جميل مطر

جاءت تبرئة سعد الحريري لسوريا من تهمة اغتيال والده رفيق الحريري لتستفز أطرافاً متعددة في لبنان كما في خارجه، ولتطلق عقال تصعيد جديد في الأزمة السياسية اللبنانية . أصابت التبرئة تماسك التحالف المعتمد على حزب المستقبل الذي يرأسه الحريري، وعلى كل حال لن تكون هذه المرة الأولى التي يتهدد فيها هذا التحالف، فقد فاجأه النائب وليد جنبلاط زعيم الحزب التقدمي قبل عام عندما انقلب بموقفه المناهض بشدة لسوريا إلى موقف المؤيد بقوة لها . وراح أنصار الحريري، من المسيحيين خاصة، يبحثون عن تفسير لقرار البراءة من دون محاكمة . ولم يمنعهم من الانفراط سوى اطمئنانهم إلى أن سعد ما كان برأ سوريا لو لم تكن هناك موافقة من المملكة العربية السعودية، وما كانت السعودية توافق أو تشجع سعداً ما لم تكن قد أطمأنت إلى وعود سورية معينة ومنها ضمانات بسلامة المسيحيين اللبنانيين .

يعتقد بعض من تحدثت إليهم من المحللين اللبنانيين أن الارتباك الذي ساد أوساط حلف الحريري ربما لفت الأنظار بعيداً عن ارتباك أشد داخل أوساط حلف الممانعة الذي يقوده حزب الله، مثل جماعات ميشيل عون وسليمان فرنجية . لاحظت أيضاً أن قليلين انتبهوا إلى أن قيادات أخرى، وبخاصة داخل تيارات السنة، مثل الرئيس سليم الحص، ينتابها قلق شديد بسبب التطور المتسارع للأحداث في لبنان نحو التدهور، ولا شك في أن غياب الحريري عن بيروت عدة أيام قضاها في السعودية أضاف إلى الارتباك السائد على الجبهات كافة في الساحة السياسية اللبنانية، وبخاصة بعد أن أعلن أن رئيس قوى الأمن الداخلي السابق اللواء جميل السيد قرر فجأة العودة من باريس، بعد أن صدر قرار باستدعائه للتحقيق في اتهامات أدلى بها قيل إنها أساءت إلى سمعة القضاء اللبناني .

عاد الحريري من المملكة ليؤكد تمسكه بثوابت ستة، أهمها في واقع الأمر ثلاثة هي: عدم التراجع عن دعم المحكمة الدولية، والتمسك بالعلاقة الطيبة مع سوريا التي التزم بها بعد تبرئته لها . أما الثابت الثالث فهو حماية الاحتضان العربي للبنان في ظروفه الراهنة . والمقصود بالاحتضان العربي في ذهنية السياسة اللبنانية هو التوافق القائم حالياً بين السعودية وسوريا حول الشأن اللبناني، أو كما يطلق عليه استراتيجية الاحتماء بالثنائية ldquo;السينيةrdquo; نسبة إلى حرف ldquo;السينrdquo; في السعودية وحرف ldquo;السينrdquo; في سوريا .

قابلت في لبنان من ذكّرني بما كتبته منذ عقدين أو أكثر عن فضل الرياض على تدشين عملية قوات الردع العربية التي تطورت فكرتها بعد شهور من إطلاقها لتقتصر على الجيش السوري وحده، ممثلاً للجامعة العربية لوقف الحرب الأهلية في لبنان . أعرف، ويعرف آخرون عاصروا هذه التطورات في السبعينات، أنه حين ناشد بعض القادة المجتمعين في القمة العربية المنعقدة في القاهرة الرئيس السادات الموافقة على أن تقود مصر قوات التدخل في لبنان لوقف الحرب الأهلية قبل أن يتسع رحاها، أجاب السادات وقتها بأنه لن يسمح لجندي مصري واحد بالاشتراك في أي مهمة خارج الأراضي المصرية وبخاصة في ldquo;الوحل اللبنانيrdquo;، وكانت هذه أول إشارة تصدر عن القيادة السياسية المصرية تكشف عن النية في الانسحاب من المشاركة في أي التزامات مترتبة على دور سابق لعبته مصر في قيادة أو توجيه النظام الإقليمي العربي . كانت سوريا راغبة بطبيعة الحال هذه في تقلد هذا الدور وبخاصة إذا كانت أول ممارسة له ستجري على المسرح اللبناني، وكانت السعودية جاهزة للعب دور خاص بشرط ألا يتجاوز هذا الدور أمرين، هما أن تمارس التوجيه عن بعد، بمعنى عدم المشاركة بقوات كبيرة، وثانيها توفر الشرعية الثابتة للتدخل عن طريق جامعة الدول العربية . وبالفعل صدر قرار إنشاء قوات ردع عربية مستنداً إلى ثلاثة تطورات هي: الرغبة المصرية في الانسحاب من قيادة العمل العربي المشترك، والرغبة السورية في التدخل بسرعة وإن منفردة، والرغبة السعودية في وقف التجاوزات من جانب الفلسطينيين وقوى أخرى وحماية مسيحيي لبنان .

