القبس تعرض تفاعل الناس مع متغيرات الموت
البصرة - فاضل المختار
في البصرة، لم يعد أديم الأرض من هذه الأجساد،كما كان يقول أبو العلاء المعري في بيته الشهير. خفف الوطء ما اظن أديـــم
الأرض إلا من هذه الأجساد.
فقد تجرأ الناس على مهاجع الموتى (المقابر) ليحولوها إلى مساكن لهم،ليس كمجاورين لهم- كما يفعل الأشقاء المصريون -، وإنما بنوا بيوتهم على القبور، وحفروا اللحود لتكون أسسا لبيوتهم، ورموا بالعظام ليملأوا الحفر بالطابوق والاسمنت، فيما ظلت الأرواح تناجي بارئها في الأعالي.
فقد ألحقت خلال الخمسين سنة الماضية عشرات المقابر في العشار والبصرة القديمة والزبير وأبي الخصيب وشط العرب ببدن المدينة الحي، وصارت جزءا منها بفعل تدني الشعور الإنساني لدى الناس، نتيجة استمرائهم لمشاهد الموت اليومية التي طالت الحياة هنا، بفعل الحروب التي خاضها النظام السابق، حتى ألف الناس رؤية الموتى وهم يعبرون شوارعها ملفوفين بالعلم العراقي الذي حوله البعض الى عنوان للقتل ورخص الدم، قبل أن يكون رمزا وطنيا، وهكذا كانت أجساد الجنود تمر عليهم قبل أن تأخذ طريقها إلى المقبرة.
أم البروم.. المقبرة والقصيدة
وقبل أن يكتب بدر شاكر السياب قصيدته الشهيرة (أم البروم) المدينة التي كانت جزءا من المقبرة،وهو يتحدث عن أشهر ساحات البصرة اليوم laquo;أم البرومraquo;، تجرأ الناس في مناطق أخرى من المدينة على السكن قرب الموتى،وتناوبوا مجاورة المقابر،ليس كما يفعل الزاهدون والعباد، حيث تقول كتب مؤرخي المدينة: إن بعض سكان البصرة كان يحتفر عند باب داره حفرة ينام فيها مساء كل يوم استعدادا لساعة الدفن واستحضارا للعالم الآخر، وهو إجراء يقع في باب الموعظة والتذكير، لكنهم غامروا بالسكن في المقابر بدوافع أزمة السكن الخانقة، التي لم تتداركها الحكومة الحالية، وشيئا فشيئا استمرأوا الحياة قرب الأكفان البالية والأجداث التي نخرها الدود بعدما زالت مخاوفهم منها.
مربو الخيول في مقبرة اليهود
ومنذ أكثر من 25 سنة تجاوز مربو وسماسرة الخيول والأبقار والأغنام على مقبرة اليهود القديمة في المشراق وحولوها إلى سوق لبيع الماشية، ودونما مراعاة لحرمة ميت (يهودي أو غير ذلك) راحت الحوافر القاسية تدوس أرواح كبار التجار والمرابين والحاخامات،(الذين ازدادت كراهية الناس لهم ولآخرين من غير العرب في فترة حكم صدام حسين)، لكن مهما كان هؤلاء من وجهة نظر البعض، فللجسد الآدمي الميت حرمته وكرامته، فقد أدى اتساع السوق في البصرة القديمة إلى زحزحة سوق الصفاة (سوق الماشية) حيث كانت تباع هنا، مما اضطر البلدية إلى التفكير في إيجاد مكان آخر، وهكذا وقع خيارها على مقبرة اليهود لتكون سوقا جديدة، لكنها لم تلبث كثيرا حتى بيعت كأراض سكنية هي اليوم واحدة من أشهر ضواحي البصرة المعروفة بـ laquo;محلة المشراق الجديدraquo; مقبرة قديمة ومحلة جديدة، لكن على حساب القبور.
ولم تصمد مقبرة جنود الحرب العظمى من الانكليز والهنود الواقعة في محلة الحكيمية والقريبة من شط العرب والمعروفة بحدائقها الجميلة ورعايتها من قبل وزارة الداخلية، لم تصمد طويلا عقب سقوط النظام السابق، وتردي الوضع الأمني، فقد تناولتها معاول بعض القادمين من إيران، وحولتها إلى مساكن ومحلات لبيع ما يحتاج إليه السكان الجدد، ومن ثم لتصبح أحد اكبر الملاذات الآمنة لجيش المهدي حيث تمتد عميقة باتجاه مناطق التميمية ونهير الليل ومخازن شركة التمور وغيرها من المخابئ السرية لعشرات المجرمين والقتلة.
