بروفيسور روف دي ـ فيك
طُلب الي ان اتحدث عن عمل جهات خارجية في ما يتصل بمستقبل الشرق الاوسط. في الحقيقة انني من الخارج من الاتحاد الاوروبي، وكنت اود الحديث عن الاتحاد الاوروبي كانسان من الخارج. قد يبدو هذا مخيباً للامل، لكن لا يوجد لاناس من الخارج ايضاً حل للوضع في الشرق الاوسط.
وعلي ذلك فإن توقعاتكم من حديث لا يجب ان تكون عالية جداً. مع ذلك اعتقد ان الاتحاد الاوروبي يستطيع ان يلعب دوراً متواضعاً في المنطقة. وهذه مصلحتنا ايضاً. مصالح الاتحاد الاوروبي الحيوية موضوعة علي الكفة في منطقة الخليج وفي الشرق الاوسط عامة. والامر يقتضي تدخلاً ما من الاتحاد الاوروبي، سواء اكان الامر يعجبه ام لا. لكن السؤال هو: ما الذي يستطيع الاتحاد الاوروبي فعله؟ في البدء يجب علينا ان نعرض تقديراً استراتيجياً ما.
النواقص العسكرية
سأبدأ بالاتحاد الاوروبي. يواجه الاتحاد الاوروبي تحدياً واضحاً وهو: كيف يعرف دوره ومكانه في العالم؟ أؤمن بصدق ان مسألة الهوية الاوروبية مشكلة عند الاتحاد الاوروبي، وهي مشكلة ستكون لها آثار في سياستنا نحو الشرق الاوسط. ان قول الهولنديين والفرنسيين لا في استفتاءات في مستقبل دستور الاتحاد الاوروبي قبل بضع سنين، لم يكن علامة تبشر بالخير. المشكلة هي انه يوجد عندنا ساسة لا يستطيعون اقناع الجمهور في مسألة: لماذا يجب علي الاتحاد الاوروبي ان يصرف مثلا سياسة خارجية اكثر موضوعية؟
نحن الاوروبيين محتاجون جداً الي رؤيا، والي التحرر من فساد الاتحاد الاوروبي. هذا مهم ايضا في موضوع الشرق الاوسط. ان فساد الاتحاد الاوروبي يدفع اوروبا عامة الي الهامش، ولا يستطيع ان يسهم اسهاماً صادقاً في عمليات السلام التي تتم في العالم وفي ظل ذلك الشرق الاوسط.
اعتقد انه يجب علينا نحن الاوروبيين ان نوجد الاتحاد الاوروبي من جديد، في هيئة قوة عليا بمعني ما. لا دولة عليا بل قوة عليا. يجب علينا ان نعد سياسة خارجية وامنية اوروبية مشتركة وقوية. وأحد الاسباب المهمة هو نمو آسيا. اذا أردنا نحن الاوروبيين ان نلعب دوراً في صراع القوي الجغرافية - السياسية الناشئ، فلا مناص لنا من الاتحاد، وتكميل قوتنا الاقتصادية بقوة عسكرية. وقضية اخري، تتصل اتصالا وثيقا بالوضع السائد ههنا، في الشرق الاوسط وهي بطبيعة الامر قضية الوصول الي النفط. لكن توجد اهمية ايضاً لاحراز الوصول الي منتوجات اخري. هذا شرط سابق لاقتصادنا ولتطورنا واستقرارنا الاجتماعي نتاج ذلك.
تشهد استراتيجية الأمن الاوروبية، التي عرضت قبل بضع سنين، بوضوح علي ان الامن هو احد الموضوعات الرئيسية التي يجب علي الاتحاد الاوروبي ان يواجهها. هذا احد العوامل التي يجب علينا بسببها ان نشارك في هذا الجزء من العالم - بواسطة منع الازمات، وبادارة الازمات اذا وجدت حاجة لذلك.
بيد ان الدبلوماسية يمكن ان تكون موضوعية فقط اذا تمتعت القوة الاقتصادية بتأييد القوة العسكرية. هذه مشكلة عند الدول الأعضاء في الاتحاد الاوروبي التي تري نفسها انها بلغت مبلغ ما بعد الحداثة. علي اية حال، اصبحت اوروبا قوة عظمي بنسبة 50 %. لا شك في اننا نملك قوة اقتصادية، لكننا لا نستطيع تأييدها بقوة عسكرية. والامر يجعل جهودنا الدبلوماسية اقل قدرة علي تحصيل اهداف.
