محمد السمّاك
في السادس من آب من عام 1945 ألقت الولايات المتحدة القنبلة النووية على مدينة هيروشيما في اليابان. منذ ذلك الوقت وعلامة استفهام كبيرة لا تزال مرتفعة حول ما اذا كانت اليابان مستعدة للاستسلام قبل القاء القنبلة، أو ما اذا كانت هناك خيارات اخرى أمام الولايات المتحدة لحملها على الاستسلام. كان لوزير الدفاع الياباني السابق اجتهاد كلفه ليس فقط منصبه الوزاري، انما حياته السياسية ايضاً. فقد رأى ان القنبلة النووية الأميركية حسمت الحرب ووفرت معارك وضحايا كثيرة. وانها أنقذت اليابان من غزو سوفياتي ربما كان تجاوز مجموعة الجزر الشمالية الى العمق الياباني، وربما بقي مستمراً حتى الآن. ولقد أدت الضجة التي أثارها هذا الاجتهاد السياسي الى اضطرار الوزير الى الاستقالة، وحلّت محله لأول مرة في تاريخ اليابان سيدة من الحزب الحاكم. والواقع انه في عام 1946 أعدت وزارة الدفاع الاميركية تقريراً سرياً بعنوان:quot;جهود اليابان لانهاء الحربquot;. يعترف التقرير الذي لم يذع الا في عام 1995 انه من المؤكد ان اليابان كانت على استعداد للاستسلام قبل كانون الأول 1945، وربما قبل الأول من تشرين الثاني 1945 حتى ولو لم تلقَ عليها القنبلتان النوويتان عليها، وحتى لو لم تدخل روسيا الحرب، وحتى لو لم تهدد بالاجتياح العسكري quot;. اذن لماذا أصرّ الرئيس الاميركي هاري ترومان على إلقاء القنبلتين على هيروشيما وناكازاكي؟ كانت الولايات المتحدة قد تمكّنت من حلّ الرموز السرّية - الشيفرة - الخاصة باليابان، وفي 12 تموز 1945 كشفت واحدة من تلك الرسائل عن قرار الامبراطور نفسه بالتدخل لانهاء الحرب. وكانت اليابان تعرف ان الجنرال ستالين وعد بدخول الحرب ضدها بعد ثلاثة اشهر من استسلام المانيا في الثامن من أيار 1945. ولقد حصل ذلك بالفعل في الثامن من آب من ذلك العام. وكان وحده كافياً لانهاء الحرب ولفرض شروط الاستسلام على اليابان امام الدول الكبرى الثلاث بريطانيا والاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة خاصة بعد استسلام المانيا. غير انه كانت للرئيس ترومان حسابات اخرى. لم يكن ترومان يحتاج الى القنبلة النووية لإخضاع اليابان بقدر حاجته اليها لتخويف الاتحاد السوفياتي.
جرت اول تجربة ناجحة للقنبلة في 16 تموز 1945. وفي اليوم التالي كان ترومان مجتمعاً في بوتسدام مع ستالين وتشرشل. يروي اللورد ألن برووك رئيس اركان القوات البريطانية في مذكراته ان تشرشل فوجئ باللهجة الفوقية وبالتصرّف الاستعدائي للرئيس الاميركي. فقد استفز ترومان الرئيس ستالين وتوجه اليه بطلبات مستحيلة. ولم يفهم تشرشل هذا التحول في الاسلوب التفاوضي لترومان الا في اليوم التالي عندما عرف بنجاح التجربة النووية الأميركية. تكشف الوثائق الاميركية ان وزير الخارجية بيرنز ابلغ الرئيس ترومان quot;بان القنبلة النووية ستضع الولايات المتحدة في موقف قوي يمكّنها من املاء شروطها لإنهاء الحربquot;. كذلك يروي العالم النووي الاميركي لي زيلارد في مذكراته التي نشرها بعنوان:quot; التاريخ الشخصي للقنبلة النوويةquot;، ان الوزير بيرنز اجتمع به في البيض الأبيض، وانه اثناء الاجتماع لم يثر بيرنز ما اذا كان استخدام القنبلة ضد المدن اليابانية ضرورياً لكسب الحرب، ولكنه كان يؤكد على ان quot;امتلاكنا للقنبلة واظهار فعاليتها سوف يجعل الاتحاد السوفياتي اكثر طواعية في أوروبةquot;. في ذلك الوقت لم تكن هناك محطة سي.أن.أن. مع ذلك استخدم الاعلام على اوسع نطاق لاقناع الرأي العام الاميركي بأن استخدام القنبلة كان ضرورياً لتسريع انهاء الحرب، وان ذلك يوفر على الولايات المتحدة اكثر من مليون قتيل!! أدّى إلقاء القنبلتين الأميركيتين على اليابان الى مقتل اكثر من مائة الف ياباني في هذين اليومين. وقتل التلوث النووي فيما بعد عدداً مماثلاً. اما الرجل الذي قاد عملية القاء القنبلة توماس ويلسون فيربي، فقد مات في فراشه الوثير في آذار 2000 (اي بعد 55 عاماً) عن عمر ناهز الواحد والثمانين وهو قرير العين مرتاح الضمير؟!..
