اللغة العربية في الصين.. بين السلف والخلف
خالد حسن هنداوي
لماذا انهالت عليَّ الأسئلة من الرجال والنساء والشباب والشياب في مختلف المراكز والمعاهد والجامعات والمساجد بل والأسواق، والمطاعم في عدة مدن في الصين خلال زيارتي الأخيرة، ما السبيل إلى تعلم اللغة العربية محادثة ومكاتبة؟ ولماذا لا يقوم العرب والمسلمون بخدمة لسان القرآن الكريم ويؤدون دورهم الفعال في هذا الميدان على غرار ما كان عليه سلفهم من أهل العلم والأدب، في حين أن الحراك المتواصل لنشر اللغة الانجليزية لا يهدأ وتفتح له الميزانية على مصراعيها مع أن إذاعتها لا تعدو أن تكون موجهة لدافع الثقافة أو خدمة اللغة الوطنية أو لعوامل سياسية واقتصادية، في حين أن اللغة العربية لغة مقدسة فهي دين من الدين على ما ذكره ابن تيمية في كتابه اقتضاء الصراط المستقيم quot;ص 207quot;، لأن القرآن والسنة لا يفهمان إلا بها وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وهذا هو الذي أكده الإمام الشافعي قبل ذلك وقبله حث عليه عمر بن الخطاب بقوله: تعلموا العربية فإنها من دينكم بل إن حبها من حب الله ورسوله كما ذكر أبو منصور الثعالبي quot;ت 429quot; وهو فقيهها المشهور يقول: من أحب الله أحب الرسول ومن أحب الرسول أحب العرب وأحب العربية وثابر عليها فهي من الديانة وسبب إصلاح المعاش والمعاد.
حتى بلغ حبها عند أبي الريحان البيروني quot;ت 1038مquot; الفارسي أن قال: لأن أشتم باللغة العربية أحب إلى من أن أمدح بالفارسية: ورحم الله الإمام السيوطي فقد أفاض في كتابه المزهر عن أهميتها ومزاياها وخصائصها فهي اللغة الخالدة بخلود القرآن المجيد (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون)، quot;الحجر: 9quot;، ومع كل ذلك فما يقدمه العرب حكومات وشعوبا لا يعدل القطرة مقابل البحر من العطاء الذي تزود به اللغات الأخرى خاصة الانجليزية!
إن هذا الخطب الجلل الذي حل بساحتنا وضرورة معالجته عامة وفي مثل الصين البلد الذي يشكل قارة في العالم، دفعني أن أجيب عن شأنه ولو بإيجاز عما عرفته في هذا المجال وما قرأته من جهود السلف من العرب والصينيين على حين قصرنا نحن الخلف أيما تقصير في ذلك.
يذكر الأستاذ إبراهيم تانغ جين يوان في كتابه الإسلام في الصين quot;ص 7quot; أن العرب في عام 651م أوفدوا مبعوثا لهم إلى الصين من قبل الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه في عهد حكم الامبراطور الصيني يونغ هوي فأكرمه وكانت مهمته رسمية لإظهار الإسلام، ثم توالت الصلات مع الصين عن طريق التجارة في البر والبحر وكذلك دخل الإسلام عن طريق الفتح في عهد الوليد بن عبدالملك عام 96هـ، حيث فتح القائد قتيبة بن مسلم quot;كاشغرquot; وهي على حدود الصين ودارت بينه وبين ملك الصين مراسلات حتى أدى الملك الجزية إلى قتيبة.
وقد أدخل العرب والمسلمون اللغة العربية معهم إلى الصين فانتشرت في عدة مناطق وانعدمت في أخرى ولكن أكثر ما امتدت في مقاطعة قانصو وولاية يوننان، حيث يكثر المسلمون وقد فهموا العربية وتكلموا بها والذي ساعد في ذلك اختلاط الدم بين العرب والصينيين بالتزاوج والعقيدة الواحدة.