قابلت لبنانيين يحاولون قراءة الحاضر والمستقبل باستلهام الماضي وبخاصة هذا الجانب منه . فكما أن العرب الآخرين، وبخاصة الأقرب إلى الشأن اللبناني، كانوا حريصين في السبعينات، ومرة أخرى في التسعينات، على التدخل بعزم وحماسة وسرعة لوقف تجاوزات، باعتبار أن التجاوزات في ساحة متأزمة أو على هامشها تكفي شرارة واحدة منها لإشعال حريق هائل في لبنان، ومنه إلى المشرق بأسره . ها هم نفس عرب السبعينات يعودون وقد بدا عليهم الحرص وإن بحماسة أقل ولكن بعزم أكيد، على التدخل لوقف ما يعتقدون أنها تجاوزات، إن أفلت عيارها سيكون من العسير لجمها أو التفلت من عواقبه . المؤكد أن بعض سلوكيات أطراف حزبية لبنانية تجاوز الحد الذي يمكن أن يتحمله لبنان في الحال الراهنة .

مرت شهور أطلق عليها لبنانيون فترة ldquo;هدنة السياحةrdquo; وهي فترة حرص أغلب اللبنانيين المحافظة على هدوئها ليعم خير السياحة على الجميع وتهدأ النفوس . ومع ذلك حدث في برج أبي حيدر ما عكر صفاء هذه الهدنة، وأمكن بسرعة محاصرته ومنع امتداده إلى مناطق أخرى . صحيح أنه خلف آثاراً سلبية، وبخاصة في ناحية الشكوك المتبادلة وبالتحديد حول مستقبل ترتيبات الأمن في بيروت . وبعد انقضاء فترة الهدنة أطلق الحريري مفاجأة تبرئة سوريا من جريمة اغتيال والده، وكان طبيعياً ومتوقعاً أن تستعد كل الأطراف السياسية في لبنان لاحتمالات نشأة وضع جديد لتوازن القوى الداخلي في لبنان في ضوء التغيير القوي الذي سيطر على العلاقة السورية اللبنانية، باعتبارها العنصر الحاسم في أزمة صراعات لبنان الداخلية وعلاقاته الإقليمية .

وفي القاهرة سمعت من أحد المتابعين للشأن السوري حديثاً عن توقعات بتغيرات، غير جوهرية ولكن محسوبة، في العلاقة بين حزب الله والقيادة السورية، أعرف أن كثيرين لديهم أماني أن يكون هذا التغير بداية مرحلة ينعزل فيها أو يعزل حزب الله ويوضع فيها للمقاومة اللبنانية سياج لا تتخطاه داخلياً وخارجياً، ولدى آخرين أماني أوسع وأكبر عن تقليص النفوذ الإيراني عموماً في بلاد المشرق . يذهب هؤلاء إلى حد الربط بين مرور الرئيس الإيراني على دمشق في طريقه إلى نيويورك واتصالات كثيفة بين قيادات في الحلف الدائر في فلك المقاومة وقيادات سورية . يحق لبعض أصحاب الأماني أن ينتظروا تحولاً جذرياً في السياسة السورية، ولكن واجبهم أن يدرسوا الثوابت في دور سوريا في لبنان، وأولها حرمان أي طرف أياً كان من أن يصل بسلاحه أو بنفوذه ومصادر تمويله إلى موقع قوة يسمح له بالإخلال بتوازن القوى في لبنان . وأعرف أنه هو نفسه الثابت الأهم بين ثوابت دور السعودية في لبنان .

يبقى من الضروري أن نعرف إن كان السوريون والسعوديون قد توصلوا إلى قناعة مشتركة بأن خللاً في توازن القوة اللبناني قد وقع فعلاً، وإن كان هذا الخلل يستوجب إصلاحه فوراً، وإن كانت سوريا مستعدة للتدخل لإعادة التوازن إلى نقطة توازنية جديدة، وإن كان الوضع الإقليمي والدولي مهيأ لهذا التدخل .