ديناميكية الوضع الراهن في الخليج العربي
أحمد سالم الوحيشي
بمطالعة التاريخ الحديث لمنطقة الخليج العربي وخاصة منذ منتصف القرن الماضي والتي تزامنت عالميا مع اندلاع الحرب الباردة بين الكتلتين المتنافستين آنذاك حلف الناتو وحلف وارسو، وتطورات تلك المنافسة بين القطبين العالميين على امتداد الستينات والسبعينات وما طرأ عليها من تطور في السبعينات بهزيمة الولايات المتحدة في حرب فيتنام آسيويا.
وتحول عدد من الدول الافريقية والأميركية اللاتينية نحو الأنظمة الراديكالية وتحالفها مع الاتحاد السوفيتي السابق، ثم ما شهده العالم من عملية وفاق بين القطبين (ما سمي DETANTE) كانت منطقة الخليج حينها بشقيها العربي والإيراني تشهد تطورات.
خاصة مع اندلاع الثورة الإيرانية بحيث لم تعد هذه المنطقة بكاملها متحالفة مع الغرب، إذ إن الثورة الإيرانية وبإزاحتها لشاه إيران ابتعدت عن التحالف مع الغرب. وبذلك شهدت منطقة الخليج استقطابا جديدا كان من تداعياته اندلاع الحرب العراقية الإيرانية (حرب الخليج الأولى) ثم حرب تحرير الكويت (حرب الخليج الثانية) ثم الحرب على العراق في 2003 (حرب الخليج الثالثة).
وكانت الولايات المتحدة في الحقبة الأخيرة من الحرب الباردة وحتى الآن بعد انتهاء الحرب الباردة تؤكد على أن منطقة الخليج تمثل منطقة مصالح حيوية لها.
وشهدت العلاقات الأميركية الإيرانية مدا وجزرا يذكر منها في نهاية السبعينات دعم الولايات المتحدة للعراق تارة في الحرب ضد إيران، وصفقة الولايات المتحدة مع إيران بمنتصف الثمانينات تارة أخرى بما يسمى laquo;إيران جيتraquo; الذي أثير كثير من الجدل حولها، وما إذا اثبت الغرب من خلال ذلك الاتفاق السري أنه يعرف كيف يستعمل أوراقه في تحقيق اتفاق ما عبر وسطاء إيرانيين رسميين أو من رجال الأعمال في الجمهورية الإسلامية على الرغم من جوانب الاختلاف الأخرى.
ومن التطورات الهامة التي يمكن ملاحظتها على سبيل المثال في هذه العلاقة انه عندما عبرت إدارات سابقة في الولايات المتحدة عن دعمها لزعامات إصلاحية في إيران كانت هذه الزعامات تتأثر سلبيا بعلانية الموقف الأميركي المتعاطف معها واليوم وبعد مجئ إدارة اوباما وما أبدته من مواقف في الانتخابات الأخيرة يعتقد البعض أن علانية التعاطف الأميركي مع مرشحي التيار الإصلاحي في إيران (بعيدا عن النتائج الرسمية للانتخابات الإيرانية) لم تضعف التيار الإصلاحي كما هو الحال في السابق.
وبمحاولة فهم الخلاف بين التيار المحافظ والتيار الإصلاحي في إيران يلاحظ أنهم ينتمون لنفس المؤسسة وتخرجوا من نفس المدرسة (مدرسة قم التي تأسست في عام 1503م والتي لم تكن على أساس ديني فقط، وإنما تشمل نشاطاتها جوانب علمية أخرى) ونجد أن هذا الخلاف بين التيارين من بين أسبابه هو محاولة الإجابة على السؤال الرئيسي وهو، هل يكتفي هؤلاء العلماء بتوجيه الثورة أم يكون لهم الإدارة والإشراف الكاملين عليها؟
ومن معالم الظاهرة الإيرانية أنها لا تقتصر فقط في الظرف الراهن على تنافس الإصلاحيين والمحافظين في مؤسس الحكم وانما هناك أيضاً تنافس تيار رجال الدين مع تيار رجال الأعمال (بازار طهران).
كما ان الظاهرة الإيرانية بحاجة إلى معرفتها بطريقة أفضل وخاصة من زاوية فهم مصلحة كل طرف اقليمي ودولي.
وبالعودة إلى التاريخ الحديث للمنطقة وخاصة في إيران وبدون السرد المطول الذي لا يتسع المجال لاستعراضه للتاريخ الإمبراطوري القديم لإيران على الرغم من أهميته، أردنا إيجاد توطئة لقراءة ديناميكية الوضع الراهن على ضفاف الخليج العربي. ففي الوقت الراهن تؤكد الدول العربية على أهمية أن لا تتدخل إيران في شؤون العالم العربي وبالمقابل ترى إيران أن أمن المنطقة يجب أن لا تتدخل فيه القوى الدولية.
وفي ظل هذه المواقف وفي ظل أن الملف الإيراني النووي لم يزل مفتوحا على مصراعيه، فإن الأسرة الدولية تتابع باهتمام أوضاع المنطقة وخاصة الولايات المتحدة القوة الأعظم في العالم.
ومن هنا جاء تصريح وزيرة الخارجية الأميركية السيدة هيلاري كلينتون ضمن خطابها في اجتماع الآسيان في بانكوك في يوليو الماضي والذي إلى جانب تأكيدها فيه على موقف الإدارة الأميركية الجديدة بالسعي لحل الملف الإيراني النووي عن طريق المباحثات.
إلا أنها اعلنت أن من ضمن التدابير إذا لم يحل الملف النووي الإيراني عن طريق المفاوضات، إقامة مظلة دفاعية لدول المنطقة ترعاها الولايات المتحدة. وهنا يتساءل المراقبون هل قصدت السيدة كلينتون بمظلة الدفاع أن تكون مظلة دفاعية نووية، وبالتالي إدخال المنطقة في سباق تسلح وبناء عسكري خطير.
إن مسؤولية الأطراف الإقليمية والدولية المشتركة هي في جعل منطقة الخليج والشرق الأوسط منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل على طريق إخلاء القارة الأسيوية والعالم من أسلحة الدمار الشامل، فالسلسلة النووية الأسيوية من إسرائيل مرورا بجنوب أسيا وحتى الصين وكوريا الشمالية أمر يوسع من سباق التسلح النووي ويضع تحديا أمام السلام الاقليمي والعالمي.
وان أحد الشروط لتحقيق السلام الاقليمي في الخليج العربي لن يتأتى إلا من خلال إحداث توازن القوى كما يؤيد الكثير من السياسيين ذلك، بما فيهم السيد كسينغر وزير الخارجية الأميركي الأسبق والذي يكرر باستمرار مقولة الزعيم البريطاني تشرشل بأهمية توازن القوى.
إن الأوساط السياسية تعول على التغيير الذي جاءت به إدارة اوباما الجديدة والذي من شأنه أن يجعلها تدرك أن أيا من دول المنطقة مهما عظم دورها تظل قوة اقليمية ولن ترتقي إلى مستوى قوة الولايات المتحدة، إلى جانب رغبة إدارة اوباما الجديدة في الخروج من العراق. وبالتالي تتطلع الأسرة الدولية إلى حل الملف النووي الإيراني وغيرها عبر المباحثات وليست باللجوء للبدائل الأخرى في منطقتنا.
