo;.

وتابع: laquo;الخلافات الحدودية تشكل عاملا يزيد من خطورة الوضع ونقص الثقة يجعل من الصعب أكثر الخيارات حول مسائل الطاقة. وأضيف أن غطرسة اليابان هي أكثر وضوحا فيما يخص ردود أفعالها أمام تطور الصين. فمنذ سنوات الثمانينات يراوح الاقتصاد الياباني في مكانه، بينما يحافظ الاقتصاد الصيني على مستوى نمو مرتفع. ودفعت طوكيو ثمنا غاليا من أجل إقناع روسيا بالتخلّي عن بناء خط أنابيب باتجاه الصين. وإذا كانت الصين مرغمة على التزود أكثر فأكثر من الشرق الأوسط، فإن هذا يمكن أن يعيق تطورها الاقتصاديraquo;.

ولم يتردد البروفيسور الصيني في التأكيد على مسؤولية الولايات المتحدة في زيادة خطورة الأوضاع القائمة عبر laquo;تعزيز سيطرتها على جميع مصادر التزود بالطاقة في العالمraquo;. وهكذا قامت واشنطن، برأيه، بlaquo;الحرب في العراق وواجهت موسكو حول حقول منطقة بحر قزوينraquo;. ثمّ أشار إلى أن اليابان حافظت على علاقات جيدة مع بلدان الشرق الأوسط المنتجة للنفط. هذا فضلا عن أنها عضو في الوكالة الدولية للطاقة مما يضمن لها مصادر تزود إضافية.

وقد أعرب البروفيسور الصيني أمام مؤلف هذا الكتاب عن دهشته من إجابة الأميركي نيوت جنجريشت عن مساهمته، إذ نقل النقاش مباشرة إلى أرضية التهديد العسكري الصيني، مصرّحا بأنه: laquo;إذا كانت أسعار البترول قد ارتفعت وحافظت على مستوى عال فهذا يعود إلى غياب أي اتفاق دولي عام من أجل تقدير السعر الذي تستحقه هذه المادة. إذ ليس هناك سعر طبيعي بالنسبة للبترول، كما هو الأمر بالنسبة للقهوة. ومستوى سعره يعكس قيمته كما حددها المستهلكونraquo;.

ثم أضاف: laquo;من المستحيل قراءة ترجمة الشرح الذي قدمته السلطة الإمبراطورية اليابانية عام 1941 من دون فهم أن اليابان قد أحسّت أن بقاءها نفسه في مهب الرياح عندما قررت الولايات المتحدة فرض حظر على مبيعات النفط. لقد ردّت بشن الحرب في منطقة المحيط الهادئ. إنني لا أدافع عن اليابانيين لكنني أفهم واقع رؤيتهم للنفط كطاقة تتعلق بها حياتهم وموتهمraquo;.

اعتبر البروفسور الصيني أن ما قاله المسؤول الأميركي يكشف بوضوح عن الحالة الذهنية الراهنة لدى المسؤولين في بلاده عندما تحدث عن الخطر الذي قد يمثله تعزيز بحرية عسكرية صينية قادرة على حماية النفط الآتي من منطقة الخليج. ورأى في مثل تلك البحرية laquo;تهديدا بالنسبة للولايات المتحدة على أساس تحليل الإمكانيات وليس النواياraquo;.

ثم نقل عنه البروفيسور الصيني عنه قوله: laquo;لا أريد الإيحاء أننا ننوي التدخل في الشؤون الداخلية للصين. لكن لدي شيئاً أريد قوله فيما يخص تايوان. إن قيام الصين بمبادرة ترمي إلى إخضاع 24 مليون إنسان حر بواسطة القوة العسكرية سيتم تفسيرها باعتبارها بالتأكيد عملا معادلا لإعادة عسكرة رينانيا بنظر هتلر أو احتلال بلجيكا عام 1914 (أي ما سبب حربين عالميتين). الملاحظة التي قد نستخرجها من ذلك هي أن صينا عدائية تريد أن تسيطر بالقوة على 24 مليوناً من البشر هي صين من الأفضل كبحها الآن وليس فيما بعدraquo;.