اخلاقياً، قال الأديب الألماني برتيلو بريخت: quot;ان إسقاط الفنبلة الذرية (على هيروشيما ثم على نكازاكي) كان سقوطاً مريعاً لآدمية العلماء، وكان فشلاً ذريعاً لاخلاقية السياسيين quot;. حتى ان العالِم الاميركي - الألماني الأصل - يوليوس روبرت أوبنهايمر الذي كان مسؤولاً عن فريق العلماء الذين انتجوا الفنبلة الذرية في quot;لوس الاموسquot; في الولايات المتحدة اضطر الى الإقرار بأن quot; العلماء تعرفوا على الخطيئة الكبرى في عمق مكوناتها، ولكنهم وبعد ان مارسوها لن يتوقفوا عن استخدامها quot;. وبالفعل فان الولايات المتحدة تستطيع وحدها الآن، بما تملكه من قوة تدميرية هائلة ان تقتل كل انسان على سطح الأرض اكثر من تسع مرات. مع ذلك فان ترسانتها الحربية في تطور وفي تضخم متواصلين، بفضل سقوط آدمية العلماء.. وفشل اخلاقية السياسيين. لم تخضع الولايات المتحدة الى مساءلة اخلاقية أو سياسية لاستخدامها القنبلة الذرية. فهي منذ ذلك الوقت، بل وقبل ذلك، فوق اي نوع من انواع المساءلة. حدث ذلك ايضاً بعد الحرب على كوريا، ثم بعد الحرب على فيتنام، ويحدث الآن بعد الحرب العراق وأفغانستان. لقد أُخضع رموز النازية الالمانية الى المحاكمة التي جرت في نورمبرغ بألمانيا. كانوا يستحقون بالتأكيد المحاكمة والعقاب، ليس فقط لانهم كانوا مجرمي حرب، ولكن لانهم خسروا الحرب ايضاً. فلو انهم ربحوا الحرب لكانت الصورة عكسية تماماً. فعلى مدى 216 يوماً، حوكم 22 منهم، وحكم على 12 بالاعدام. وعلى الرغم من ان بعضهم تذرع بأنه لم يكن صاحب قرار بل مجرد منفذ له، فان المحكمة لم تمنح اياً منهم سبباً تخفيفياً. وذلك على قاعدة اخلاقية سامية ارساها المدعي العام في المحاكمة القاضي البريطاني هاترلي شوكروس (الذي مات عن عمر 101 سنوات في 10 تموز الماضي). وتقول هذه القاعدة:quot; لا بد ان يجد الانسان نفسه في مرحلة ما مضطراً لرفض اوامر رئيسه اذا كان عليه ان يستجيب الى نداء ضميرهquot;. غير ان هذه القاعدة السليمة لم تطبق على قائد فريق القاء القنبلة الذرية على هيروشيما توماس فيربي الذي نفذ اوامر الرئيس هاري ترومان ولا على قائد الطائرة بول تيبتس. بل على العكس من ذلك فقد اعتُبرا بطلين قوميين. ولم تنفَّذ القاعدة ايضاً على عناصر القوات الاميركية التي ارتكبت مجزرة quot;ماي لينquot; الشهيرة في فيتنام. كما انها لم تطبَّق على عناصر القوات الاسرائيلية التي ارتكبت مجزرة قانا في جنوب لبنان في عام 1994 ولا على الجنرال شارون مرتكب مجزرة صبرا وشاتيل في عام 1982. ولذلك فان اصرار الولايات المتحدة على ان يبقى مواطنوها خارج المساءلة وفوق نصوص معاهدة روما الدولية المتعلقة بمحاكمة مجرمي الحرب، ليس جديداً. ونجاحها في انتزاع موافقة العديد من دول العالم على هذا الاستثناء ليس جديداً ايضاً. ذلك ان من لم يقتنع منهم بالجزرة.. اقتنع بالعصا.. أو حتى بمجرد التهديد بها.