ان نقائص الاتحاد الاوروبي العسكرية معروفة جداً. توجد حاجة الي جعلها في مرتبة افضلية عالية مثل القدرة علي نقل قوات استراتيجية، ونقل قوات في الجو، ونقل قوات بحرية، والدفاع ومضادات الطائرات. اي كل ما يحتاج اليه في عمليات قوات بعثات. لكننا غير مستعدين لانفاق المال بكميات تكفي هذه الاهداف. ولا يوجد عند اوروبيين كثيرين طموحٌ الي الخروج في الحروب بل الي استعمال قوة لينة بدلا من ذلك. يجب علينا تغيير قواتنا من قوات محلية يحتاج اليها للدفاع عن الوطن، الي قوات مسلحة تناسب جيوش بعثات يحتاج اليها للدفاع عن مصالحنا. المشكلة مع القوة الاوروبية، ومن الواضح ان هذه مشكلة نلقاها الان في العراق. ان 10 -15 في المئة فقط من بين مليوني لابس للملابس العسكرية يمكن نشرهم في العراق او في افغانستان.
يتمسك اكثر الدول الأعضاء بالفكرة القديمة التي هي الدفاع المناطقي في اوروبا. لكن لا يوجد اليوم اي تهديد حقيقي لحدودنا. كلما ابعدنا الحركة نحو الشرق، وجدنا قدرا اكبر من الدول الأعضاء تتمسك بالمادة الخامسة من ميثاق حلفي شمال الاطلسي مادة الدفاع المشترك ، التي يشتمل عليها دستور الاتحاد الاوروبي ايضاً. ما تزال هذه البلدان تؤكد الحاجة الي قوات محلية لا يمكن استعمالها في عمليات جيوش ترسل الي بعيد.
يجب علينا ان نتغير لاننا نواجه تحديات. تبدأ منطقة عدم الاستقرار في كوريا الشمالية، وتايوان، والمحيط الهندي، ومنطقة الخليج والمغرب وبعد ذلك في البحر الكاريبي. ان اكثر مناطق النفط موجودة في منطقة عدم الاستقرار هذه. يجب علي الاوروبيين ايضا الاستمرار في محاربة الارهاب ومحاولة الاتيان باستقرار ما في البلدان التي تمزقها الحروب مثل الصومال والسودان. ومن المحقق انه يجب علينا الدفاع عن خطوطنا البحرية بواسطة عمليات في البحر المتوسط والمحيط الهندي مثلاً. لكن دولا اوروبية كثيرة تنقصها القدرات المطلوبة بفعل ذلك. لهذا لا مناص لنا من التعاون.
يجب علينا تأييد دبلوماسيتنا بقوة عسكرية. لا شك في ان الوضع الحالي غير مرضٍ، ولهذا فإننا اقل قدرة علي التأثير في الشرق الاوسط مثلاً. اكثر الاوروبيين غير مستعدين للاعتراف بأن القوة العسكرية ما زالت تلعب دوراً في السياسة العالمية.
الانباء السيئة هي ان الاتحاد الاوروبي لا يملك قدرات عسكرية، ولا حاجة الي القول ان الاتحاد الاوروبي لا يستطيع ان يلعب دوراً علي نحو مقنع. والانباء الحسنة هي انه قد نشأ اليوم امكان استعمال قوة لينة ؛ ويستطيع الاتحاد الاوروبي ان يلعب في هذه الحالة دوراً أجلاً.
العراق
يستطيع الاتحاد ان يسهم في حلول سياسية. هذا مهم لأن اللاعبتين الرئيسيتين في هذه المنطقة وهما الولايات المتحدة واسرائيل، تؤكدان القوة الشديدة تأكيداً كبيراً جداً. توجد حاجة يائسة الي توجه سياسي اكبر.
ما هي التحديات هنا؟ اصبح العراق نقطة تجمع الارهاب الدولي؛ والنزاعات الاقليمية التي ستظهر بكامل قوتها بين الشيعة واهل السنة نتيجة مباشرة للنزاع في العراق.
وتحدٍ آخر هو بطبيعة الامر النزاع المتصل بين اسرائيل والفلسطينيين. وبلغ عامل توتر آخر أوجه في حرب لبنان الثانية في 2006. يبدو من وجهة نظر الاتحاد الاوروبي ان العراق هو أُم جميع التحديات وان خسارة العراق ممكنة عملياً.
عارضت التدخل في العراق لانه لم تكن توجد خطة ثانية. كانت الخطة الاولي تغيير نظام الحكم لكن لم تكن توجد خطة ثانية، اي اقرار الوضع واعادة البناء وبطبيعة الحال ان الامور تضطرب. نحن الان في العراق ولا نستطيع مغادرته، لان المتمردين والارهابيين سيدركون آنذاك انهم انتصروا، وسيكون هذا نجاحاً مدهشاً للقاعدة مثلاً.
