عبدالله خليفة الشايجي
أميركا وتسمية الخليج العربي
الاتحاد الأماراتية
كان من المفترض أن يكون مقال اليوم تكملة لمقال الأسبوع الماضي حول كيفية توظيف قدرات العرب لتحويل الشراكة العربية مع واشنطن إلى طريق باتجاهين لبناء علاقة ربحية متكافئة تخدم الطرفين معاً. ولكن حصل تطوران ملفتان في الأسبوع الماضي في ملف إيران النووي. الأول خبر نشر في quot;نيويورك تايمزquot; عن عزم واشنطن وحلفائها في مجموعة الدول الخمس دائمة العضوية وألمانيا، فرض مزيد من العقوبات والتعامل بمزيد من الشدة مع ملف إيران النووي. وبالتأكيد فإنه لا يُتوقع أن تقبل إيران بما سيعرض عليها على رغم موافقتها على استئناف المفاوضات مع المجموعة الدولية عقب عطلة عيد الأضحى في منتصف نوفمبر الحالي. مما يعني العودة إلى المربع الأول، وبقاء الأوضاع على حالها من المراوحة والمزج بين الدبلوماسية المتشددة والعقوبات والتهديد ببقاء جميع الخيارات على الطاولة.
أما التطور الثاني الملفت من الطرف الأميركي في المواجهة المستمرة بين الولايات المتحدة وإيران، والذي لم يلقَ صدى عربيّاً رسميّاً أو تغطية إعلامية عربية، فهو حول إمكانية تغيير أميركا الرسمية لموقفها من الموضوع مثار الجدل بين دول مجلس التعاون والدول العربية من جهة، وإيران من جهة أخرى، حول تسمية quot;الخليج العربيquot; بدل quot;الفارسيquot;، كما درجت أميركا الرسمية على تسميته منذ عام 1917.
ويعود هذا الموضوع القديم- الجديد مثار الجدل ليطفو على السطح مجدداً. ولذلك استدعى تسليط الضوء عليه، خاصة بعد أن كانت إيران قد صعّدت في مطلع العام الحالي وهددت في فبراير الماضي شركات الطيران من منعها من دخول المجال الجوي الإيراني إذا استخدمت عبارة quot;الخليج العربيquot; بدلاً من quot;الخليج الفارسيquot;.
لقد بدأ العرب بإطلاق quot;الخليج العربيquot; في الستينيات مع المد القومي، وهو الاسم الذي تستخدمه الدول العربية عامة بشكل رسمي وكذلك جامعة الدول العربية. وبعض أشهر الشوارع في دول مجلس التعاون الخليجي تسمى بشارع quot;الخليج العربيquot;. ومع قيام الثورة اقترح الخميني وقادة الثورة إطلاق اسم quot;الخليج الإسلاميquot;، ولكن تلك الفكرة سرعان ما تراجعت واختفت. بينما لا يذكر الأميركيون عادة في اجتماعاتهم الرسمية مع الأطراف في دول الخليج لفظ quot;الخليج الفارسيquot; بل يسمونه -مع الباحثين الأميركيين والغربيين وبعض الأطالس وأفرع الجامعات الأميركية في دول مجلس التعاون الخليجي وبعض مراكز الدراسات الاستراتيجية في الغرب وquot;البي بي سيquot; وquot;الإيكونومستquot;- بتسمية مختصرة هي quot;الخليجquot;.
وكان ملفتاً استخدام quot;أندرو شابيروquot; مساعد وزير الخارجية الأميركي في 20 أكتوبر الماضي، في مؤتمر صحفي، لعبارة quot;الخليج العربي والشرق الأوسط الكبيرquot;، علماً بأن المصطلح الأميركي quot;الشرق الأوسط الكبيرquot; يشمل أيضاً منطقة الخليج العربي. وهذا ما كرره، كما لاحظ مقال في صحيفة quot;الغارديانquot; البريطانية المرموقة، بعد ذلك بأيام وكيل مساعد آخر في وزارة الخارجية الأميركية هو quot;كيرت كامبلquot; عندما علق على quot;أعمال القرصنة في الخليج العربيquot;، مما دفع المجلس الوطني الإيراني- الأميركي أو اللوبي الإيراني في الولايات المتحدة، للتحرك لوقف هذا التحول في الموقف الأميركي.
