عصام نعمان

انهارت مالية أمريكا فانهار معها النظام المالي العالمي. ما كان هذا النظام لينهار لولا ان الولايات المتحدة هي قاعدته والترابط الاقتصادي في ظل العولمة هو سمته الغالبة.
الانهيار لم يبدأ مع أزمة الرهونات العقارية الأمريكية هذا العام. لقد بدأ ببطء بشكل إنكماش اقتصادي متنامٍ منذ عقدين وأكثر. سبب الإنكماش كان تنبأ به السياسي والإقتصادي الأمريكي الراديكالي ليندون لاروش بأنه تراجع الإقتصاد الإنتاجي أمام الاقتصاد المالي حيث أرباح حيتان المال لا يقابلها إنتاج مادي، والقروض على أنواعها لا تقابلها ضمانات وافية.
اليوم يتبارى السياسيون والإقتصاديون في توصيف الحدث الجلل. جورج بوش يسميه 'الأزمة المالية العاصفة'. نيكولا ساركوزي يسميه 'نهاية عهد اقتصاد السوق الحرة'.
الملياردير الأمريكي وارين بافيت رأى أن الأزمة ليست اقل من ' بيرل هاربر إقتصادية'. آخر وصفها بأنها '11 ايلول/سبتمبر اقتصادي'. رئيس البنك الدولي روبرت زوليك نعى مجموعة الدول السبع الصناعية الكبرى بانها ما عادت فعالة وينبغي إبدالها بمجموعة توجيه تضم قوى إقتصادية صاعدة. جوزف ستيغليتز، أستاذ الاقتصاد الأمريكي الفائز بجائزة نوبل للعام 2001 ورئيس مجموعة الخبراء الاقتصاديين في البنك الدولي خلال إعصار الانهيار المالي في دول جنوب شرق آسيا سنة 1997، انتقد بشدة مؤسسات المال الأمريكية المنهارة التي 'ألحقت دماراً شاملاً بمناطق العالم من خلال إيديولوجيا العولمة والخصخصة، وقيام وزارة الخزانة الأمريكية وصندوق النقد الدولي بحمل تلك الدول على بيع مصارفها وشركاتها الناجحة لأطراف أجنبية بأسعار بخسة'.
العالم يترنح، اذن، في فوضى اقتصادية. بل هو يتخبط، قبل ذلك، في فوضى سياسية مردها إلى تعثر مخططات إدارة بوش في العراق حيث عادت المقاومة من جهة وتنظيمات العنف الأعمى من جهة أخرى إلى ممارسة أنشطة دموية واسعة ضد الاحتلال وقوات الحكومة العراقية، وفي أفغانستان حيث ضاعفت 'طالبان' نشاطها القتالي لدرجة حملت حكومة كارزاي على مناشدتها الدخول في مفاوضـات مباشرة معها، وفي باكستان حيث اتسعت عمليات التنظيمات الإسلامية المعادية لحكومة إسلام أباد لدرجة حملتها، حسب صحيفة 'وول ستريت جورنال' الأمريكية، على عقد صفقة مع واشنطن تجيز للقوات الأمريكية إطلاق صواريخ على مخابئ المتشددين في أراضيها، وفي فلسطين حيث تعثرت 'خريطة الطريق' وباتت إمكانية التوصل إلى تسوية على أساس خيار الدولتين قبل نهاية السنة الجارية وقبل إنتهاء ولاية الرئيس محمود عباس في 8/1/2009 امراً صعباً إن لم يكن مستحيلاً، وفي الصومال حيث أخفقت القوات الأثيوبية في إخماد عمليات القوى الإسلامية المعارضة بالتوازي مع تزايد نشاط القراصنة الصوماليين على طول سواحل القرن الأفريقي.
إذ تتوسع وتتعمق الفوضى السياسية والاقتصادية على مستوى العالم، ينهض سؤال: الى أين من هنا؟
ليس القادة السياسيون الاقتصاديون اقل حيرة وتخبطاً من أهل الرأي وعامة الناس ولاسيما دافعي الضرائب منهم. الكل يتهيب ويتألم ويتحسر ويتحسب من غير ان يتمكن أي مسؤول في دولة او في منظمة دولية او في مؤسسة مالية عالمية من توفير مخرج مأمون من الأزمة المالية العاصفة والمتمادية. ثمة مواقف وآراء واقتراحات عامة، لكن ليس بينها ما يقترن بتوافق محسوس بين الدول الكبرى او في داخل المؤسسات المالية الدولية. في هذه الأثناء تتبلور تداعيات أزمة الائتمان المالية العالمية وتترك بدورها انعكاسات على أوضاع ومفاهيـم سياسية وقانونية دولية شائعة او راسخة.
