مواجهة الكوارث العالمية تحتاج إلى ثورة ضد النموذج الغربي للحياة

سليمان صالح



الكوارث المتوالية التي يتعرض لها العالم سببها الرئيسي هو النموذج الغربي للحياة الذي فرضته الرأسمالية العالمية .هذا النموذج يهدف لتحويل الإنسان إلى مستهلك يعمل بشكل شاق ليحصل على أكبر قدر من المال ليشبع به رغباته المتجددة والتي تحفزها الرأسمالية بالإعلانات التي تدعوه بشكل مستمر للإنفاق السفيه .


والإنسان أصبح عبدا لثقافة الاستهلاك التي تنشرها الرأسمالية باستخدام كل وسائل الاتصال الحديثة ، وأصبح يتصور أن السعادة تكمن في الحصول على المال اللازم لتمويل عملية الشراء المستمر . ولقد حددت الرأسمالية وظائف الإنسان في أن يعمل ويتسلى ويتسوق ويصمت .. تلك هي الصيغة التي أرادها أباطرة الرأسمالية الذين بنوا الاقتصاد المعولم ، وخدعوا العالم باستخدام شعارات التقدم والحداثة والعصرنة والعولمة .

استغلال طاقة العمل


هذه الثقافة كانت ضرورية لاستعباد ملايين العمال واستغلال طاقاتهم في عملية الإنتاج الكبير ، وتحقيق أقصى قدر ممكن من الأرباح للشركات عابرة القارات . ولقد أثبتت التجربة التاريخية أن النظام القديم للسخرة الذي يقوم على إجبار العمال على تنفيذ الأوامر باستخدام السياط والقهر لم يعد مناسبا ، وأنه نظام فاشل يؤدي في النهاية إلى ثورات المقهورين،ولذلك فقد تم استبدال القوة الخشنة في قهر العمال بقوة ناعمة تقوم على دفعهم لتحقيق أهداف أباطرة الرأسمالية العالمية وهم يتصورون أنهم يكافحون للحصول على المال اللازم لإرضاء رغباتهم . وهذا النظام يبدو عادلا ، وهو يقوم على ظلم لم تشهده البشرية من قبل ، فهو عدالة زائفة ، وظلم خفي وعبودية قانونية وقهر مستمر . العمال في الرأسمالية يعملون بأقصى طاقاتهم وهم يتصورون أنهم يعيشون في نظام يوفر لهم إمكانيات للحياة ، حتى يضيع العمر ويفقدون القدرة على العمل ، أو تأتي الكارثة المتوقعة فيتم طردهم بعد الحصول على قدر من التعويض يكفي بالكاد لتغطية نفقات سنوات قليلة . وكل عامل اغرق بعرقه المصانع والمناجم ولكنه في النهاية لم يحصل على مقابل لهذا العرق سوى بعض المال الذي أنفقه في شراء وجبات سريعة تسبب السرطان والسمنة والضعف الجنسي ، وفي شراء كميات من المشروبات الخفيفة التي تزيد إمكانيات الإصابة بالسكر ، وفي شراء منزل مرهون للبنك ، لذلك عليه أن يواصل العمل الشاق ليسدد الديون ليحمي نفسه من السجن . تلك هي حال الملايين من العمال في أوروبا وأمريكا الذين قامت على أكتافهم المصانع ، واستغل الرأسماليون عرقهم ليبنوا تقدما زائفا يتمثل في ناطحات سحاب وشوارع نظيفة تسير فوقها ملايين السيارات في حالة زحام يدمر الأعصاب ويفني الأعمار ويحرق الدم ويصيب الإنسان بالاكتئاب ، ويدفع الإنسان للعنف مع غيره من الناس الذين يريدون أن يدمروا أنفسهم قبل أن يدمروا الآخرين .
المرتزقة
قد يفسر ذلك وجود عشرات الآلاف من الجنود المرتزقة في الجيش الأمريكي الذي يحتل العراق وأفغانستان ، وهم يعاملون على أنهم أقل من مرتبة البشر ، ولذلك فإنهم يقتلون دون أن يضع الجيش الأمريكي أسماءهم في عداد القتلى ، ودون أن يدخلوا في خسائر الأمريكيين ، ويصابون دون أن يحصلوا على علاج مناسب . فما الذي دفعهم لقبول ذلك الوضع المهين لكرامة البشرية كلها ؟! لقد جاء هؤلاء ليحصلوا على الجنسية الأمريكية ليتمكنوا من الإقامة فيها والعمل داخل النظام الرأسمالي ، وليحصلوا على المال اللازم لإشباع رغباتهم المادية التي تبدو ضرورية في إطار الحياة الحديثة.
هذا هو الهدف الذي جاء يقاتل من أجله هذا المرتزق المسكين ، وليقاتل بشراً لا يعرفهم ، ولا يعلم لماذا يقتلهم ؟، وبذلك يكون مجرد قاتل مأجور وليس جندياً يحارب من أجل قضية عادلة .