والسؤال الكبير: هل هذه بداية لموقف أميركي جديدة باعتماد اسم quot;الخليج العربيquot; وبشكل رسمي، أم أنها لا تعدو كونها مناكفة لإيران وجزءاً من الحساب الأميركي لإزعاج وإثارة حنق وغضب طهران في لعبة المصالح والضغوط التي تتكثف وتقوى؟ هذا ما ستكشفه الأيام. أما عن الأطراف العربية فلا تعليق أو استفسار، ولا ترحيب ولا تأييد يدفع ويشجع واشنطن وغيرها من الدول الفاعلة إلى تبني هذا الموقف الجديد. فماذا ننتظر؟!
محنة الفضائيات الدينية
عبدالحميد الأنصاري
الجريدة الكويتية
لا أعتقد أن سلاح غلق الفضائيات هو الحل، فهناك آلاف المواقع الإلكترونية المتعصبة وهناك آلاف الفتاوى المكفرة وهناك آلاف المنابر المحرّضة، إن الحل الأصعب هو مواجهة هذه البنية التحتية للفكر التعصبي والعنيف وتفكيكها عبر 'أنسنة' الخطاب الديني وتعميق مفهوم المواطنة، وتفعيل الضوابط والمعايير الإعلامية.
أثار قرار وزير الإعلام المصري إيقاف 12 قناة فضائية وإنذار 20 قناة أخرى تبث على 'نايل سات' جدلاً ساخناً في الساحتين: الإعلامية والدينية، وجاء في مبررات القرار: أنه بعد مراجعة المادة الإعلامية التي تبثها هذه القنوات، ثبت خروجها على الأخلاق والأديان والأعراف بإشاعتها التحريض الطائفي، وكراهية الآخر وعدم التسامح والعنف وترويج الشعوذة والدجل وخرافات الطب البديل والترويج لمستحضرات طبية وأساليب علاج غير مرخص بها طبياً بهدف المتاجرة بآلام الشعب المصري وأمراضه.
يأتي هذا القرار- متأخراً- بعدما وصلت الأوضاع إلى ما سميت بـ'الفوضى الإعلامية' بعد 5 سنوات من ممارسة 'الحرية المنفلتة'، كما يقولون، ومن الطبيعي أن تختلف ردود الفعل وتتابين بين مؤيد له وآخر معارض له وثالث متخوف من عواقبه على الحريات الإعلامية، فأما المؤيدون لقرار الإغلاق فيقولون: الإعلام ليس مبرراً لبث الكراهية في نفوس الجماهير، بعضه ضد بعض بسبب الاختلاف المذهبي والطائفي والديني، كما أن الحرية مسؤولية أخلاقية ووطنية، ولا يمكن السكوت على قنوات تتاجر باسم الدين وتتربح من توظيفه وتستغله لنشر وإذكاء النوازع التعصبية والطائفية والنصب على الناس واستغفالهم عبر ترويج ما يسمى بالطب البديل والعلاج بالأعشاب والشعوذة والدجل.
صحيح أن الخطوة جاءت متأخرة، لكنها ضرورية لمواجهة 'الفلتان الفضائي' الذي تكاثر بليل مصر واستهدف تشويه صورة الدولة المصرية وإضعاف دور المؤسسة الأزهرية عبر 'البزنس السلفي الفضائي النشط' المنظم والمدعوم من رجال أعمال يستثمرون المشروع السلفي في غزو ثقافة الأزهر المتسامحة والمنفتحة، ويرصد نتائج ومظاهر هذا الفلتان في: 1 - شحن الرأي العام المصري ضد نظامه السياسي. 2 - نشر روح اليأس والإحباط والاكتئاب لدى قطاعات كبيرة خصوصاً الشباب. 3 - تقوية تيار الإعلام الشعاراتي الذي أصبح أصحابه نجوماً. 4 - إضعاف روح الانتماء لدى المصريين.
