حازم صاغية
أن يقرّ مجلس النوّاب الأميركيّ مشروع قانون للرعاية الصحيّة، فهذا يعني الكثير. إنّه، في حال موافقة مجلس الشيوخ عليه، يضمّ 36 مليون أميركيّ إلى الانتفاع بالرعاية الصحّيّة، هم، حتّى اليوم، مُستَثنون منها.
غريبٌ ألاّ يكون لحدث كهذا أثر يُذكر على من يُسمّون اليسار العربيّ، الذي يُفترض أن يكون معنيّاً، أقصى العناية، بمصالح الكادحين والمستَغَلّين، لا في بلدانهم فحسب، بل على نطاق أمميّ.
قد يقال إنّ هذا من نتائج الانحطاط الشعبويّ الذي ألمّ ببقايا اليسار فحوّلها سعياً دؤوباً للالتحاق بتنظيمات الجهاد الدينيّ على أنواعها. بيد أنّ الأمر يتعدّى تلك البؤر الصغيرة والمبعثرة إلى ما هو أهمّ وأدهى، أي سائد الثقافة والفكر العربيّين الراهنين.
وكان آخر الأمثلة على ذلك احتفال الإنسانيّة التقدّميّة بذكرى سقوط حائط برلين. فالحدث المذكور يُعدّ، رمزيّاً وفعليّاً، من معالم انتقال عالميّ ومليونيّ إلى الديموقراطيّة ومن محطّات التصدّع الذي أصاب، ويصيب، أنظمة الحزب الواحد والرأي الواحد. لكنّ الاستجابة العربيّة لم تكن أكثر من تذكير بالجدار الذي بناه الإسرائيليّون. هكذا، ومرّة أخرى، يروح العالم يتبادل الأنخاب ونحن نتقبّل التعازي.
ما لا شكّ فيه أن الجدار الإسرائيليّ عائق أمام حياة الفلسطينيّين، وأمام احتمال حصولهم على دولة، وهو، بالقدر ذاته، دليل على السويّة العدوانيّة التي يمكن الدولة العبريّة أن تبلغها في إنزالها العقاب الجماعيّ بسكّان مدنيّين. وهذا فضلاً عن أن فكرة الجدران نفسها، في زمن التواصل المعولم والمفتوح، إنّما تنمّ عن عقليّة قروسطيّة تجافي أدنى تصوّر عن الحداثة والمعاصرة.
بيد أنّ هذا شيء والمقارنة بجدار برلين وأثره شيء آخر. ووحده العقل المستوي على بساطته يفترض أنّ زوال جدار يؤدّي إلى زوال الجدران جميعاً، أو أنّ الجدران تتساوى في الأهميّة والدلالة لمجرّد كونها جدراناً!
وكان ليُسعدنا لو أنّ الكون مسكون بروحيّة سان سيمون وطوباه، بحيث تنهار الجدران دفعة واحدة ويتساوى انهيار واحدها بانهيار الآخر، فيما يبزغ الفجر الساطع على العالم وتمتدّ القنوات والمعابر بين أطرافه، كما تروح حدائقه تطفح بزهور كوريّة من النوع الذي تحاط به صور كيم إيل سونغ ونجله كيم جونغ إيل.
لكنّ العالم لا يعمل هكذا، ولا يُعقل أن يتقدّم كلّ واحد من شعوب الأرض بجداره جاعلاً من إزالته شرطاً لاعترافه بأهميّة جدار برلين وإسقاطه! فمآل تفكير laquo;مساواتيّraquo; كهذا مآل مأسويّ يحمل صاحبه على اشتهاء نزول محرقة به كشرط للاعتراف بأهميّة المحرقة اليهوديّة، بل حتّى بحصولها.
ثمّ إنّ تجربة حائط برلين وسقوطه تدلّ إلى درس يعاكس دروسنا ومعانينا. ذلك أن الألمان الذين أسقطوا الجدار كانوا يتّجهون بعقولهم وقلوبهم إلى أوروبا، إلى الديموقراطيّة السياسيّة والحرّيّة الاقتصاديّة، والى الاندراج في حركة الحرّيّة والحداثة، كائنة ما كانت التحفّظات على الاشتطاط في تلك المفاهيم. ونحن كيما نقوّي حجّتنا في إزالة جدارنا مطالَبون بسلوك مشابه، أي بأن نبرهن أنّنا نسعى إلى سويّة أشدّ تقدّماً وأكثر انفتاحاً وكونيّة. بهذا نقرن الحقّ في المساواة بين الدول، كما بين المواطنين، بالواجب الذي يلحّ علينا أن نندفع في وجهة الدول وفي وجهة المواطَنة. أمّا حين يكون بديلنا عن السلطة والوضع القائم هو حركةَ laquo;حماسraquo;، فحينذاك نكون نزرع إلى جانب الجدار الإسرائيليّ جدارين، واحداً بين الفلسطينيّين والفلسطينيّين، وآخر بينهم وبين العالم. وبهذا نُضعف السعي إلى إزالة الجدار الإسرائيليّ.
وقصارى القول إنّ قضيّة فلسطين ينبغي ألاّ تبقى مهنة، ومهنة وحيدة تُغني عن المهن والهموم الأخرى، فيُرى إلى العالم من ثقبها الضيّق حتّى تضيق هي أيضاً، على ما صاره الحال، ولا يعود العالم يراها.