ثمة إجماع او شبه إجماع على دور رئيس للولايات المتحدة في نشوء الأنظمة وتفاقمها. رؤساء الدول والحكومات الأوروبية الكبرى، ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وايطاليا، أكدوا هذا الموقف في قمتهم الأخيرة. رئيس حكومة روسيا فلاديمير بوتين سبقهم الى إعلان الموقف نفسه بصراحة اكبر. مثله كان موقف رئيس فنزويلا هوغو تشافيز ورئيس البرازيل لولا دا سيلفا. غير ان هؤلاء جميعا وغيرهم ما زالوا غير متفقين على ما يجب عمله. لذا فإن تحميلهم أمريكا مسؤولية الأزمة لا يعني بالضرورة الإقتصاص منها او إيجاد مخرجٍ للأزمة بمعزل عن أمريكا نفسها.
ثمة إجماع او شبه إجماع ايضا على انهيار النظام المالي الدولي وعلى ضرورة إبداله بآخر. لكن هذا الموقف يصطدم بتباين لجهة المقاربة المطلوب اعتمادها في صوغ النظام البديل. ساركوزي يدعو الى اعتماد آلية ' فوق ـ قومية '، أوروبية تحديداً، لمعالجة الأزمة، فيما تفضل المستشارة الألمانية انغيلا ميركل ورئيس الوزراء البريطاني غوردون براون خطوات وآليات وطنية.
يلتقي رئيس البنك الدولي روبرت زوليك مع الأمين العام للأمم المتحدة بان كي-مون في ضرورة الاعتراف بالتعددية الجديدة التي تطبع العالم المعاصر، لكنه لا يدعو الى حلٍ دولي للأزمة المالية العاصفة، بل إلى مزيد من التعاون عبر الحدود بين مجموعة اكبر من دولٍ تضم، إلى الدول الصناعية الكبرى، الصين والهند والبرازيل والسعودية. رأي زوليك مفيد ومتقدم على آراء قادة دول أوروبا الأربع الكبرى، لكنه ما زال قاصراً عن احتواء الأزمة أو معالجتها على مستوى عالمي.
يقترح زوليك ضم السعودية إلى ' مجموعة توجيه' تضم قوى اقتصادية صاعدة للإسهام في معالجة الأزمة. هذا يشكّل اعترافاً بالدول العربية المنتجة للنفط والغاز كقوة مالية كبرى. غير ان هذه الدول تفتقر إلى مؤسسات وآليات وأسواق مشتركة تزيد من وزنها الدولي ومن تأثيرها في صناعة القرارات الاقتصادية والمالية الدولية. الأسوأ من هذا الواقع هو تبعية هذه الدول، سياسياً ومالياً، للولايات المتحدة ما مكّن هذه الأخيرة من مطالبتها بضخ مليارات الدولارات إلى مصارفها وأسواقها لمساعدتها على تجاوز الأزمة العاصفة. هذا بصرف النظر عن الخسائر الهائلة التي تكبدتها هذه الدول ومواطنوها المودعون والمستشمرون في المصارف والبورصات الوطنية وفي مصارف أمريكا وأسواقها ومشروعاتها. كل ذلك يطرح على الأمة، وقبلها على حكومات الدول النفطية وشعوبها، سؤالاً مقلقاً : هل يجوز ان يرفض دافعو الضرائب الأمريكيون تحميلهم ثمن الأزمة التي تسببّت بها حكومتهم وان يرضخ قادة الدول النفطية ومواطنوهم لإرادة إدارة بوش، حتى بعد ثبوت ضعفها وانكشافها، بالإذعان إلى املاءاتها السياسية والمالية؟
اتضح ان الأزمة المالية العالمية العاصفة ضربت إسرائيل وتسببت بإرتفاع معدل البطالة واتساع الركود وتقلّص السيولة وتراجع البورصة. يحدث ذلك بينما يعاني الكيان الصهيوني أزمة فراغ في القيادة السياسية قد تنشأ عنها أزمات وتحديات متعددة في المستقبل المنظور. المهم ان يدرك العرب، لاسيما عرب الطوق، انهم معنيون بهذه الأزمات والتحديات التي ستنعكس مفاعيلها عليهم، فهل يسارعون إلى التنبه والتحسب والإستعداد لمواجهة عواقبها؟ هل يدركون مدى ضعف وانكشاف كل من الولايات المتحدة وإسرائيل فيغتنمون هذه الفرصة التاريخية لتعزيز التضامن القومي والتعاون السياسي والإقتصادي فيما بينهم والإرتقاء به بغية إحداث تعديل إيجابي في موازين القوى الإقليمية لمصلحتهم، وبالتالي لبناء أوضاع ومؤسسات وآليات سياسية واقتصادية واجتماعية متقدمة تدعمهم في المواجهة السياسية والعسكرية المقبلة مع عدوهم التاريخي؟
العرب مدعوون الى اليقظة والعمل في مطالع القرن الحادي والعشرين، فهل يستيقظون أم يضيفون إلى سباتهم المزمن على رصيف التاريخ قرناً آخر من القعود والجمود؟