عبدالله علي الشرهان
يحمل احتفال دولة الإمارات العربية المتحدة بعيدها الوطني السابع والثلاثين هذا العام معنى مزدوجاً، فهو من جانب احتفال بذكرى الاستقلال بكل ما يثيره هذا المصطلح من معان وطنية، وهو من جانب آخر احتفال بذكرى قيام دولة الاتحاد في الثاني من ديسمبر/ كانون الاول عام 1971 بكل ما تثيره تجربتها من تداعيات بشأن ما واجهته من صعوبات وتحديات منذ أن كانت فكرة الى أن أصبحت حقيقة سياسية راسخة على المستويين الإقليمي والدولي.
وفي هذه المناسبة المجيدة لا نغفل حجم المسؤولية الوطنية التي اضطلع بها باني هذه الدولة ومؤسسها المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان بمؤازرة أخيه المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم وإخوتهما أعضاء المجلس الأعلى للاتحاد الراحلين منهم (رحمهم الله) والباقين منهم (حفظهم الله) لتحقيق هذا التكامل بين الاستقلال والاتحاد، ليكون العنوان الأبرز الذي طبع تجربة الإمارات الاتحادية، سواء على صعيد التشكيل السياسي أو على صعيد التنمية الاقتصادية والاجتماعية، بل وجعل هذا التكامل محوراً للفلسفة السياسية التي انتهجها هؤلاء القادة التاريخيون لتدعيم الكيان الاتحادي وتمكينه من الصمود في وجه تحديات إقليمية، ما كان للكيانات الصغيرة التي كانت قائمة قبل وجود الدولة الاتحادية ان تتعاطى معها.
ومع ان ما مضى من عمر هذه التجربة الاتحادية لا يعد بالمعايير التاريخية فترة طويلة، إلا ان قصر هذه المدة لم يغر قادة الامارات بمحاولة حرق المراحل في عملية البناء السياسي او التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
فها نحن نشهد اليوم، في عالم فقد بوصلته السياسية والاقتصادية، أن كل الأنظار تتجه الى هذا البلد الصغير بمساحته، والغني بإمكاناته وتجربته في الصمود والبناء، لتكون رافعة إنقاذ العالم من هذا البلد، أو على الأقل من هذه المنطقة على وجه التحديد. وتحد عالمي كهذا لا شك في أنه يراكم من حجم المسؤولية التي يتولاها القادة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله وأخوه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي رعاه الله، وإخوانهما أعضاء المجلس الأعلى، بدءاً من تدعيم الكيان الاتحادي وتقوية أركانه على أسس جديدة تتعاطى مع حالة الانهيار السياسي والاقتصادي العالمي بمفهوم يرقى عن الرؤى الخلاقة الى صنع الحقائق الواقعية على الأرض، وبالالتفاف حول بعضنا بمنظور ldquo;كلنا واحد.. وكلنا نعمل ونبني لرفعة وعزة هذا الوطنrdquo; في هذا المفصل التاريخي المهم من حياة البشرية كلها.
وهنا لا أطرح نفسي فيلسوف هذا العصر الضبابي في معطياته واتجاهاته، لكن ما بات يراه الجميع بأمهات العيون المجردة أن نظرية القطب الواحد في السيطرة على العالم قد تفككت، وتحوّل مع تفككها مفهوم ldquo;الفوضى الخلاقةrdquo; الى مفهوم ldquo;الفوضى المدمرةrdquo; والتي ما زال طوفانها يجتاح العالم من أقصى شرقه الى أقصى غربه، جارفاً معه قيماً وأخلاقيات وثقافات كافح القادة العظام منذ فجر التاريخ من أجل ترسيخها على هذا الكوكب.
وما ldquo;الأزمة المالية والاقتصادية العالميةrdquo; التي نشهد فصول مجازرها المتتابعة هنا وهناك إلا عنوان فرعي صغير لما قد يكون آتياً من أسوأ.
ومع ان ldquo;الصرخةrdquo; لم تسمع في هذه المنطقة بعد كما سمعت عالية في أرجاء عديدة من العالم كانت مثلاً في القيادة والسيطرة والانضباط، إلا انه لا يجوز بأي حال التعامي عن حقيقة أن هذا ldquo;التسوناميrdquo; ما زال يتحرك ضارباً في كل الاتجاهات.. وقد نصحو ذات يوم لنفاجأ به وقد دخل الى غرف نومنا ما لم نكن قد أعددنا التحصينات اللازمة للوقاية والصمود منذ الآن.
