إياد أبو شقرا
ابكِ مثل النساء مُلكا مضاعا
لم تحافظ عليه مثل الرجالِ
(عائشة أم أبي عبد الله،
آخر ملوك الطوائف في الأندلس)
من أهم مقولات laquo;حزب اللهraquo; السياسية أن غايته laquo;تأسيس الدولة الإسلامية - وفق مدرسة (الولي الفقيه) طبعا - ولكن عندما تسمح الظروف بذلكraquo;. وكانت هذه المقولة تتردد غالبا في سياق رد laquo;الحزبraquo; على متهميه بالسعي لتحويل لبنان إلى laquo;دولة ملاليraquo; صغيرة مستنسخة تلتزم بشرعية laquo;الولي الفقيهraquo; في قُم.. لا الشرعية الدولية التي كان لبنان أحد الأعضاء المؤسسين لهيئتها الأم.. أي منظمة الأمم المتحدة.
laquo;الحزبraquo; جعل عبر ثلاثة عقود من مقاومة إسرائيل علة وجوده وتقبله شعبيا كقوة مسلحة خارج سيطرة الدولة. وتحت هذا الشعار، وبدعم ورعاية من نظام سياسي - أمني يتذكر معظم اللبنانيين كيف بني منذ 1977، وبموجب مخطط استراتيجي إقليمي، صار laquo;الحزبraquo; القوة السياسو - عسكرية التي نرى اليوم.
لقد أبصر laquo;الحزبraquo; النور رسميا في النصف الأول من ثمانينات القرن الماضي، ومنذ ذلك الحين توافرت كل ظروف الاحتضان والرعاية لتصليب عوده وتأكيد حضوره في بيئته الطائفية، أولا، ومن ثم في لبنان ككل. غير أن استثناء laquo;الحزبraquo; من قرار نزع سلاح الميليشيات اللبنانية الذي أقره laquo;اتفاق الطائفraquo;، بحجة استمرار الاحتلال لجنوب لبنان، كان المفصل الأهم والأطول مفعولا. وهذا مع أن laquo;الحزبraquo; ما كان القوة التي ابتكرت مقاومة إسرائيل، لا في الجنوب ولا في بيروت ولا في أي مكان في لبنان.. فالأبطال والشهداء من أمثال سناء محيدلي وخالد علوان وجورج قصابلي وسهى بشارة ووجدي الصايغ ما كانوا في يوم من الأيام أعضاء في laquo;الحزبraquo;، وحتما، لم يؤمنوا في يوم من الأيام بتأسيس laquo;دولة دينيةraquo; ذات لون واحد في بلد يعترف دستوره - حتى اللحظة - بـ17 أو 18 طائفة دينية.
مع هذا، بدت إسرائيل سعيدة بتسابق اللبنانيين على تمزيق البلد الذي كُتب عليهم عام 1920 أن يعيشوا ضمن حدوده. وكانت ولا تزال مرتاحة جدا لوجود قوى نافذة فيه آخر همّها أن تقوم فيه دولة.
وهنا، يجوز للمشككين منا استغراب تلاقي غايات إسرائيل وأولئك الذين يصفون أنفسهم بأنهم ألد أعدائها، في هدف منع قيام الدولة في لبنان. نعم، منع قيام الدولة، ونشوء مجتمع مدني تحكمه المؤسسات بدلا من الهالات laquo;فوق البشريةraquo;.
جريمة اغتيال رفيق الحريري عام 2005 لم تكن أول جريمة كبرى ترتكب في لبنان منذ انزلق إلى حربه المدمرة عام 1975، لكنها أول جريمة أقنعت معظم اللبنانيين بأنه ما عاد جائزا السكوت على أسلوب التدجين والإلغاء بالاغتيال السياسي.
ثم إنها، لم تكن، بالضرورة، أبشع من جرائم اغتيال شخصيات لبنانية كثيرة.. كلها قيدت بحق laquo;مجهولraquo;، وكان ممنوعا أو متعذرا أن تصل إلى محاكمات وإدانات.
لكن بحلول 14 فبراير (شباط) 2005، يوم وقوع تلك الجريمة، كان الكيل قد طفح وكانت أعين المجتمع الدولي قد تنبهت إلى حالة سياسية محتقنة وخطرة. وبالتالي، بصورة لا شعورية تقريبا سار عشرات الألوف مطالبين بوقف مسلسل التدجين والإلغاء بالقتل.
لقد وصف ما حدث بعد تلك الجريمة بـlaquo;ثورةraquo;. ولكن في ذلك مبالغة لأن وراء معظم الثورات الحقيقية عقائد جامعة. في حين، أن وراء laquo;الانتفاضةraquo; التي حدثت بعد تلك الجريمة رد فعل شعبيا رافضا لفكر قمعي وشبكة مصالح هيمنة وlaquo;طقم سياسيraquo; قائم على الزبائنية الأمنية. وكانت الإيجابيتان الكبيرتان لرد الفعل، هما أولا أنه كان عابرا للطوائف، والثانية أنه آمن بأن بديل laquo;الدولة الأمنيةraquo; هو laquo;دولة مؤسساتraquo; مدنية.
بعد ذلك كان من الطبيعي أن يظهر الفرز الواضح بين معسكرين واسعين جمع كل منهما طيفا من الأضداد، ضم أحدُهما (laquo;تجمع 14 آذارraquo;) دعاة الدولة المدنية والمستفيدين منها، والثاني (تجمع laquo;8 آذارraquo;) مناصري الدولة الأمنية والمستفيدين منها.
وبما أن الأحكام العرفية تشكل غاية laquo;العدالةraquo; في عالم الديكتاتوريات الأمنية، يصبح القضاء المستقل المألوف في دول مؤسسات تقوم على فصل السلطات.. أخطر الممنوعات.
بل، إذا أحيط الاستقلال القضائي برعاية الشرعية الدولية - التي هي laquo;إسرائيليةraquo; (!) بنظر بعضهم - تصبح العدالة جريمة.. وتغدو الحاجة إلى ضربها وشطبها أكبر وأكثر إلحاحا.
بالأمس، كشف laquo;حزب اللهraquo; على الملأ، أن laquo;فترة السماحraquo; ببقاء الدولة انتهت.. وlaquo;أن الظروف باتت تسمحraquo; ببدء عصر دولته.