وتستمر متوالية laquo;إزاحة الحي لمسكن الميتraquo; حتى تصل مقبرة النصارى في محلة المطيحة، هذه المقبرة التي ما زال المسيحيون يدفنون موتاهم فيها، حيث تضم أجداثاً لعشرات الأطباء والأساتذة الجامعيين والتجار من الذين تركوا بصماتهم على كتاب تاريخ المدينة، فقد قرض أصحاب محلات الحدادة والميكانيك جانب المقبرة الغربي وحولوا مجاري الماء الثقيل باتجاه قبر طبيب العيون الشهير شوارش ماردورسيان، وغطت صليب قبر أستاذ اللغة الانكليزية لورنس، ولم تسلم صلبان المطارنة والرعاة في كنائس مار فرام والقديس بطرس والكنيسة الكلدانية للسريان الارثوذكس وغيرها من عبث هؤلاء الصنايعية، الذين وجدوا في خوف القس عماد البناء وأبينا سولاقى رعاة الكنائس المسيحية في البصرة اليوم ما يشجعهم على التطاول على القبور التي لن تلبث طويلا في ظل الظروف هذه.
وإذا كان المسلمون الشيعة من الوافدين على المدينة قد حولوا مقابر القرى والقصبات الصغيرة إلى مساكن لهم بعدما طردوا منها ساكنيها الشرعيين فإن سكان البصرة وعلى اختلاف مذاهبهم ومعتقداتهم كانوا قد حولوا مقبرة الجنود العثمانيين في البصرة القديمة قرب ضريح عز الدين إلى سوق للسمك والخضار اليوم، ومثله فعل آخرون بمقبرة مقام علي على نهر العشار في المحلة المعروفة اليوم بمحلة مقام علي، والتي كانت مقبرة للجنود والمسافرين من دول شرق آسيا القادمين (البهرة) لزيارة العتبات في كربلاء والنجف، حيث ينقسم المسجد إلى نصفين، سني إلى جهة المشرق، وشيعي إلى جهة المغرب، ويشتركان بذات الملاط والطابوق، فيما تتكرر متوالية المدينة المقبرة في مكان آخر.
ازدهار مقبرة محمد جواد
وكانت أحداث انتفاضة سكان البصرة عام 1991 ضد صدام حسين قد ساهمت في تعزيز مكانة مقبرة محمد الجواد الكائنة في محلة الخليلية قرب بناية النقل البحري وسط المدينة، فقد اضطرت الظروفُ الصعبةُ الناس إلى دفن موتاهم فيها بسبب عنت وقسوة النظام آنذاك، فضلا عن افتقارهم إلى المال الذي يمكنهم من إرسال الجنائز للنجف وكربلاء، وهكذا دفن ذوو القتلى أولادهم ورجالهم فيها، الأمر الذي أبقى المقبرة عامرة بموتاها حتى اليوم، رغم توسطها المدينة وإحاطتها بعشرات المنازل، حيث ما زالت تلوح لناظرها على الطريق بين البصرة والعشار.
وعلى الطريق الرئيسية بين البصرة وأبي الخصيب في قرية عبد الليان التي بناها عبدالله بن أبي بكرة في زمن ولاية أبي موسى الأشعري على البصرة، سيكون الوقت كافياً لرؤية قبة صغيرة من الطين، مجصصة، شبه بيضاء، تحف بها العربات ذاهبة وآيبة، بالقرب من محولة ابن زهير والمحولة (ضيعة من النخل والفاكهة) التي هي لعائلة آل الزهير المعروفة على شط العرب، هي ضريح الشيخ محمد أبي الجوزي احد متصوفة البصرة الكبار،لعله من طبقة المتأخرين، وقد محت قبة ثانية قيل لزوجته أو سريته بعد أن تحولت إلى منزل لأحد الباعة المتجولين، فيما ظلت قبته تنتظر من يقدم على هدمها ليبني بيته مكانها بعد أن تحولت المقبرة المحيطة بضريحه إلى دور للسكن ومحلات للباعة.
وبقدسية لا يثق بها الكثير من أهل البصرة استطاع ضريح عبد الله بن علي الكائن وسط المدينة الصمود أمام زحف المتاجر داخل السوق المسمى باسمه، وعلى الرغم من قول العديد من المؤرخين بأنه قبر لضابط في الجيش التركي إلا أن الضريح ما زال محط احترام الزائرين الذين يجدون فيه نسبا لآل البيت فيما زالت كليا المقبرة التي كانت تحيطه والتي كانت في الأصل مصنعا للفحم الحجري ظل يزود سفن المعسكر العثماني الداخلة والخارجة من والى الخليج إبان السيطرة العثمانية.