وقد ذكر أبو زيد الحسن السيرافي الذي عاش في القرن الثالث الهجري في سلسلة التواريخ عن أخبار الهند والصين quot;ص 96quot; كيف أن ابن وهب القرشي وقف أمام امبراطور الصين مخبرا عن أحوال العرب وكان هذا بوساطة ترجمان في القصر ينقل العربية إلى الصينية ليتم التفاهم بينهما، أما إذا جئنا إلى عصر المغول في بلاد الصين فإننا نجد أن اللغة العربية أحرزت مكانة عظيمة في شتى علومها وكما ينقل الأستاذ محمد محمود زيتون في كتابه الصين والعرب عبر التاريخ quot;ص 67quot; فإن نقل اللغة وترجمتها قد ازدهرا، خاصة في بكين أو كاشغر حيث العاصمة القديمة للثقافة العربية التي كانت أشبه بخلية نحل من كثرة سكانها، بل كانت اللغة العربية قد انتشرت في تركستان الصينية قبل ظهور المغول المسلمين بعدة قرون وارتفعت إلى درجة لا تقل عن التي نالتها في بغداد خلال القرن الخامس الهجري وقد عبر عن ذلك الشيخ محمود الكاشغري، حيث ألف كتابا بالعربية سماه ديوان لغات الترك ولكن رواج العربية في عصر المغول امتد إلى ولايات كثيرة في الصين بعد ذلك.
ويحدثنا الرحالة ابن بطوطة عن انتشار العربية وتعليمها آنذاك في المساجد والزوايا وإقامة الأوقاف على العلماء والطلاب ويذكر العالم القاضي فخر الدين قاضي مدينة الخنسا، وكذلك أولاد عثمان بن عفان المصري، حيث استوطنوا هناك وحرصوا على خدمة اللغة العربية.
أما في عهد الامبراطور مينغ فقد نالت العربية عناية فائقة وكذلك في عهد quot;مانشوquot; لأنها اللغة التي نقلت علوم المسلمين وعلم الطب والهيئة وقد جاءت أكثر الألفاظ العربية ذيوعا في لغة الصين تشير إلى الأخلاقيات فكانوا متعطشين إلى لغة الإسلام مثل إيمان، حق، باطل، روح، خير، حج، عالم، وعظ، رزق، شفاعة، الله، المسلم الرسول، الإمام، المعلم، الخليفة، فهذه كلها مما دخل في لغة الصين وتناقلته الألسنة، وقد نقل الدكتور كرم حلمي فرحات في كتابه القيم الثقافة العربية والإسلامية في الصين quot;ص 67quot;، عن كتاب الشخصيات الإسلامية في الصين لمحمود يوسف لي هواين quot;ص 160quot;، كيف كان الإمام الوطني الشيخ هاده تشنغ الذي طاف مصر والهند وسيلان من أهل العلم بالعربية كان يخطب الجمعة بها ارتجالا ويعجب الناس لمواعظه بالعربية.
وكذلك العالم الجليل ماتيه سنغ الذي حج بيت الله وزار مصر والقسطنطينية ونقل علم العربية بنشاط إلى بلاده عام 1846م، وكذلك العالم الكبير هو دنغ تشوه الواسع الاطلاع لعلوم الشرع واللغة، وكذلك الإمام الكبير هوانغ هوان جيون الذي اهتم بعلوم العربية وتدريسها بمدينة ينتشوان.
أما الشيخ العالم ماده شين فقد دون بالعربية مشاهداته في رحلته إلى بلاد العرب وهو أول من ألف 30 كتابا بالعربية في الصين حتى استقر عند المسلمين الصينيين أن من الواجب على كل مسلم صيني أن يدرس العربية لاعتقادهم أنها لغة الكتاب الكريم والسنة النبوية وقد سهل ذلك العالم الجليل الشيخ محمد مكين الصيني، حيث وضع طرائق جديدة لتعليم العربية وتعبيرها حتى أفاد منه عدد كبير في الدوائر السياسية والعسكرية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية والأكاديمية، وكذلك العالم الشيخ ياسونغ تينغ الذي أسس معهد الدراسات الإسلامية في بكين، والعالم يانغ شي كشيان الذي كتب بالعربية وترجم ونشر على أن من أهم العلماء الصينيين الذين تبحروا بالعربية منذ الصغر العالم المسلم، وان تاي يوآخوند الملقب بـ جين خوي لاوزيغ أي المسلم الحقيقي وكان آباؤه من العرب المتخصصين بعلم الفلك، فعمل على نشر العربية في بكين وكتب العديد من الكتب العربية في مختلف العلوم وتابعه العالم ماليانغ جيون الذي شرح عددا من الكتب باللغة العربية.