الإسلام الراديكالي
يجب علي الاتحاد الاوروبي ان يأخذ في حسابه عدة اشياء تتصل بالوضع الاستراتيجي في هذا الجزء من العالم، توجد دروس يجب تعلمها. اولاً يجب ان نعرف تصور انصار الخط الاسلامي الصارم وفحواه انه يمكن ان يهزم الغرب واسرائيل. هذا شيء يتجاهلونه ولا سيما في جزئي انا من العالم، لكنني اعتقد ان لديهم اسباباً جيدة لاعتقادهم انه يمكن هزيمة الغرب واسرائيل. هلم نعود الي تصريح الحرب الاصلي لاسامة بن لادن؛ لقد زعم انه ينبغي طرد الاسرائيليين والامريكيين عن الارض التي توجد فيها اماكن مقدسة للمسلمين.
من وجهة نظر استراتيجية، وجدت عدة احداث افضت الي اعتقاد انه تمكن هزيمة الغرب وفي ضمنه اسرائيل. بعد الثورة في ايران، وهزيمة السوفييت في افغانستان وانحلال الاتحاد السوفييتي في 1991 خلص غير قليل من المسلمين الي اعتقاد ان الغرب ضعيف وانه يمكن هزيمته. من المهم جداً ان ندرك ان المتطرفين يرون ان الغرب فعل القليل جداً للدفاع عن مصالحه بعد 1979؛ بعد هزيمة شاه ايران، لم يحرك الغرب ساكناً ولم يوجد ردٌ سوي بضع شكاوي. في 1983 اخرجت الدول الغربية قواتها من لبنان بعد ان قتل عدد من افراد البحرية. وفي 1993 ايد بن لادن الهبة في الصومال، وخرجت الولايات المتحدة من هناك. وفي آب (أغسطس) 1998 بعد انفجارات فظيعة في سفارات الولايات المتحدة في كينيا وتنزانيا قتلت نحو 300 شخص، وجد ردٌ عسكريٌ رمزي فقط هو اطلاق عدد من الصواريخ البحرية.
افضي كل هذا اذن الي الاعتقاد بأنه يمكن طرد الامريكيين عن هذا الجزء من العالم. وبمعني ما، افضي انسحاب شارون من قطاع غزة والانسحاب الجزئي من الضفة الغربية، الي اعتقاد مشابه. وتركت اعمال ارهاب، وعمليات منتحرين وهجمات بصواريخ الكاتيوشا انطباعاتها. قد لا تكون هذه رؤيانا، لكنني اعتقد انه لا شك في ان عدداً من هؤلاء المتطرفين يعتقدون ذلك. وان ما يعتقدونه مهمٌ بطبيعة الامر، من اجل الوصول الي الاستنتاجات السياسية الصائبة.
العراق مختبر لمصداقية الغرب
لهذا السبب فإن شكل علاج امريكا للعراق ذو اهمية بالغة لا من اجل صدقها فقط بل لصدق الغرب عامة. وهو ذو اهمية عظيمة ايضاً لمستقبل النزاع بين الغرب وبين العالم الاسلامي. ان انسحاباً كالانسحاب من فيتنام غير مرغوب فيه جداً، يجب ان توجد استراتيجية خروج.
يستطيع الاتحاد الاوروبي الان ان يفعل القليل جداً. وفي واقع الامر ما يمكن فعله هو الانتظار الي ان ينشأ جمود، ثم احداث تغيير آنذاك. ما لم ينشأ جمود، فإننا لا نستطيع ان نغير شيئا. يجب علي الاوروبيين ان يأخذوا في حسابهم هذه النظم الاستراتيجية. مثلاً يوجد عدم ملاءمة بين النظرية وبين اوضاع متغيرة. ان نحواً من 90 بالمئة من جميع النزاعات تديرها قوي غير نظامية. بعقب تفوق الغرب بالقوة المحاربة، لا مناص لاعداء الغرب سوي استعمال انواع قتال تعادل الفرق في القوات، اي ان تستعمل حرباً غير نظامية واستراتيجيات غير تناسبية. وعلي هذا النحو يصبح التفوق العسكري غير مهم تقريباً.