أما الذين يحملون الجنسية الأمريكية فقد جاءوا ليحصلوا على المال الكافي لحل مشكلاتهم المادية فالعمل داخل الجيش أفضل من البطالة ، وربما تؤمن سنوات الخدمة في الجيش لهذا الجندي العمل لسنوات طويلة قادمة .
هذا الجندي أيضاًَ لا يحارب من أجل قضية عادلة ، وهو مجرد عبد استخدمه سادته من الرأسماليين البيض ليحققوا به أهدافهم في السيطرة على دولة غنية بالبترول لنهب هذه الثروة . المال الذي يحصل عليه هذا الجندي هو مقابل حريته لسنوات واستغلال طاقته الإنسانية هي ارتكاب مذبحة تاريخية ضد شعب لا يعرفه ، وهو يجب أن يعامل كمجرم .
هذا الجندي العبد لا يختلف عن العامل الذي أنفق عمره كعبد للرأسماليين في المصانع والمناجم التي تديرها الشركات عابرة القارات ، وفي النهاية كان الثمن الذي حصل عليه مقابل عرقه هو قدر من المال أنفقه على شراء بعض السلع الاستهلاكية .
ثم تسوق
لكي تعيش في هذا العالم الذي تديره الرأسمالية فإن عليك أن تستخدم كل طاقاتك في العمل الشاق لتحصل على المال . حسناً ها أنت قد حصلت عليه فماذا تفعل به ؟.
الإعلانات في التليفزيون والصحف والإنترنت والشوارع توجهك لإنفاقه وتغريك بالشراء ، وتوفر لك الفرص للحصول على المتعة المادية الحسية .
وفي النهاية تتحول عملية التسوق نفسها إلى إدمان ، فالإنسان يشتري مالا يحتاج إليه ، ويشتري شيئاً لمجرد وجود تخفيض يجعله أقل من سعره في المواسم العادية أو المراكز التجارية .
الرأسمالية تريدك أن تدمن الشراء ، وأن تغير بشكل سريع كل الأجهزة والأدوات والملابس التي تمتلكها ، كما تغير البيت والسيارة ، فالحياة الحديثة سريعة ، وما تشتريه اليوم سيصبح غداً دلالة على الفقر ، وسيعتبر متخلفاً بالنسبة للسلع الجديدة والتي تم إدخال الكثير من التحسينات عليها . التقدم يتطلب أن تسرع بشراء السلع الجديدة الأكثر أناقة وتقدماً . سيعتبر الآن من البؤساء من يحمل تليفونا محمولاً كان يعتبر متقدماً منذ سنوات قليلة ، وكذلك من يركب سيارة كان تشكل حلماً لملايين الشباب منذ زمن لا يبدو بعيداً .
والمشكلة أن الشراء لم يعد لتلبية الاحتياجات الضرورية ، ولكن لإشباع الشهوة للاستكبار على الآخرين ، والظهور بأنه أفضل منهم وأكثر ثراء ووجاهة .
تسلى واخرس
ثقافة التسلية أصبحت جزءاً أسياسياً من ثقافة الاستهلاك ، فالإنسان الذي امتلك الوسائل الحديثة مثل التليفزيون والإنترنت يستخدمها للهروب من الواقع ، وقضاء أوقات الفراغ والحصول على متعة سريعة تقوم على مشاهدة الرقص والأجساد العارية والأغاني الهابطة والدراما التافهة .
هذه التسلية تستبعد روح الإنسان وتقلل من قدرته على التفكير في القضايا الجادة أو القيام بعمل منظم ، أو الاشتراك مع الآخرين في مقاومة الاستغلال الرأسمالي .
هذه التسلية توفر له فرصا لحلول فردية قد تشكل في حد ذاتها جريمة ، دون أن يفكر في المشاركة في التوصل إلى حلول للمشكلات العامة أو لمواجهة الظلم العام . وهكذا أصبح على الإنسان أن يتسلى ويخرس ،والتسلية تعلمه الخرس فأصبح كالشيطان الأخرس لا يستطيع أن يقاوم ظلما أو يقيم عدلا أو يبني حضارة . هذا هو النموذج الغربي للحياة الذي حول الإنسان إلى عبد للرأسمالية وافقده كرامته الإنسانية .. ولذلك تتوالى الكوارث على هذا العالم مثل الأزمة الاقتصادية والفقر والبطالة والأوبئة .
وهناك نذر كوارث قادمة قد تؤدي إلى فناء البشرية إذا لم يدافع الناس عن حقهم في الحياة .
مواجهة الكوارث القادمة تحتاج إلى ثورة على النموذج الغربي للحياة ، وعلى العبودية الحديثة وعلى ثقافة التسلية والاستهلاك .

2009-06-17