نمر من ورق

بدت الصين عام 1973 وكأنها تخرج من حالة غيبوبة طويلة لتظهر بlaquo;حياءraquo; على المسرح الدولي. كان كيسنجر ونيكسون قد بدآ التفاوض مع ماو تسي تونج من أجل إعادة العلاقات الدبلوماسية. لكن الحالة الاقتصادية للبلاد وانحرافات الثورة الثقافية جعلت من الصين منطقة شاسعة من البؤس والتخلف.

كانت حرب فيتنام آنذاك على أشدها، ولم يتردد ماو تسي تونج عندها من وصف الولايات المتحدة أنها laquo;نمر من ورقraquo;. وهذا ما يعلق عليه مؤلف الكتاب بالقول: laquo;هذا هو بالتحديد التعبير الذي يمكن تطبيقه اليوم على الصينraquo;.

إن الصين تستهلك حاليا 7 ملايين برميل من البترول يوميا، أي عشرة أضعاف ما كانت تستهلكه قبل عشر سنوات، وسوف تضطر بعد فترة وجيزة إلى استيراد 60 بالمئة من احتياجاتها. إن السفن التي تنقل البترول إليها مرورا بمضيق هرمز حتى شنغهاي تقطع 000 12 كيلومتر، ويمكن للبحرية الأميركية الموجودة على طول خطوط عبورها أن تقطعها في أية لحظة في حالة نشوب أزمة حول تايوان. وإذا حصل ذلك فإن نمو البلاد كله يمكن أن ينهار مثل قصر من ورق.

إن الصين تبحث عن نقاط ارتكاز وتتفاوض مع باكستان حول بناء مرفأ في المياه العميقة، كما تتفاوض مع بريطانيا من أجل مد خطوط لنقل النفط ومنح تسهيلات بحرية. ويشير المؤلف إلى وجود توترات متعاظمة بين الولايات المتحدة والصين. وينقل عن جنرال صيني تأكيده أنه laquo;إذا أرسلت الولايات المتحدة صواريخ نووية على الصين في حالة قيام مواجهة بخصوص تايوان، فإن بكين سوف ترد بضرب الشاطئ الغربي للولايات المتحدة بأسلحة ذريّةraquo;.

لكن القادة الصينيين القائمين على رأس السلطة يميلون إلى استخدام خطاب آخر ويرفضون المقارنة بين بلادهم وبين اليابان في سنوات الثلاثينات حيث ساهمت مسألة التزود بالنفط في انفجار الحرب العالمية الثانية في المحيط الهادئ. ويؤكد الصينيون أن اليابان كانت ذات نزعة حربية وتوسعية وأنهم هم أنفسهم قد دفعوا ثمن ذلك عبر غزو منشوريا. أما الصين فهي لا تريد سوى أن تطوّر نفسها وأن تجد الطاقة التي تحتاجها.

الدبلوماسية النفطية الصينية

ينقل مؤلف هذا الكتاب عن أحد الصحافيين الصينيين، والذي كان قد ألحّ عليه عدم ذكر اسمه بأي شكل كان، قوله له: laquo;إن السلطة تزيد من رقابتها على الإعلام، وقد أخرست جميع الأصوات النقدية. والرئيس الصيني وفريقه يجسّدون نوعا من الدكتاتورية التكنوقراطية على الطبقة العاملة.

والأخبار التي تصلنا من المحافظات سيئة. إن حالة الاستياء تتعاظم، والنمو الاقتصادي وتوزيعه موزعان بشكل مختلّ إلى حد كبير بين المناطق الشاطئية وبقية مناطق البلاد. ثم هناك مشكلة الطاقة والانقطاع المتكرر للتيار الكهربائي في المدن، كما في الأريافraquo;.