فاقتصاد الامارات - ومثله اقتصادات دول الخليج - قائم بمعظمه على النفط، ومما يشاهد منذ بدء الأزمة العالمية قبل نحو شهرين هو أن هناك حرباً تستهدف هذه السلعة التي حبانا الله بها، الى درجة بات يخشى فيها أن يباع برميل النفط بأقل من سعر إنتاجه، وهناك ستكون الطامة.
وفي هذه المواجهة، أرى:
* اولاً: على الصعيد المحلي: عدم انتظار مرحلة الدفاع عن النفس، بل المبادرة بالهجوم، وهذا يتأتى من خلال إعادة النظر في بعض التشريعات - خاصة الاقتصادية - التي يمكن لبعض بنودها ان تنال من تكامل مفهوم الاستقلال مع دولة الاتحاد، وسن تشريعات جديدة تجعل للاقتصاد الوطني عنوانا لدولة واحدة، لا عنواناً تجميعياً لاقتصادات اتحادية محلية.
وإضافة لذلك ينبغي تعزيز الثقة باقتصاد دولة الإمارات من خلال التركيز على تدعيم ومواصلة بناء الاقتصاد الحقيقي القائم على الإنتاج غير النفطي.
ومما يمكن ذكره في هذا الخصوص هو ان إعادة النظر بالتشريعات الاقتصادية لا يلغي ان تترافق مع التوقف عند قضيتين
جوهريتين تتكاملان مع ldquo;حل المواجهةrdquo; المنشود وهما:
* التركيبة السكانية، والحاجة الى ضبطها بما يتساوق مع المعطيات الجديدة التي أفرزتها الأزمة العالمية، وما يمكن أن تسفر عنه من نتائج على المديين القريب والبعيد.
* إعادة النظر بما يمكن وصفه تسونامي التملك العقاري التي أحدثتها طفرة ما قبل الأزمة، والتي ان لم تعالج الآن فإنها ستتحول الى وقود إضافي يغذي مشكلة ldquo;التركيبة السكانيةrdquo; مستقبلاً ويزيدها تأزيماً.
ثانياً: على الصعيد الخليجي:
الإسراع بتحقيق الوحدة النقدية، وإصدار عملة خليجية واحدة تحافظ على قوتها إزاء العملات الأخرى، وتعزيز الاتحاد الجمركي، ووضع أسس لبناء اقتصاد خليجي متكامل يستفيد مما هو قائم، ويستكمل ما ينبغي تطويره حسب الأولوية من حيث زمن الإنجاز والعائد الاقتصادي الحقيقي الذي يخفض نسب التضخم والبطالة. إن كل المؤشرات تشير الى أن الأزمة القائمة عالمياً قد تمتد الى عامين على الأقل وإن كانت الولايات المتحدة - قائدة العالم الاقتصادي - قد دخلت فعلاً مرحلة الركود والكساد الاقتصادي، فإن اقتصادات عظمى أخرى - كالاقتصادين الأوروبي والآسيوي - بدأت دخول هذه الحالة الآن، والدور قادم على اقتصادات إقليمية ومحلية أخرى.
وقد اظهرت محاولات الإنقاذ العاجل، والتي بدأت بضخ أموال طائلة في الاسواق، قبل أن يتبعها تخفيف قيود وتعديل أسعار الفوائد في البنوك، واستنزاف صناديق سيادية، وإنشاء صناديق إنقاذ حكومية هنا وهناك، وصولاً الى قمة العشرين التي عقدت مؤخراً في نيويورك.
إن كل ما جرى كان بمثابة حبة دواء مسكنة لم تضع حداً للألم المتنامي، وهذا ما يطرح احتمال ان يطول أمد الأزمة لأكثر من عامين إن أظهرت حبات الدواء الجديدة قلة فاعليتها.
ومن هنا تأتي أهمية النظر بعين الحكمة والواقع لما يحدث من تطورات متلاحقة بنمط سريع، وابتكار وسائل تحصين لم يعهد بها من قبل.
وأول شيء وآخره يمكن قوله لمناسبة الذكرى السابعة والثلاثين لقيام دولتنا الإمارات هو أن نحافظ على هذا الإنجاز العظيم بالتعاضد والتكاتف، والعمل بقلب رجل واحد، خصوصاً أن أمورنا حتى الآن مازالت أفضل حالاً من غيرنا، وقد أثبتت رجال مخلصون منا وفينا أننا قادرون أحيانا على جذب المستقبل الينا بدل أن نذهب إليه. كما أثبت قادتنا التاريخيون من قبل أننا قادرون على تحقيق المستحيل من العدم في مثل هذا اليوم التاريخي المجيد قبل ثلاثة عقود ونيف.
* عضو المجلس الوطني الاتحادي سابقاً.
الإمارات والتحدي العالمي
هذا المقال يحتوي على 1002 كلمة ويستغرق 6 دقائق للقراءة
