علي حسين باكير
تشهد العلاقات الهنديّة- الأميركية تجاذباً على خلفية البرنامج النووي الإيراني، ويعود السبب في ذلك إلى محاولات نيودلهي التهرّب من الالتزام بتطبيق العقوبات الحديثة المفروضة مؤخراً على طهران، وإيجاد المخارج المناسبة لها بما يساعد على إفراغها من مضمونها.
ورغم أن نيودلهي صوّتت مرارا في الوكالة الدولية للطاقة الذرية لصالح القرارات التي تدين إيران، فإنّها شددت دوما منذ نقل الملف إلى مجلس الأمن على أنّ المسار الدبلوماسي والحوار مع طهران يعتبران الطريق الأمثل للتعامل مع الأزمة النووية. وهي من هذا المنطلق تحاول دوما التوفيق بين متطلبات الالتزام تجاه قرارات المجتمع الدولي وبين مصالحها القوميّة التي تفرض عليها تطوير علاقات بنّاءة وإيجابية مع طهران. ومن المفارقات في هذا الموضوع أنّ العلاقات الهندية- الإيرانية شهدت قفزات نوعيّة خلال السنوات القليلة الماضية، لاسيَّما على المستوى الاقتصادي وذلك في الفترة نفسها التي كانت العلاقات الهندية- الأميركية تشهد فيها تطورات إيجابية جدا، خاصة فيما يتعلق بالتعاون النووي والدعم الذي أبدته واشنطن لنيودلهي في هذا المجال.
الطاقة في صلب العلاقات الاقتصادية الهندية- الإيرانية
ووفقاً للبيانات الصادرة عن الاجتماع الـ16 للجنة المشتركة الهندية- الإيرانية التي انعقدت أوائل يوليو الماضي في نيودلهي برئاسة وزير الشؤون الاقتصادية والمالية في إيران laquo;شمس الدين حسينيraquo; ووزير الخارجية الهندي laquo;ساماناهالي كريشناraquo;، فقد ارتفع حجم التجارة بين البلدين خلال ثلاث سنوات من حوالي 9.3 مليار دولار إلى حوالي 15 مليار دولار العام 2010. ووقّع الطرفان خلال الاجتماع العديد من الاتفاقيات الاقتصادية والتفاهمات التجارية مع توقعات بأن يرتفع حجم التبادل التجاري بينهما إلى 30 مليار دولار خلال السنوات الخمس القادمة.
ويشكّل قطاع الطاقة حجر الأساس في علاقة البلدين. إذ تحتل الهند مرتبة خامس أكبر مستهلك لمصادر الطاقة في العالم وتعتمد بشكل كبير على الواردات من الخارج، وفي المقابل تعتبر إيران ثاني أكبر منتج للنفط في أوبك وهي تمتلك ثاني أكبر احتياطي من الغاز الطبيعي في العالم بعد روسيا.
ومن هذا المنطلق، تُولَى طهران أهمية متزايدة في استراتيجية أمن الطاقة الهندية، إذ تعتبر اليوم ثاني أكبر مصدّر للنفط الخام إلى الهند بعد المملكة العربية السعودية، وتبلغ قيمة واردات نيودلهي منها حوالي 11 مليار دولار سنويا من النفط الخام أو ما يشكّل قرابة الـ%14 من مجموع فاتورة الواردات الهندية من النفط من الخارج وحوالي %85 من مجمل وارداتها من طهران.
الضغوط الأميركية على نيودلهي، ومن الواضح أن إدارة الرئيس أوباما ترى أن البرنامج النووي الإيراني لا يمكن أن يتحول إلى مسألة تجارية اعتيادية بين الدول، فالموضوع ليس تجارياً، صحيح أن من حق الدول أن تسعى إلى تحقيق مصالحها ومصالح شعبها لكن يجب عليها في الوقت نفسه أن تأخذ بعين الاعتبار احترام التزاماتها الدولية بشكل كامل، وهو الأمر الذي عبّرت عنه وأكدت عليه الخارجية الأميركية، إذ وجّهت الولايات المتّحدة خلال الفترة الماضية تحذيراً للهند طالبتها فيه بالالتزام بالعقوبات المفروضة على طهران، وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية laquo;فيليب كراوليraquo; في رسالة تحذير إلى نيودلهي إن laquo;الأمر يتعلق بمخاطر الانتشار النووي في العالم واندلاع سباق تسلّح نووي في الشرق الأوسط وهو ما سيؤثر بالضرورة أيضا على الدول المجاورة لهذه المنطقة بمن فيهم الهندraquo;.
ولا شك أنّ الموقف الأميركي إنما ينبع من محاولة واشنطن مراقبة مدى التزام جميع الأطراف الإقليمية والدولية بتطبيق العقوبات التي تمّ إقرارها مؤخرا في مجلس الأمن، على اعتبار أن نجاح هذه العقوبات يتطلب الالتزام الشامل والكامل من الجميع، لأن أي خرق من أي جهة كانت سيتسبب في فشل نظام العقوبات برمّته.
