عبد الله رشيد
في أواخر التسعينات شاهدت حواراً مع المخرج العالمي الراحل ''مصطفى العقاد''، رحمه الله، الذي خصص جزءاً مطولاً من حديثه عن فيلميه الشهيرين (الرسالة) و(عمر المختار)، وتحدث عن فشل أغلب الأعمال التاريخية التي أنتجتها السينما العربية، وأجاب عن سؤال في صميم الموضوع ذاته حين قال إن الأعمال التاريخية التي تنتجها السينما العربية لا تراعي ذكاء وفطنة المشاهد ولاتحترم عقلهmiddot; وقال إن المنتجين والمخرجين العرب يحرصون على إظهار كل الشخصيات التاريخية في أعمالهم وهي في أبهى وأحلى وأجمل صورة وشكلmiddot;middot; لا غبار ولا أتربة ولا أوساخ ولا عرق ولا بقايا من تعب وكد وعناء وإرهاق، مع أنه يفترض فيهم تقديم صورة حية وواقعية لحياة ابن الصحراء الذي كان يعيش قسوة الحياة وشظف العيش في بيئته، وكان بالكاد قادراً على توفير متطلبات حياته الضرورية بسبب قلة الموارد في البيئة الصحراويةmiddot;
في الفيلمين اللذين أخرجهما الراحل ''العقاد''، كانت ثياب العربي ابن الصحراء أو الشخصيات التاريخية رثة، مغبرة، مقطعة، بالية، وعليها آثار الغبار وتراب الصحراءmiddot; ولم تكن وجوه الممثلين والممثلات سوى انعكاس لغبار وتراب الصحراء، لأن هذه الشخصيات لم تكن تتزين في صالونات التجميل ولم تكن فرنسا حتى ذلك الوقت قد اخترعت بعد أجمل أدوات الزينة والكريمات والأصباغmiddot; لذلك كان البدوي حين يربت على كتف صاحبه في فيلم (الرسالة) أو (عمر المختار)، يرتفع الغبار المتراكم فوق ثياب الأخير لكي يقتنع المشاهد أنه أمام مشهد يجسد الحقيقةmiddot; أما عن الأدوار النسائية فيكفي العودة إلى فيلم (عمر المختار) ومشاهدة وجه وثياب الممثلة العالمية ''أيرين باباس'' لمعرفة دقة المخرج والمصورين في نقل صورة واقعية مقنعة لامرأة تعيش في قلب الصحراء مع الخيمة والنخيل والغبار والأتربةmiddot;
دار في مخيلتي كل ما دار، وأنا أتابع الأعمال التاريخية والبدوية على اختلاف أسمائها وأماكن وقوع أحداثها التاريخية، عبر ما يقرب من عشر قنوات فضائية عربية، فلم أجد منها عملاً واحداً يقنعني أنه تجسيد لتاريخ ابن الصحراء أو البدوي الذي كان يكابد ويصارع صعوبة وقسوة الطبيعة والمعيشة الضنكةmiddot; نعم هناك ضخامة في الإنتاج والصرف، ولكن لإبراز وجوه تكسوها أطنان من ''أساس المكياج'' و''الحمرة'' و''البودرة'' الفرنسية وأحمر الشفاه التي صارت فوق شفاه كل الممثلين الرجال قبل النساء!middot;middot; أما عن وجوه نساء البادية والشخصيات التاريخية، فحدث بلا حرج، ذلك لأنها اكتست بكل أنواع الماكياج والرموش الصناعية و''الشدو'' و''الآي لاينر''middot;middot; ليس هذا فحسب، بل شاهدت بوضوح تام إحدى البدويات في واحدة من هذه الأعمال التاريخية وهي ترتدي إكسسوارات ''سوارفسكي''، وفي مسلسل آخر شاهدت فارساً من قلب الصحراء ينتعل حذاء ''بوت'' إيطالي الصنع من ماركة شهيرة جداً حيث ظهر شعارها عندما هم بركوب حصانه!
أعمال غير مقنعة
هذا المقال يحتوي على 390 كلمة ويستغرق 2 دقائق للقراءة
