زاخي شلوم
انقضت المواجهة في لبنان، باتفاق الدوحة الذي معناه العملي تقوية حزب الله. هذا الاتفاق يقرب إمكان سيطرة حزب الله على لبنان كله او على اجزاء كبيرة داخله، وهو شيء يشتمل على اخطار شديدة على دولة اسرائيل. منظمة حزب الله معروفة بتوجهها المعادي المتطرف لدولة اسرائيل. وفي واقع الامر انه نقش في رايته محاربتها كغاية عليا. لسنين طويلة فرض على اسرائيل حربا سببت لاسرائيل خسائر شديدة. وحزب الله ايضا مسؤول عن سلسلة من العمليات الشديدة المضادة لاسرائيل داخلها وخارجها. فمن جملة ذلك انه نفذ عمليتين شديدتين في الارجنتين.
اثناء نشاط حزب الله أضر ايضا بقوات أمريكية وفرنسية كانت في لبنان وفرض عليها في واقع الامر الانسحاب من هناك سريعا. ففي نيسان (ابريل) 1983 انفجرت شحنة بالغة القوة بسفارة الولايات المتحدة في بيروت. قتل ثلاثة وستون من عاملي السفارة. وفي الثالث والعشرين من تشرين الاول (اكتوبر) 1983 نفذت المنظمة عمليتين انتحاريتين في معسكر رجال البحرية الامريكيين وفي معسكر مظليين فرنسيين كانوا جزءا من قوة مراقبين دولية في لبنان. في هاتين العمليتين قتل 240 جنديا امريكيا و 58 جنديا فرنسيا. في أعقاب العمليات قررت القوتان الكبيرتان اخراج قواتهما من لبنان.
ان قرار اسرائيل الانسحاب من جنوب لبنان في ايار (مايو) 2000 ينسب بقدر كبير من الصدق الى الحرب الشديدة التي فرضها حزب الله عليها لسنين طويلة. سببت هذه الحرب لاسرائيل خسائر باهظة وهي التي افضت آخر الامر الى تعاظم الاحتجاج العام على الوجود الاسرائيلي في جنوب لبنان. يرى كثيرون أن هذا الانسحاب رسخ اعتقاد الفلسطينيين بان الضغط الثقيل على اسرائيل بعمليات ارهابية سيجعلها تنسحب انسحابات اخرى وكان عاملا ذا شأن في نشوب الانتفاضة في اواخر سنة 2000.
في الثاني عشر من تموز (يوليو) 2006 بادر حزب الله الى عملية محدودة كانت ترمي الى اختطاف جنود من الجيش الاسرائيلي. اتسعت العملية اتساعا فاق ما خطط له. وفضلا عن الجنديين اللذين اختطفا قتل ثمانية من جنود الجيش الاسرائيلي. في رد على ذلك خرج الجيش الإسرائيلي في عملية واسعة النطاق في لبنان عامة ومضادة لأهداف حزب الله خاصة، حصلت على طابع حرب عامة حرب لبنان الثانية. منذ الحرب نجح حزب الله في اعادة بناء قوته بقدر كبير. على حسب تقارير مختلفة يملك اليوم عشرات الالاف من الصواريخ، جزء منها بعيد المدى، وهو قادر على ان يصيب العمق الاسرائيلي اصابة شديدة. الاخطار التي تصحب سيطرته على لبنان ظاهرة للعيان إذن. واقل من ذلك ظهورا الجوانب الايجابية التي قد تنبع من هذا المسار.
ان مسار تقوية حزب الله وإمكان سيطرته على لبنان يكمن فيهما لا خطر على اسرائيل فقط، بل مزايا معينة ايضا. فعلى مدى سنين طويلة واجهت إسرائيل معضلة شديدة في محاربتها لبنان. لقد احتملت خسائر شديدة من قبل حزب الله الموجود في لبنان. أيدت اسرائيل على نحو مبدئي المبدأ الذي صحبها منذ اقامتها والذي يقول ان الدولة التي يخرج منها مخربون للمس باسرائيل مسؤولة عن نشاطهم. لا يجب على اسرائيل بحسب هذا التصور ان تطارد أي منظمة مخربين تعمل في مواجهتها من داخل دولة ذات سيادة. هذا هو دور الدولة ذات السيادة التي تعمل داخلها منظمة المخربين. اذا تمت اعمال معادية لاسرائيل، فستضطر الدولة التي تعمل منها منظمة المخربين الى دفع الثمن عن ذلك، وذلك لكي تأخذ هي نفسها بالوسائل اللازمة لوقف النشاط المعادي لاسرائيل. في واقع الامر، ولا سيما في سياق لبنان، وبقدر أقل ايضا في سياق الاردن، صعب على اسرائيل تحقيق هذا المبدأ. ففي لبنان سيطرت لسنين وما زالت تسيطر قيادة معتدلة مناصرة للغرب. هذه القيادة ترى حزب الله جهة معادية وخصما ألد. وهي مهتمة أيضا بالتضييق على خطواته. مع ذلك تخاف مواجهته وتمكنه في واقع الامر من 'توجيه الطاقات' الى اسرائيل في قصد الى 'سفك دمها'، مع تأكيد عدم قدرتها على كف جماح 'المنظمات الارهابية'. عندما ترد اسرائيل على لبنان تستغل القيادة في لبنان علاقاتها الجيدة بالدول الغربية ولا سيما بالولايات المتحدة وبالدول العربية المعتدلة لاستعمال الضغط على اسرائيل لئلا تمس بها وبمنشآتها.