وتركّز واشنطن الآن على الهند بعدما تسربت العديد من التقارير التي تفيد بأنّ الأخيرة تحاول التحايل على العقوبات التي فرضتها واشنطن، لاسيما أنّ هناك سوابق تشير إلى جهود حثيثة تبديها الشركات الهندية للاستثمار في قطاع الطاقة الإيراني للفرص الضخمة التي يتيحها من جهة، ولما يلعبه أيضا من دور بنّاء في الحفاظ على أمن الطاقة في الهند. إذ سبق للتقرير الذي أصدره مكتب المحاسبة الحكومي في أبريل الماضي ويقع في 23 صفحة -وتمّ رفعه إلى رئيس لجنة الأمن القومي للإطلاع عليه- أن أشار إلى خرق العديد من الشركات الهندية العاملة في قطاع النفط والغاز العقوبات على إيران ومن بينها شركة النفط الهندية (IOC)، وشركة نفط الهند المحدودة (OIL)، وشركة النفط والغاز الطبيعي (ONGC) وشركة فايدش التابعة لها أيضا (ONGC Videsh Ltd)، وشركة بترونت للغاز الطبيعي المسال (Petronet LNG). علماً أن الإدارة الأميركية كانت قد ضغطت على نيودلهي العام الماضي لوقف إعطاء أي ضمانات قروض لأكبر مجمع مصاف للنفط في العالم وتمتلكه الهند، ما لم توقف صادرات النفط المكرر إلى إيران، والتي كانت تشكّل حوالي %40 من استهلاك طهران من النفط المكرر. وقد أثمرت الضغوط فيما بعد عن قطع لهذه الصادرات مقابل منح المجمّع ضمانات قروض بقيمة 900 مليون دولار أميركي.
تأثير العقوبات الأميركية على المصالح الهندية
وتحاول الهند أمام هذه المعضلة أن تبرّر موقفها من خلال تأكيد الأوساط الرسمية أن لا مشكلة لديها في التعامل مع العقوبات الصادرة عن مجلس الأمن بحق إيران، على عكس العقوبات الفردية التي أقرتها الولايات المتّحدة التي تسبب الكثير من المشاكل. فبعد يوم واحد من توقيع الرئيس الأميركي أوباما على قانون العقوبات المشددة، والذي يستهدف بشكل أساسي الضغط على موردي البنزين والمستثمرين في قطاع الطاقة الإيراني، عبّرت وكيلة وزارة الخارجية الهندية laquo;نيروباما راوraquo; عن قلق بلادها من laquo;أن تترك العقوبات الأحادية المقرّة أخيراً من قبل بعض الدول بشكل فردي، أثرا مباشرا وسلبيا على الشركات الهنديّة العاملة في قطاع النفط والطاقة، والأهم من ذلك على أمن الطاقة الهنديraquo;. إذ من شأن العقوبات الأحادية التي أقرتها واشنطن كما تلك التي يعمل الاتحاد الأوروبي على إقرارها، أن تخلق الكثير من المشاكل للقطاع العام الهندي وللشركات الحكومية العاملة في مجال الطاقة كشركة النفط والغاز الهندية (ONGC)، وغيرها من الشركات التي تبحث عن الاستثمار في قطاعي النفط والغاز في إيران.
صحيح أنّ الهند لا تصدّر الآن البنزين إلى إيران على اعتبار أنّ جميع الشركات الهندية الكبرى كانت قد أوقفت تعاملاتها مع طهران في هذا المجال في مايو من العام 2009، ولذلك فإن العقوبات لن يكون لها تأثير كبير على قطاع مصافي النفط، إلا أنّ القيود المفروضة على الاستثمار في تطوير قطاعي النفط والغاز في إيران قد يتداخل مع مشاريع هندية كان تمّ التخطيط لتنفيذها من قبل، وهو ما سيكون له تأثيرات سلبية كبرى على نيودلهي، وآخرها مشروع لتطوير حقل للغاز تم التعاقد عليه في يونيو 2009 بقيمة 5 مليارات دولار. كما من المتوقّع أن تؤثّر العقوبات على مشروع خط الأنابيب المقترح منذ منتصف التسعينيات، والذي يمتد من إيران إلى باكستان والهند بطول حوالي 1615 ميلا، وبتكلفة تقديرية تبلغ قرابة الـ7.4 مليار دولار، حيث كانت الأخيرة قد جددت مؤخرا المباحثات حوله بشكل ثنائي مع طهران بعد أن كانت المحادثات الثلاثة الهندية الباكستانية الإيرانية بخصوصه قد توقفت سابقا لمشاكل تتعلق بالسعر الذي حدده المسؤولون الإيرانيون للغاز الذي سيتم نقله، فيما تشير بعض الأوساط إلى أنّ انسحاب الهند من المحادثات آنذاك جاء بعد الصفقة النووية التي تمت بينها وبين إدارة بوش الابن.
ومن المنتظر أن تزداد الضغوط الأميركية على نيودلهي خلال الفترة القادمة وهو ما سيخلق تحديّاً كبيراً لديها حول الكيفية التي ستقوم بها بالمواءمة بين الالتزامات الدولية والتزاماتها تجاه واشنطن من جهة، وبين مصالحها الاقتصادية وأمن الطاقة لديها المرتبط إلى حد كبير بثروات إيران من النفط والغاز الطبيعي من جهة أخرى، خاصّة أن نيودلهي قد تحتل على الأرجح مقعداً غير دائم في مجلس الأمن في العام 2011، وهو ما قد يدخلها في تعقيدات لعبة المصالح والشد والجذب بين واشنطن وطهران لاسيَّما أن أي تصويت جديد في مجلس الأمن سيكون له تأثير مباشر على طبيعة العلاقة مع كل منهما.
