بعد ظهور منقبتين بتنورتين قصيرتين في باريس
باريس ـ هيثم أحناش
يبدو أن عدوى السخرية من النقاب ومحاولة حظره لم تعد تقتصر على البرلمانات والجرائد والمجلات والمواقع والمنتديات فقط، بل طالت السجاد الأحمر الهوليوودي في لوس أنجليس. فقد حضرت مغنية الراب البريطانية من أصل سريلانكي لقاعة حفل 'جوائز سكريم' بلوس أنجليس مرتديةً النقاب، وهو ما أثار استغراب المصورين والإعلاميين الذين لم يترددوا في التقاط عشرات الصور لها، فهم لم يتعودوا رؤية أقدام المنقبات تطأ السجاد الأحمر! وخلافاً للطالبتين الفرنسيتين اللتين جابتا شوارع باريس بنقاب وتنورة قصيرة فوق الرُكب للتنديد بقانون حظر النقاب، أتت نجمة الراب المولودة في لندن من أبوين سريلانكيين بهذا الزي لتسخر من النساء اللاتي يرتدينه، وحيتهن تحيةً خاصة تمثلت في إصدار إشارات بذيئة بأصابع يدها ضد المنقبات! فهل أصبحت قضية المنقبات صرعةً فنيةً جديدةً لاعتلاء سلالم الشهرة والقفز إلى العالمية؟ ولماذا يقفز موضوع النقاب من الساحتين السياسية والدينية والمجتمعية إلى الساحات الفنية وغيرها من الساحات، علماً بأن مرتديات النقاب أقلية قليلة في العالم، وعلماً بأن هناك العديد من المشكلات أكثر أولوية كان حرياً بالفنانين الإشارة إليها والدفاع عنها، مثل الفقر والجوع والبطالة والاحتباس الحراري والدعارة وغيرها.
يتفهم الجمهور دوافع مايا (اسمها الكامل مايا أرولبراقاسام) عندما تدافع عن البؤساء والمقهورين والمظلومين حول العالم اقتداءً بوالدها التاميلي الذي تصفه بـ'المحارب من أجل الحرية'، مع تحفظنا على طريقة الدفاع والاستنكار. أما عندما تهاجم المنقبات بهذه الفظاظة والسوقية، فهو ما يتعارض مع رقي الفن وسمو رسالته، ومع ادعاءاتها الدفاع عن الحرية وحق الجميع في العيش بكرامة! وقد سبق للفنانة متعددة المواهب مايا ذات الـ28 ربيعاً أن أثارت الشغب والمتاعب من خلال الرسائل التي تحاول إيصالها من خلال ألبوماتها الغنائية وأزيائها، كان آخرها ألبوم 'ولدت حرة' الذي منعه موقع يوتيوب بسبب مشاهده العنيفة وغير اللائقة. ألا تعتبر الإشارة التي أصدرتها مسيئةً إلى المنقبات وتتعارض مع حريتهن الشخصية في لبس ما يشئن؟ ألا تعتبر إيذاءً لزي ثقافي قبل كونه دينياً ترتديه العديدات من المسلمات؟ لا أعتقد أن ممثلاً أو فناناً يتجرأ على لبس أزياء اليهود أو المسيحيين أو البوذيين أو رموزهم الثقافية، لأنه سيجد اتهاماً فورياً بمعاداة السامية والعنصرية وغيرها من التهم الجاهزة، واستنكاراً من أرقى المنابر العالمية، أما أن يتعرض للدين الإسلامي الذي أصبح حائطاً يتجرأ على تطاوله والقفز عليه من هب ودب، فإن ذلك لن يعرضه لسوء البتة، بل سيزيده شهرةً وشعبيةً في صفوف من يدعون تحرير المرأة وتحريرها من كل أنواع النقاب التي تقيد حريتها هاته.
عندما تعالت أصوات البرلمانيين الفرنسيين بين مناصر ومعارض لقانون حظر النقاب، ظهرت منظمات وجمعيات وتعالت صيحات هناك وهنالك. فجمعية 'لا عاهرات ولا خاضعات' من أرض الأنوار التي تعتبر جميع من يرتدين الحجاب والنقاب من المضطهدات اللاتي يجب تحريرهن لم تترك منبراً ولا مناسبةً إلا واتهمت أزواج المنقبات بالمتطرفين والرجعيين والظلاميين وكل النعوت الشنيعة والقبيحة، ولم تتوان في المطالبة بسجنهم وإنزال عقوبات سلب الحرية عليهم، علماً بأن استطلاعات الرأي بينت أنه لا دخل للأزواج والآباء في وضع زوجاتهن وبناتهن للنقاب، مشاهد التهكم والسخرية من النقاب أصبحت تسترعي انتباه العديد، وكما بلغ عدد مشاهدي الفرنسيتين بالنقاب و'الميني جيب' في موقع يوتيوب فقط 71 ألف مشاهد، فإني أتوقع أن صور الفنانة مايا سيشاهدها أيضاً الآلاف من المشاهدين، رغم تعارض رسالة الصورتين بين مندد على الطريقة الباريسية، ومتهجم على الطريقة 'التاميلية'.