تم التعبير عن هذه الظاهرة تعبيرا بارزا في الثاني عشر من تموز (يوليو) 2006. ففي مداولة في المجلس الوزاري المصغر بعد أن اتضحت النتائج الشديدة لعملية حزب الله اقترح رئيس الاركان آنذاك دان حلوتس المس بمنشآت البنى التحتية في لبنان، الكهرباء والوقود والماء. أيد عدد من الوزراء اقتراحه هذا. لكن المستوى السياسي الرفيع، ولا سيما رئيس الحكومة، ووزير الدفاع ووزيرة الخارجية رفضوا هذه الاقتراحات. وكان سبب ذلك توضيحات حازمة حصلت عليها اسرائيل في ذلك اليوم نفسه من مستويات رفيعة في الادارة الامريكية والبريطانية بان عليها أن تمتنع عن المس بأهداف في لبنان قد تفضي الى تقويض استقرار النظام المشايع للغرب برئاسة فؤاد السنيورة. وعلى هذه الخلفية زال هذا الاقتراح.
لا توجد لدينا اليوم أدوات لنقدر أكان تحقيق هذا الخيار يستطيع أن يفضي الى نتائج مختلفة اختلافا جوهريا عن تطور الحرب في واقع الامر. مع ذلك من الواضح أن فرض 'حظر' امريكي بريطاني على تحقيق هذا الخيار نبع من حقيقة أن النظام المسيطر في لبنان على نحو رسمي هو نظام مشايع للغرب تهتم الولايات المتحدة باستمرار وجوده. في هذه الظروف من الواضح ان مجرد حقيقة ان خيارا كهذا لا تملكه اسرائيل يعني مسا بحرية مناورتها.
اذا سيطر حزب الله على لبنان فسيتسع مجال مناورة اسرائيل ازاء حزب الله اتساعا ملحوظا. سيتبين لجميع الاطراف انه لن تتدخل أي جهة دولية لتحمي حزب الله من اصابات اسرائيل. لا يعني هذا بطبيعة الامر ان اسرائيل ستمس بالضرورة بمنشآت البنى التحتية في حالة تحرش من حزب الله. يجب ان نذكر أنه فضلا عن الأضرار الدولية يوجد للقيادة في اسرائيل ايضا نظام وضبط قضائي ومعياري قيمي يجعل من الصعب عليها جدا أن تنفذ اجراءات مس ببنى تحتية مدنية. يعبر عن الامر بامتناع اسرائيل عن المس بالبنى التحتية للكهرباء والوقود في القطاع الذي تسيطر عليه حماس. مع ذلك، وكما قيل آنفا، لا ريب في أن سيطرة حزب الله على لبنان ستزيد مجال مناورة اسرائيل ازاء لبنان في حالة مواجهة حربية اخرى، على الاقل من جهة النظام الدولي.
ترى دولة اسرائيل أن حزب الله هو قبل كل شيء جهة تنشئ تهديدا عسكريا لاسرائيل. لكن ينبغي أن نذكر أن حزب الله فضلا على ذلك ايضا جهة ذات قوة وأملاك اقتصادية ومالية وجهة ذات طموحات سياسية بعيدة الامد. وعلى ذلك، في كل حال لمواجهة عسكرية مع اسرائيل، عندما يكون هو ورجاله ممسكين بزمام القيادة، سيستطيع تقدير انه لا مانع من مس اسرائيل بهذه الممتلكات مسا شديدا. ان مجرد علمه بهذه الحقيقة، أي انه لن توجد في هذه المرة جهة تحاول تقييد خطوات اسرائيل عن المس بلبنان قد يفضي الى احجامه عن مواجهة اسرائيل.
فوق ذلك يمكن ان نتوقع ان تشحذ سيطرة حزب الله على لبنان وعي جهات مختلفة في النظام الدولي لـ 'الخطر الايراني'. انحصرت مخاوف النظام الدولي الى الان ازاء ايران في سياق نياتها تطوير قدرة ذرية. ان سيطرة حزب الله على لبنان ستشحذ الخطر الكامن في ايران لا في المستوى الذري فحسب بل في سياق استقرار نظم مشايعة للغرب اخرى في المنطقة وعلى رأسها السعودية، ومصر ودول الخليج. قد يكون تطور كهذا ملائما لمصالح دولة اسرائيل.
تقوية حزب الله مفيدة لمصالح اسرائيل
هذا المقال يحتوي على 1079 كلمة ويستغرق 6 دقائق للقراءة
