مالك التريكي

كان الناشر البريطاني الراحل روبرت ماكسويل يرى أن امتلاك الإعلام في المجتمعات الديمقراطية الليبرالية هو أهم من امتلاك السلطة: ذلك أن السلطة السياسية لا تدوم، فهي محدودة بولايتين أو ثلاث، أما ملكية السلطة الرابعة فهي قابلة للدوام إذا تمكنت المؤسسة الإعلامية من تحقيق الانتشار الشعبي والنجاح التجاري!
لكن رغم معقولية هذا الرأي، فإن من السهل الاعتراض عليه بأمثلة مضادة. ولعل أول هذه الأمثلة يكمن في سيرة ماكسويل نفسه. فقد أغرق هذا الرجل امبراطوريته الإعلامية في بحر من الديون وعمليات الاحتيال قبل أن يرحل على متن يخته الفاخر ويلقى حتفه غرقا في ظروف مشبوهة قبالة جزر الكناري أواخر عام 1991. كما أنه كان لا يكف عن المفاخرة بأنه يعرف كثيرا من قادة الدول والحكومات معرفة شخصية، هذا قبل أن يكتشف الباحثون من أمثال غوردون توماس ومارتن ديلون أنه كان 'الجاسوس الأعظم لإسرائيل'.
كما أن من الممكن الاستدلال على الهشاشة التجارية للإعلام، وبالتالي على عدم قابلية السلطة الرابعة للدوام، بالأزمة الخانقة التي تتخبط فيها كثير من الجرائد، والتي كان من أحدث أخبارها قرار صحيفة 'سياتل بوست انتلجنسر' الأمريكية الأسبوع الماضي التوقف عن النشر بعد 146 عاما من العمر، واضطرار الشركة الناشرة لجريدة 'ديلي ميل'، وهي من أكثر الجرائد شعبية في بريطانيا، إلى فصل ما لا يقل عن ألف موظف.
ومع هذا فإن الرأي القائل بأن السلطة الإعلامية في الديمقراطيات الليبرالية هي أرجح وزنا وأطول عمرا من السلطة السياسية هو رأي على قدر كبير من الصحة. إذ من الذي ما زال يحفَلُ، مثلا، بالرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الأب أو يهتم برأيه؟ وهل هناك من يهتم الآن (باستثناء بعض الحكام العرب طبعا) باستقبال الرئيس السابق بيل كلنتون استقبالا رسميا؟ ومتى كانت المرة الأخيرة التي سمعت فيها اسم رئيس الوزراء البريطاني السابق جون ميجور الذي كان هو وبوش الأب ملء السمع والبصر إبان أحداث جسام مثل حرب تحرير الكويت؟ وهل حدث لك هذه الأيام أن سمعت ذكر الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك في نشرة الأخبار؟ وماذا عن الرئيس السابق فاليري جيسكار دستان، أفما زال بين الناس من يذكره باستثناء بعض العرب ممن سمعوا الشيخ إمام يغني بمناسبة زيارته لمصر 'فاليري جيسكار دستان والست بتاعه كمان، جايبين الديب من ذيلو وحيشبعوا كل جعان'؟ وأين هي الدنيا اليوم من ذكر المستشار الألماني السابق هلموت شميدت أو خلفه هلموت كول الذي كان مهندس الوحدة الألمانية في إحدى أهم لحظات القرن العشرين؟
على أن هنالك بالمقابل في الديمقراطيات الليبرالية ساسة أفضى بهم مسار الحياة إلى إيثار الإعلام على السياسة. ومن هؤلاء الوزير البريطاني السابق مايكل بورتيلو الذي كان نجم حزب المحافظين وكان يُتوقع له أن يصير زعيما فرئيس وزراء. إلا أنه اختار بعد انهزامه في انتخابات 1997 الانقطاع عن السياسة والانشغال بالصحافة، سائرا بذلك على خطى والده الذي عمل صحافيا في القسم الإسباني بهيئة الإذاعة البريطانية عقب لجوئه إلى بريطانيا إبان الحرب الأهلية الإسبانية في الثلاثينيات. وقد يجوز أن يعدّ من هؤلاء أيضا السياسي البريطاني المخضرم كنث كلارك الذي تقلب في كثير من المناصب الوزارية طيلة ثمانية عشر عاما من حكم المحافظين، والذي يحظى بشعبية كبيرة لدى الجمهور لكن حزبه يأبى أن يسند له الزعامة بسبب مواقفه المساندة للاتحاد الأوروبي! صحيح أن الحزب استنجد به مطلع هذا العام فعيّنه وزيرا للأعمال في حكومة الظل، لكن كلارك البشوش المرح لا يأخذ الأمر مأخذ الجد المفرط، ولهذا فهو لا يزال مواظبا منذ أعوام على تقديم برنامج إذاعي أسبوعي عن موسيقى الجاز التي يعشقها عشقه للسيكار وكرة القدم.
أما وزير المالية السابق اللامع نايجل لوسون، فقد كان قبل ممارسة السياسة صحافيا ناجحا، كما أنه لا يزال حتى الآن يزاول الكتابة خاصة في الفاينانشل تايمز. ولعل أبلغ تلخيص لقضية المفاضلة بين السياسة والإعلام، أي بين السلطة ببهرجها الزائل وبين صاحبة الجلالة الحسناء على الدوام، يكمن في أن نجله دومينيك لوسون لم يصبح من السياسيين، لكنه صار من أبرز الصحافيين في هذه البلاد. أي أن ما عرفه الرجل عن واقع الممارسة السياسية قد يسّر له اتخاذ القرار المصيري بألا يرث عن أبيه إلا جينات الصحافة!