وغير هؤلاء كثير لا يحصرون بمثل هذا المقال، ولقد كانت المساجد في عدة ولايات الأوعية الكبيرة لتعلم العربية للصغار والكبار وكانت الكتاتيب تهتم بالصغار، ثم لم تقصر المدارس والمعاهد والجمعيات الإسلامية المختلفة الأغراض بالاهتمام بالعربية تدريسا وخطابا.
ثم ان العلماء الصينيين رأوا ضرورة الحاجة إلى مترجمين باللغة العربية بعدد أكبر فرأى العالم الكبير برهان شهيدي أن يقدم للدوائر المعنية اقتراحا بذلك وقد تم هذا بإيفاد بعثات دراسية إلى مصر والبلاد العربية ليرجعوا إلى الصين ويسهموا في الترجمة، ولقد كان العالم وانغ داي يوي من أوائل المؤلفين في الثقافة العربية التي نقلها إلى الصينيين، وكذلك المؤرخ الإسلامي مابي يوي واسم محمد من قومية هوي ألف في الثقافة العربية والإسلامية وله موسوعة الإسلام الصينية.
وكذلك العالم الجليل بدر الدين هي الصيني الرحالة إلى بلاد العرب والمسلمين والذي له كتاب مسلمو الصين وكتاب الإسلام وتركستان الصينية، على أن أول من ألف في تاريخ الإسلام في الصين بعد تعلم العربية هو المؤرخ الكبير باي شوبي واسم كمال الدين إذ له موجز تاريخ الإسلام في الصين، وقد نشطت حركة الترجمة لمعاني القرآن والسنة والأحكام إلى الصينية من قبل علماء كبار في ذلك.
أما عن العرب الذين ساعدوا في نشر العربية وثقافتها فقد تعددت البعثات لهذا الغرض فقامت بعثة الأزهر الشريف التي وفدت في عهد الملك فؤاد للقيام بهذا الواجب، كما يذكر الأستاذ سعيد لنجوتمن في كتابه نبذة عن الصين quot;ص 44quot;، وكانت قد خصصت لبعثة الصينيين إلى الأزهر الشيخ محمد الزفراني ليذكرهم علوم العربية، وقد ترجمت بعض البعثات كتبا عربية مثل كتب أحمد أمين فجر الإسلام وضحى الإسلام وظهر الإسلام وكذلك كتاب مجدولين للمنفلوطي وتاريخ التشريع الإسلامي للخضري ومناهل العرفان لعبدالعظيم الزرقاني والخلفاء الراشدون لعبدالوهاب بخار، ولقد كان في البعثة الأزهرية إلى الصين الشيخان محمد سيد الدالي وإبراهيم فليفل عام 1933 وقد درسا اللغة العربية والدين وعلى أثر زيارتهما تكونت مكتبة فؤاد الأول في الصين.
وهكذا ndash;وبمثل هذا الإيجاز الذي يعطي بصيص ضوء على التعارف بين العرب والصينيين لتعلم العربية والتعبير بها للاعداد إلى التفاهم والعلاقات المثمرة وفهم الدين وطبائع الشعبين لدرجة أننا وجدنا الصينيين المسلمين يجملون منازلهم باللوحات ذات الخطوط العربية ويعتبرونها من أثمن الهدايا التي قد تقدم إلى كبار الشخصيات، كما أشار إلى ذلك عالم الآثار ماي ينغ خاو.
أقول: لابد لنا نحن الخلف عربا ومسلمين أن نشمر عن ساعد الحركة والهمة ونقدم كل خدمة جليلة للغة القرآن ولو بإنشاء مراكز لدورات تدريبية في أهم المواقع تنفيذا لتوصيات منتدى الخبراء العرب والصينيين مؤخرا واستجابة للشرع الحنيف الذي يوجب علينا ذلك على الدوام ما استطعنا إلى ذلك سبيلا حتى نكون خير خلف لخير سلف.
فمن تكلم العربية فهو عربي وللعربية حق على كل عربي ومسلم.
