21/06/2009
ما هو أبعد من فوز موسوي أو أحمدي نجاد
حامد الحمود
لو استطعنا ان نجمع افضل العقول في علمي السياسة والرياضيات لما استطاعوا ان يخبرونا بدقة ماذا سيحصل في ايران خلال الايام المقبلة. لان ما سيحصل يعتمد على توقع سلوك ملايين من البشر، وردود افعال ملايين آخرين من البشر عليها، وهو امر يستحيل تحويله الى نموذج رياضي نستقي منه نتائج مؤكدة، لكن العلوم الاجتماعية ومنها العلوم السياسية، لها وسائلها، ولعل اهم وسائلها لتشرح ما يتوقع منها ان تشرحه، هو الهروب من الاجوبة الدقيقة. لذا، فان الانسان العادي والمتخصص لن يكون قد جانب الصواب عندما يستنتج ان ايران في حالة تحول، يصعب التنبؤ بسرعته، وانه لا احمدي نجاد ولا المرشد الاعلى علي خامنئي يستطيع ضبط سرعته او اخماده. فما شهدته ايران من احتجاجات على ما يعتقد من تلاعب او تزوير لضمان اعادة انتخاب احمدي نجاد فاجأ الجميع بمن فيهم المرشد الاعلى علي خامنئي، وكان من نتائج هذه المفاجأة ان ادخل المرشد الأعلى نفسه في سلوكيات أضعفت الثقل الرمزي والديني للمرجعية الاولى في ايران، واحدثت شرخا في مبدأ ولاية الفقيه.
فنحن امام شخصية يفترض فيها ان تكون laquo;ممثلة للقوة الإلهية على الارض، أي الامام الغائبraquo;، على حد تعبير امير طاهري في laquo;الشرق الاوسطraquo; بتاريخ 17/6، وهي بذلك تكون معصومة عن الخطأ، نجدها تتراجع عن تصريحها، بان يد الله تدخلت في فوز نجاد، بقبولها التحقيق في دعوى عدم نزاهة الانتخابات، التي كانت يد الله قد تدخلت في نتائجها. فالمرشد الاعلى ومنذ بداية الحملة الانتخابية، تبنى موقفا منحازا لاحمدي نجاد بدل ان يحافظ على مسافات متساوية من كل المرشحين. فكان ان دخل اللعبة السياسية بصورة أضرت بمركز المرجعية الاولى في ايران، وضاعفت الشكوك حول امكان وجود ولي فقيه. بل ان ذلك ولّد جدلا كذلك حول ما اذا كان المرشد الاعلى علي خامنئي قد قفز الى درجة آية الله من دون ان يستغرق وقتا كافيا في درجة حجة الله.
قد لا نستطيع ان نتوقع ما سيحصل في ايران خلال الايام المقبلة، لكن لا خلاف على انه ان كان يهم الايرانيين في الدرجة الاولى، فانه يهم المسلمين في العالم كله. فالتحولات التي ولدتها الثورة الايرانية منذ عام 1979 عبر الحدود، أكبر من ان تحصى او تدون في مرجع واحد. فقد غيرت سلوكيات المسلمين وطموحاتهم في الجوانب السياسية والاجتماعية، فالصحوة الاسلامية التي اصابت الشارع السني منذ 1979، كانت الى حد كبير ردة فعل، لتولي المرجعيات الدينية السلطة في ايران. الاسلام السياسي، والتمويل الاسلامي، وحجاب النساء، وسلفية الرجال ونقاب النساء، ما كان يمكن ان يكون بهذه الكثافة والازدهار، من دون الصحوة الاسلامية التي أجّجتها الثورة الايرانية.
لذا، فان هذه التحولات التي تهب على المجتمع الايراني، وعلى يد رجال ونساء نشأوا ضمن رحم الثورة هي اكثر اهمية من ان الرئيس سيكون احمدي نجاد او حسين موسوي، فمنذ عام 1979 لم يحصل استقطاب داخل المؤسسة الدينية في ايران مثلما تشهده الآن. ولم يحصل ان اصطف هذا العدد الكبير من المراجع الدينية في معارضتها للمرشد الاعلى ولاحمدي نجاد.
ان ايران مقبلة على تغيير، وسيكون تغييرا يراجع دور رجال الدين في المجتمع من فعل رجال الدين انفسهم، لكن هذا ما كان سيتم لولا توق هؤلاء الشباب من النساء والرجال الى التخلص من سطوة الحكم الديني، الذي اهانهم وعزلهم عن العالم. فمتى يراجع دور رجال الدين عندنا، ومتى نصحو من هذه الصحوة؟!
