عبدالله اسكندر

غالبية السلطات في البلدان العربية لم تتمكن بعد من إرساء الدولة - الوطن، الشرط الضروري من اجل تشكّل المواطن. ولذلك لم تزل علاقة الثقة مفقودة بين السلطات والشعب. لا بل لم تزل الريبة والشك يحكمان هذه العلاقة. ما جعل كل التجارب العربية المعتمدة على الانتخاب غير قادرة على الانتقال الى مرحلة الديموقراطية حيث تنتج السلطة عن صندوق الاقتراع، وحيث يكون التداول امرا طبيعيا، لا بل مطلوب.
لكن واقع الحال، وكما أظهرته تطورات العام المقترب من نهايته، يعكس بوضوح استمرار ازمة الدولة - الوطن، واستمرار قطبيها (السلطة والمعارضة) في نفي بعضهما بعضا. بما عطّل وظيفة الانتخاب وآليات الديموقراطية، وحصر اتخاذ القرار في ايدي اجهزة السلطة. هذا القرار الذي يهدف، في غالبية الأحيان، الى الالتفاف على نتائج صندوق الاقتراع.
وليست الظاهرة مرتبطة برغبة السلطات في احتكار الحكم فحسب، وانما بفقدان الثقة مع المعارضة التي، بتشكيلاتها المختلفة، ليست اقل رغبة في احتكار الحكم، في اطار استمرار الأزمة نفسها. وفي غالبية الأحوال، تتغذّى السلطة من النزعة الاستفرادية لدى المعارضة واتهامها بالعمل من اجل ضرب الاستقرار (اي الوصول الى الحكم) من اجل تبرير خطواتها الاستفرادية. فتتعطّل الآلية الاساسية لإمكان التداول، وايضا لإمكان الادارة الرشيدة لشؤون المواطن.
وتراوح ما عانته الديموقراطية المغدورة في بلدان عربية، خلال العام المقترب من نهايته، بين انقلاب عسكري مباشر أطاح رئيسا منتخبا وتعديلات دستورية تكرس الرئاسة مدى الحياة، والتمسك بصيغ دستورية تنعدم معها إمكانات التنافس الحر ويُموه الاستفتاء على بقاء الرئيس بانتخابات تعددية لا تتوافر فيها اي صدقية، ووضع قوانين جديدة تحد من عمل الاحزاب المعارضة، واعتماد قوانين الطوارئ التي تجيز لمحاكم عسكرية النظر في قضايا سياسية، معظمها مشكوك في صحتها، وبين تعطيل حكم الاكثرية المنتخبة عبر القوة والسلاح.
وعندما يصبح الحكم محور عمل السلطات، يتقلص الاهتمام بشؤون الدولة والمواطن. فيتدهور عيش المواطن مع تدهور أداء الدولة التي تكاد تقتصر على عمل الاجهزة، الامنية اساسا. ولا يعود التعليم قادرا على إعداد اجيال عاملة. فتنحسر التنمية وتغلب البطالة، ومع تراجع الزراعة تتقلص القدرات الانتاجية، ويزداد الفقر. وتدخل البلاد في دائرة مغلقة من ارتياب السلطة بجموع المطالبين بالعيش الكريم، وتزداد شكوك الناس بالسلطة واهتمامها الجدي بهم.
وبارتباط مع هواجس التمسك بالحكم، يغلب على علاقات السلطات العربية في ما بينها انعدام الثقة، مع كل ما ينطوي عليه ذلك من صعوبات في التكامل الاقتصادي على الاقل، كما ينبغي ان تكون عليه بين بلدان متجاورة. هذا في حال غض النظر على الاتفاقات اللامتناهية الموقعة في اطار جامعة الدول العربية.
لا بل ترتبط صعوبات التكامل بين البلدان العربية المتجاورة، او تلك المرتبطة في ما بينها بتكتلات جغرافية، الى حد بعيد بهواجس داخلية. واحيانا يتحول التعاون والتكامل المطلوبان الى عداء وخصومات، تعرقل في الوقت نفسه العلاقة مع الجوار، وتزيد حدة الازمات الاقتصادية والاجتماعية ونكبة الديموقراطية الداخلية. ولتصبح الخصومة مع الجار القريب نوعا من آلية حكم داخلي، تتعقد معه الحلول للمشكلات الاقليمية، الجدية منها والمفتعلة، لتأخذ منها السلطات مبررات لمزيد من ضبط الحياة السياسية الداخلية، باسم مواجهة الخطر الخارجي.