إن الصين موجودة في جميع الأمكنة التي تشهد معركة حول الطاقة. إنها تقوم بمفاوضات مع فنزويلا من أجل شراء 000 300 برميل في اليوم، وتربطها علاقات مع انغولا ومع السودان. وفي نهاية عام 2004 اتجه رئيس ومدير عام إحدى أكبر الشركات النفطية الخاضعة لسيطرة الدولة إلى لوس انجلوس كي يعرض على رئيس شركة laquo;يونوكالraquo; شراءها.

وكانت الصين تريد أن تدفع 13 مليار دولار كي تسيطر على المجموعة النفطية الأميركية التي تحتل المرتبة التاسعة في سلّم الأهمية بين الشركات الأميركية في هذا الميدان، وذلك في نهاية عقد التسعينات الماضي. كما أنها فاوضت نظام طالبان في أفغانستان من أجل بناء خط أنابيب لنقل النفط عبر الأراضي الأفغانية.

ثار الكونغرس الأميركي وأعرب عن قلقه الكبير حيال العرض الخاص بشراء شركة laquo;يونوكالraquo; من قبل بلاد يتم النظر إليها أنها معادية ضمنا. وشنّت الإدارة الأميركية، مثل الكونغرس، حملة انتقادات شديدة ضد laquo;الدبلوماسية النفطية laquo;الصينية والتي تقوم على أساس استخدام مبيعات الأسلحة من أجل شراء منشآت نفطية.

قامت شركة شيفرون، أي ثاني مجموعة بترولية أميركية بهجوم مضاد في مواجهة العرض الصيني، وكانت الإدارة الأميركية وراء تلك العملية. فما كان من الشركة الصينية إلا أن رفعت قيمة عرضها كي تصل إلى 18, 5 مليار دولار يتم دفعها نقدا، ومما يشكل سابقة لا مثيل لها في تاريخ شراء الشركات، لكن دون الوصول إلى نتيجة.

فالطبقة السياسية الأميركية أصرّت على الرفض، علما أن شركة laquo;اونوكالraquo; لا تمثل سوى نسبة 1 بالمئة من الاستهلاك الأميركي. لقد تمّ النظر إلى عملية الشراء تلك على أنها تشكل laquo;تهديدا لأمن الولايات المتحدةraquo;. بدا من الواضح أن المشكلة الحقيقية بالنسبة للصين ليست في ارتفاع أسعار النفط وإنما هي في ضمان التزود به. وقد بدأت الصين في الآونة الأخيرة بالاهتمام أكثر فأكثر بالمنطقة التي تشكل من جهة الغرب عمقها الاستراتيجي وامتدادها الطبيعي، أي آسيا الوسطى.

إن شركة طيران اوزبكستان تشكل الرابطة الوحيدة، ولمرتين أسبوعيا، بين بكين وطشقند، أي بين laquo;إمبراطورية الوسطraquo; وlaquo;وسط الإمبراطوريةraquo;. وتفصل بين البلدين صحراء جوبي الشاسعة والمقفرة. هذا المشهد يبيّن أن الصين ليست مكتظّة بالسكان وإنما هم يتوزعون فيها بشكل سيء. إذ أن أكثر من 80 بالمئة من مجموع ال1 ,3 مليار نسمة الذين يقطنون البلاد يتركّز وجودهم على ثلث أرضها. وتبدو الصين مثل عملاق ذي ساقين طويلتين ونحيفتين، لكنه يتمتع بإرادة مدهشة.

وفي المحصلة، رغم تأكيد الإحصائيات على ازدهار الصين وبأنها أصبحت ثاني مستهلك في العالم للطاقة كما أن دخولها إلى الحلبة العالمية، إلى جانب دخول الهند، غيّر من جميع المعطيات. وللمقارنة فقط كانت بلدان الاوبيك تنتج يوميا عام 2000 كمية تصل إلى 22 مليون برميل ووصل إنتاجها عام 2006 إلى 29 مليوناً.وما بين الطلب المتزايد على البترول وأفق تراجع حجم إنتاجه، يبدو التوتر أمرا محتوما، والمستقبل مفتوح لكل الاحتمالات.

عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف