فاطمة الصمادي
ايران رابع اكبر منتجي النفط في العالم..لكنها تستورد ثلث احتياجاتها من البنزين..وهذا احد رهانات انصار فرض العقوبات الدولية على طهران
تصدر موضوع العقوبات الإقتصادية الجدل السياسي في إيران لهذا الإسبوع. وتقدم على مبادرات المصالحة السياسية, وتجاوز الأحاديث عن تغلغل الحرس الثوري والصفقات الإقتصادية التي يروج البعض أنها ذهبت لصالحه.. وبدأ الحديث بجدية عن أمكانية نقص البنزين جراء عقوبات جديدة سيكون هدفها شل قطاع الطاقة وفي المحصلة الحياة في إيران..وبينما اندفعت الحكومة الإيرانية إلى التقليل من شأن هذه العقوبات حتى وإن وصلت إلى البنزين, اندفع خصومها للتشكيك بذلك مؤكدين أنها اي العقوبات ليست نصرا يدافع عنه بل هي في جزء كبير منها تعكس quot;فشلا في السياسة الخارجية quot; للحكومة الإيرانية.
وبدا وزير النفط الايراني مسعود ميراظمي معنيا بإيصال رسائل داخلية وخارجية تؤكد استعداد بلاده الامل لتوفير الحاجة من البنزين, وهو ما يؤكده حجة الله غنيمي مسؤول الاستثمار في وزارة النفط بأن إيران قادرة على quot;مقاومة ومواجهة العقوبات بجميع أشكالهاquot; ولديها من الخيارات الكثير لتأمين حاجتها من البنزين. ويرى الساسة الإيرانيون أن حضورا نشطا لبلادهم في سوق النفط لثلاثين عاما يجعل من ذلك quot;عملا سهلاquot;, وتراهن إيران على استثمار علاقاتها التجارية مع شركات نفظية عدة لهذا الغرض وهي التي تحتل المرتبة الرابعة عالميا في مجال انتاج النفط الخام, وتستورد ثلث احتياجاتها من البنزين.
ووسط هذه التأكيدات كان الرئيس الإيراني محمود احمدي نجاد يتحدث عن ضرورة احداث تغيير في الثقافة الإستهلاكية لدى الناس, وتعزيز مفاهيم التوفير ووقف الهدر وغيرها من المفردات التقشفية التي تغطي مساحة ملحوظة من الخطاب الإقتصادي للرئيس الإيراني.
لكنّ محللا ودبلوماسيا هو الدكتور افشار سليماني ينتقد ما يصفه بـquot;المبالغة في التقليل من الآثار السلبية للعقوبات وتعداد محاسنهاquot; ويتساءل :هل العقوبات قدر لا بد منه لتحقيق التقدم ?
وإن كان سليماني لا ينكر أن بلاده حققت تقدما في مجالات عدة خلال سعيها لمواجهة هذه العقوبات لكنه يرى أن التطور يمكن تحقيقه بسرعة ونجاح أكبر لو لم توجد, كما أن العقوبات أثرت اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وأمنيا على المجتمع الإيراني, ويعيد إلى الإذهان حوادث سقوط الطائرات كنتيجة من نتائج العقوبات.
ولا تنكر ايران تأثير العقوبات كسبب أساسي في حوادث سقوط الطائرات التي عانت منها على مدى ثلاثين عاما, ويرجع ذلك بالأساس إلى الحظر الذي فرض على إيران بعد الثورة الإيرانية عام ,1979 والذي اشتد أثناء وعقب الحرب العراقية الإيرانية حيث وجدت إيران صعوبة في شراء الطائرات ومعدات صيانتها وقطع الغيار اللازمة لها.
وتسير إيران اليوم اسطولا جويا قديما يعاني من مشكلات كبيرة, وفي تموز الماضي تحطمت طائرة توبوليف تابعة لشركة raquo;كاسبيان إيرلاينزlaquo; الإيرانية فوق مدينة قزوين, بينما كانت تقوم برحلة إلى ارمينيا مما أدى لمقتل ركابها 168 شخصا في واحدة من أسوأ حوادث الطيران.
ومن الجوانب السلبية للعقوبات التي لا يمكن انكارها منع الاستثمار الخارجي والحيلولة دون انتقال التكنولوجيا واعاقة الإنتاج وايجاد فرص العمل خاصة في مجال استخراج وتكرير النفط والغار والصناعات الإلكترونية والحمل والنقل الجوي. إضافة إلى الأثار السلبية يرصد سليماني الذي عمل سفيرا سابقا لإيران quot;فرصا اقتصادية quot; أضاعتها إيران بسبب العقوبات وquot;سوء الإدارة quot; وأهمها مشاريع مد أنابيب الطاقة وفي مقدمتها خط نفط (باكو - تفليس - جيهان), انتقال الطاقة إلى اوروبا عن طريق نابكو - تركيا.. وتهيئة الفرصة لروسيا لنقل المزيد من الغاز إلى تركيا وأوروبا وإضعاف موقع إيران داخل أوبك, وبحر الخزر والشرق الأوسط, وهو ما أدى في النهاية إلى تراجع دور الجمهورية الإسلامية على الصعيدين الإقليمي والعالمي.
ومن الواضح أن الإدارة الأمريكية تجري مراجعة لسياسة العقوبات من خلال طرح عدد من الأسئلة تتعلق بجدوى المقاطعة والعقوبات والتهديد الدبلوماسي في تغيير سياسة ايران, وأي انواع العقوبات هو الأجدى, ومدى قدرة واشنطن على اقناع دول كبرى في الانضمام إليها في مواجهتها مع ايران?
وتعول إدارة اوباما على آلية جديدة لذلك تساعدها على ما تسميه بـ quot;لجم طهرانquot; وجعلها تقبل بما لا يمكن قبوله: ويقوم هذا السيناريو استراتيجيا على جعل ايران عاجزة عن الحاق الأذى بالمصالح الأمريكية, وشل القدرة الهجومية للجيش الإيراني,وجعل ايران بلا حليف من الناحية الدبلوماسية, واضعاف الاقتصاد الإيراني, وهو ما قد يؤثر في ثني ايران عن ادامة برنامجها النووي. واضعاف ايران وجعل حكومتها عاجزة عن الإنجاز من شأنه أن يؤدي بها الى مستقبل شبيه بما حدث للإتحاد السوفييتي. والعقوبات والمقاطعة كما تراها العديد من دوائر السياسة الأمريكية هي المفتاح لنجاح هذا التحرك, ويشمل منع بيع الأسلحة والمعدات العسكرية لإيران, ومنع بيعها التكنولوجيا, ومنع الاستثمار والعمل البنكي معها, وتقييد انتقال المال اليها, وتقييد سفر الخبراء والعمال الإيرانيين إلى الخارج وتقييد شراء وبيع الغاز الإيراني.
وتكمن نقطة ضعف هذا السيناريو في قبول دول اوروبية وكذلك روسيا والصين ودول شرق اسيا والهند بهذه البنود واعمالها وهو ما تسعى واشنطن بشكل محموم لتحقيقه ويتصدر جدول مباحثات هيلاري كلينتون, وكان محورا لدعوة أمريكية قدمها وزير المالية الأمريكي تيموثي غيتز خلال الإجتماع الأخير لصندوق النقد الدولي في اسطنبول وحث دول العالم على اعمال مقاطعة شاملة لإيران.
وإن كان خبيرا اقتصاديا مثل الدكتور غلام رضا كيامهر يشكك بنجاح سياسة العقوبات فيما تهدف إليه من شل للاقتصاد الإيراني, ووجود كثير من الدول لن تضحي بمصالحها مع إيران ارضاء لأمريكا اضافة إلى وجود آليات لكسر العقوبات المفروضة على البنوك والتعاملات المالية, الا أن العقوبات برأيه ترتب تكلفة أكبر على بلاده لتأمين احتياجاتها.0
هل ينجح الإيرانيون بإدامة التعايش مع العقوبات?
