محمد عبيد
الوقائع والأحداث المتشابهة التي نشهدها في مصر وتونس، وإن اختلفت في التفاصيل، إلا أنها تدق النواقيس، محذرة من تكرار حالات العنف المجتمعي والطائفي، بما يضع نسيج المجتمع الذي طالما ظل عصياً على التمزيق والاختراق في مهب ريح التفتيت، وبث سموم التفرقة والتشظي، والنفخ في رماد صراعات اندثرت منذ زمن .
ما الذي نراه في تونس، وما الذي نشهده في مصر؟ هما مشهدان متقاربان من حيث الفكرة، مختلفان في ترجمتها، ففي مصر فُتح الباب، أو تُرك مشرعاً لا فرق، ليدخل التطرف والشحن الطائفي بكل سهولة إلى قلب المجتمع، ويبدأ جذب خيوط التوتر والصدام، مستفيداً من وجود من ldquo;يرخيrdquo; الأذن لسماع أكاذيبه وتحريضه، ومن يرفع السلاح بأي من أشكاله في وجه أخيه .
قوى كثيرة تتنازع الوضع في مصر، وتحاول النفاذ إلى مجتمع طالما كان عصياً على الاختراق، فهناك بالدرجة الأولى، العدو الأكبر على الباب، ldquo;إسرائيلrdquo; وكل من يضع مصلحتها فوق أية مصلحة، وهؤلاء المتربصون شراً بالشعب المصري، لن يوفروا وسيلة لإضعاف أو ضرب التجربة الوليدة في مقتل، فماذا إن كانت الوسيلة ldquo;جاهزةrdquo;، وهناك المتشددون الساعون إلى جر البلاد إلى مربع نظام شمولي إقصائي جديد، وإلى جانب ذلك بقايا نظام سابق وساسة يحاولون العودة إلى الساحة، وإضافة إلى ذلك كله هناك قوى دولية خسرت مواقعها في البلاد، فإذا هي أمام أحد خيارين، مخطط اختراق جديد يكلفها الوقت الطويل والمال الوفير، وقد لا ينجح في النهاية، أو ضرب المجتمع من الداخل بتشجيع المتطرفين الدينيين على العنف، بالاستفادة من وجود بعض المأزومين .
العنف الذي صدمنا بصوره القادمة من مصر، أرض ldquo;الناس الطيبينrdquo; الذين سطروا تاريخاً مشرقاً على صعيد العلاقات والتعايش الإسلامي - المسيحي داخل مجتمعهم، يستدعي مجدداً التحذير من مخاطر تفتيت المجتمع بهدف سرقة مصر الثورة، ومصادرة إرادتها، وحق شعبها في تقرير مصيره، من خلال تشجيع فئات طالما اقتاتت على دماء الناس .
في تونس تتكرر محاولات متطرفين دينياً لسرقة إنجازات الشعب الذي ما تخلص بعد بالكامل من شمولية الحزب الواحد، وجوقة القمع ومصادرة الحقوق والحريات تحت أكثر من مسمى وذريعة، المشهد ذاته تكرر أكثر من مرة مثلاً على مستوى الجامعات، مجموعة من المتطرفين يقتحمون جامعة، وطبعاً خبر مكرر يفيد ذات المعنى، ومن ثم مجموعة من المتطرفين تهاجم قناة تلفزيونية خاصة وتحاول إغلاقها بالقوة، وماذا نتوقع بعد كل الذرائع والحجج التي ساقها هؤلاء، والتي إن كانت محقة، إلا أنها لا تؤخذ بالذراع والترهيب .
على المصريين والتونسيين الارتقاء إلى مستوى الأحداث، والتسامي عن كل ما من شأنه ضرب وحدتهم الوطنية، كون التجربة ما زالت في بدايتها، والمتربصون المترقبون الساعون إلى ضربها كثر، وهم في الداخل أشد وطأة، كونهم قادرين على النفاذ إلى ضعاف النفوس المتحللين من أي معنى للأخلاق والقيم، والمتمترسين خلف قوالب جاهزة، ورؤى إقصائية، في ظل استقرار هش يمكنهم من اللعب على الوتر الطائفي، وإشعال جبهة ليست موجودة أساساً .
كافح المصريون والتونسيون لإنهاء عصر من ظلام الاستفراد بمصائرهم، وشمولية أنظمة جردتهم من حقوقهم الإنسانية الطبيعية، وقدموا الشهداء في مسيرة طبعتها السلمية، وعدم توجيه السلاح إلى الداخل، وهم الآن بأمس الحاجة إلى تثبيت هذه المبادئ، وكشف الساعين لضرب وحدتهم وطموحاتهم في مجتمع تسوده العدالة والتسامح، ويأخذ كل ذي حق حقه من دون استقواء بجهة أو طائفة، أو رؤية مبنية على إقصاء أي من عناصر النسيج المجتمعي المتجانس، حتى لا تصبح الثورة السلمية الشعبية الراقية عرضة للسرقة .