ويشير المؤيدون للقرار المصري إلى وثيقة 'مبادئ تنظيم البث الفضائي' الصادرة عن وزراء الإعلام العرب، فبراير 2008 مع تحفظ قطر، وقد نصت على: 1 - عدم التأثير سلبياً في السلم الاجتماعي والوحدة الوطنية والنظام العام والآداب العامة. 2 - التقيد بضوابط ونصوص ميثاق الشرف الإعلامي العربي. 3 - الامتناع عن التحريض على الكراهية أو التمييز القائم على أساس الأصل العرفي أو اللون أو الجنس أو الدين. 4 - الامتناع عن بث ما يؤدي إلى التحريض على العنف والإرهاب.
ويضيف المؤيدون لقرار الإغلاق: أنه من الناحية العملية فقد ارتكبت كل قناة من تلك القنوات، موبقات تتجاوز ما تم النص عليه في هذه الوثيقة، وقد تابعت لجان تضم نخبة من المثقفين، قامت بتقييم الأداء الإعلامي لتلك القنوات وكتبت تقارير محدودة بشأنها ووجهت إنذارات لها، لكنها لم تستجب واستمرت في تجاوزاتها بهدف الربح عبر ترويج الخرفات وأوهام العلاجات وتسويق رسالة التطرف الديني والتنابذ الطائفي- طبقاً لعبدالله كمال- ويضيف د.سالم عبدالجليل- وكيل وزارة الأوقاف المصرية- أن 90% من بث هذه القنوات ضد المؤسسة الأزهرية قلباً وقالباً.
ومن الجدير بالذكر، أنه سبق قرار الإغلاق، رسالة بعث بها وزير الصحة المصري إلى وزارة الإعلام، مرفق بها قائمة بتجاوزات الصحافة والفضائيات فيما يتعلق بتجارة التداوي والإعلانات من مستحظرات طبية وطرق علاج غير مصرح بها وذلك لاتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية المواطنين من الغش التجاري.
في مقابل هؤلاء، هناك معارضون كثر نددوا بالقرار وتظاهر المئات من السلفيين- رجالاً ونساءً- أمام مسجد النور بالعباسية بعد صلاة الجمعة 22-10-2010، هاتفين 'إسلامية إسلامية مصر حتفضل إسلامية'، كما تنادت العشرات من المواقع الإلكترونية السلفية لحملة تناصر وتتضامن مع القنوات الدينية وعلمائها وطالبت أنصارها بالدعاء على الظالمين، واعتبرت يوم الإغلاق يوماً مأساوياً حزيناً، وقالت: 'نعزي أنفسنا والمسلمين، وإنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرنا في مصيبتنا واخلفنا خيراً منها'... كما عدوا هذا الإغلاق مؤامرة كبرى- 'العم سام' له يد خفية فيها- تستهدف 'تحجيم البث الفضائي الإسلامي الذي يحظى بحضور إعلامي وشعبي واسع على المستويين المحلي والإسلامي'، وتساءلت مستنكرة: كيف يتم إغلاق القنوات الدينية الهادية للفضيلة وتترك القنوات الخلاعية والقنوات الشيعية؟! واصفة الإغلاق بأنه 'حرب على القنوات الدينية' وساندهم مثقفون وإعلاميون ومراكز حقوقية رأت في الإغلاق نكوصاً فكرياً وتغذية لثقافة القمع في عصر تخلى عن تلك الثقافة الفاشلة، وقالوا: إن المبررات غير مقنعة وتخالف الأعراف والمواثيق الدولية والدستور المصري، مؤكدين أن تلك السياسة تضر بمستقبل مصر وتسيء للإعلام المصري وتفقدهما ثقة الشعوب، مطالبين مبارك بالتدخل، وذهب بعضهم إلى أن الغلق أصبح سياسة تتبعها الحكومة قبل الانتخابات البرلمانية خوفاً من تأثير الرسالة الدينية في الناخبين ودفعهم للإدلاء بأصواتهم للمعارضة، وقد تزعم حملة الدفاع عن القنوات، الداعية د.صفوت حجازي الذي يقدم برامج دينية في قناة 'الناس'، مفنداً تبريرات الإغلاق، وفي معرض رده بأن القنوات الدينية لا تستعين بالعلماء المتخصصين، قدم قائمة طويلة بأسماء علماء ودكاترة، ورد على ولع الفضائيات الدينية بالفتاوى الشاذة، بقوله: هل يستطيع أحد أن يأتي بفتوى لا أصل لها في الإسلام؟! وأما التجارة بالأعشاب والمستحضرات فقال: إنها بترخيص، وفي مجال الاسترزاق بالدين، تساءل هل من الحرام أن يتقاضى العالم راتباً مقابل عمله؟! وكم يتقاضى شيخ الأزهر؟! وحذر حجازي من أن إغلاق القنوات السنّية يخدم انتشار الفكر الشيعي في المجتمعات العربية.