تبين افغانستان والعراق بوضوح ما الذي يمكن ان يحدث عندما تستعمل دولة ذات قوة النظرية غير الصحيحة. لكن حرب لبنان في رأيي ايضاً برهنت علي ان القوة المسلحة بتكنولوجيا متفوقة يصعب عليها جداً ان تهزم قوة اصغر تستعمل تكتيكات غير تناسبية، هذا تحدٍ كلاسيكي. ان خبرات القوات المسلحة الغربية تنحصر في مجالات محدودة، ولهذا السبب فإن احتمالات الانتصار ضعيفة، وتكون اقل عندما نواجه مقاتلين غير نظاميين. نحن نصرف الحرب غير الصحيحة مع هؤلاء المقاتلين. يجب علينا ان نطبق علي الهبة نظرية قديمة تضرب جذورها في افكار نظام حكم ملكي والتي طورها البريطانيون في القرن التاسع عشر.
الغرب وخسائر القوة الزائدة
في حقيقة الامر نحن نصرف في افغانستان حرباً استعمارية من النوع القديم، ونطبق ثقليات حكم شُرطي ملكي. كنت مشاركاً في تطوير عدد من الافكار المبدئية في اورزغان. هذا هو اقليمنا نحن الهولنديين في افغانستان. استقر رأينا علي النظر في الاوامر القديمة لجنرالات صيغت قبل مئة سنة. وهي ما تزال سارية الفعل لأن النظم التي تنطبق هنالك هي نفس النظم.
مثلا استعمال قدر كبير من القوة طريقة سيئة للفوز بقلوب وعقول المواطنين. ولهذا فإننا نوشك ان نفقد قلوب وعقول سكان افغانستان. أري ان اسرائيل قد خسرت قلوب وعقول السكان الفلسطينيين منذ وقت بعيد. العامل الحاسم هو انه يجب ان يوجد توازن. ان قدراً كبيراً جداً من القوة يسبب فقدان القلوب والعقول ثم يفقد بعد ذلك كل ما سوي ذلك. نحن ابناء الغرب، والامريكيين خاصة، لكن اسرائيل ايضاً احياناً، وعلي ان اقول ذلك متأسفاً تؤكد القوة تأكيداً زائداً.
الجمود وإمكانية الحل السياسي
وتلخيصاً اري ان الحل الوحيد حلٌ سياسي. تستطيع الحرب في الشرق الاوسط ان تستمر الي الابد. لكن ما لم ينشأ وضع جمود وهو شيء قد يستغرق وقتاً طويلا، يوجد مكانٌ ضئيلٌ جداً للحل السياسي. ولهذا فإن التوجه الهازل اذن هو ان تستمر الحرب. تستطيع الجدران المساعدة. يجب علي الولايات المتحدة وشريكاتها في التحالف ان تطمح الي حل سياسي في العراق، ويفضل ان يكون ذلك بمساعدة الاتحاد الاوروبي. اري ان لا مناص من تقسيم الدولة الي ثلاث هويات مختلفة، وربما الي دول مستقلة. قد يقتضي هذا تدخل دول مجاورة. اعتقد ان من دلائل الخير انه توجد الان علاقات دبلوماسية ما بين الولايات المتحدة وايران. ما يحدث الان في العراق هو انتشار اعمال العنف. وقد يكون هذا ايضا بدء استراتيجية خروج. إن ما أراه في جزئي انا من العالم هو انه يوجد قدرٌ يقل من العطف علي الشعب العراقي، لان اهل السنة والشيعة ما يزالون يقاتل بعضهم بعضاً. اذا كان هذا الوضع فلماذا يجب ان يهمنا الامر؟ يوجد عدم فهم لما يحدث هنالك، ويبدو كأن هؤلاء الناس لا يريدون التوصل الي سلام. اذا كان هذا هو الوضع فإن هذا قد ينشئ استراتيجية خروج ممتازة في الأمد البعيد. والأمد البعيد هو سنة او سنتان، لأن المتمردين آنذاك سيتهمون، علي الاقل عند الجمهور في اوروبا الغربية وعند الامريكيين وقوات التحالف علي نحو عام. بمعني ما هذا ما يحدث ايضاً في هذا الجزء من الشرق الاوسط. اعتقد انه يوجد القليل جداً من الفهم في اجزاء واسعة من اوروبا للسلوك في قطاع غزة، وفي جنوب لبنان والضفة الغربية. انسحبت اسرائيل من قطاع غزة وخرجت من لبنان؛ وخطت بضع خطوات لكن القتال مستمر. اقترح ان تظهر اسرائيل شيئا من ضبط النفس وان نري ماذا يحدث. اري ان هذا هو الشيء الوحيد الذي تستطيعون فعله. اذا تم ذلك علي هذا النحو فإنني اعتقد ان الموقف الاخلاقي سيكون الي جانب اسرائيل لا الي جانب من يحاربونكم.
أوروبا وتحديات الشرق الأوسط
هذا المقال يحتوي على 1951 كلمة ويستغرق 10 دقائق للقراءة