ما العمل؟! حددت إدارة 'نايل سات' ضوابط معينة تلتزم بها هذه القنوات كشرط لاستئناف البث، منها: لا حديث في السياسة أو المساس بالقضايا المسيحية والشيعية، وألا تزيد نسبة البرامج الدينية عن 50%، وقبلت معظم هذه القنوات التفاوض لتوفيق أوضاعها والالتزام بالضوابط الجديدة ووثيقة الشرف الإعلامية، لكن في موازاة ذلك، تنادى إسلاميون على رأسهم منتصر الزيات لمبادرة إطلاق 'قمر صناعي إسلامي' عبر اكتتاب عام، وقال الزيات 'نحن في حرب ضروس ولابد أن نبحث عن البدائل، لكنها لا تشكل ضمانة مستقبلية دائمة، والحل في قمر صناعي إسلامي'، وتداولت مواقع أخرى الدعوة لجمع التبرعات لشراء حيز في قمر أوروبي أو عربي آخر، وذكر منه قمر 'سهيل' القطري المزمع إطلاقه في 2012 فيما دعت مواقع سلفية أخرى أنصارها للابتهال إلى الله والاجتهاد في الدعاء حتى يفتح الله لنا هذه القنوات من جديد!
ما الحل؟! دعونا نتفق على عدد من الأمور:
1 - أن معظم هذه القنوات تحقق عبر توظيف الدين توظيفاً نفعياً- سياسياً واقتصادياً- 'بزنس' مربحاً. 2 - أن التراخيص الممنوحة لهذه القنوات هي تراخيص بقنوات اجتماعية أو منوعات ترفيهية وليست 'دينية'، لكنها تحولت جميعاً إلى قنوات دينية استثماراً لعاطفة التدين لدى الجماهير وكسباً لعقولها وقلوبها. 3 - مع تسليمنا بأن هذه القنوات تلعب دوراً تحريضياً مدمراً إلا أن الصراع المذهبي: السنّي والشيعي، والصراعات السنّية المذهبية بين السلفيين والأشاعرة والمتصوفة وغيرها من الصراعات الدينية، صراعات قديمة عمرها أكثر من 1000 عام حول من هي الفرقة الناجية؟! لكنها كانت مدفونة في الصدور والقلوب (اللاوعي الجمعي) وما يحصل اليوم، أن الانفراج النسبي لمناخ الحريات بفعل ضغط الإدارة الأميركية السابقة 'من جهة' والتمدد الإيراني المستغل للطائفية 'من جهة ثانية'، ووجود الفراغ السياسي 'من جهة ثالثة'، وثورة التقنيات الإعلامية الحديثة 'من جهة رابعة'، أتاحت المجال للإرث التعصبي المقموع أن يظهر على الساحة الإعلامية بشراسة، فالأرض العربية- اليوم- تخرج أسوأ ما في باطنها من غرائز تعصبية طائفية ومذهبية أتاحت لها الفضائيات الانتشار والوصول إلى كل بيت.
ومن هنا لا أعتقد أن سلاح الغلق هو الحل، فهناك آلاف المواقع الإلكترونية المتعصبة وهناك آلاف الفتاوى المكفرة وهناك آلاف المنابر المحرّضة، إن الحل الأصعب هو مواجهة هذه البنية التحتية للفكر التعصبي والعنيف وتفكيكها عبر 'أنسنة' الخطاب الديني وتعميق مفهوم المواطنة، وتفعيل الضوابط والمعايير الإعلامية، والاحتكام إلى الجهات القضائية والقانونية في تأسيس ودعم الحقوق الفكرية والإعلامية، وفي مسألة فتح أو غلق أي قناة تخالف تلك المعايير.