حازم صاغية

ربّما باستثناء أفغانستان، تقف الصومال حالة quot;طليعيّةquot; في التدليل على معنى العيش بلا دولة، وعلى مخاطر استخدام قضايا التحرير والإيديولوجيّات الكبرى العابرة للأوطان كغطاء للولاءات الفعليّة (الطوائف والإثنيّات والعشائر) وللنزاعات الأهليّة المفتوحة.


فمنذ انهيار الحكومة الاستبداديّة والعسكريّة لمحمّد سيّاد برّي، في 1991، يعيش ذاك البلد وضعاً هوبزيّاً حيث الكلّ يقاتل الكلّ.
لكنْ كيف اندفعت الصومال إلى هذا المآل الذي وجد تتويجه بموت مليون إنسان قضت عليهم الحروب وفتك المجاعات والأمراض المصاحبة؟ وما هو دور سيّاد برّي في التأسيس للكارثة اللاحقة؟

لقد كانت الصومال كناية عن محميّة بريطانيّة ومستعمرة إيطاليّة. وفي 1960 دُمج الشطران وولدت الدولة المستقلّة. منذ ذاك التاريخ لم يهدأ التوتّر في العلاقة مع الجيران الثلاثة، الإثيوبيّين والكينيّين والجيبوتيّين، بسبب طموح الصومال في ضمّ أراضٍ من تلك الدول تسكنها أقليّات إثنيّة صوماليّة. فحين استولى سيّاد برّي على السلطة حوّل مسألة quot;تحريرquot; الأراضي إلى قضيّة يهرب عبرها من فشله في بناء دولة ومجتمع. ولهذا الغرض استخدم الإيديولوجيا والتحالفات الخارجيّة على نحو بالغ الانتقائيّة والانتهازيّة فكان يتقافز يميناً ويساراً بما يخدم مجتمعه العسكريّ والاستبداديّ، أو ما يظنّه كذلك.

والحال أنّ سيّاد برّي أعلن، في 1970، بُعيد انقلابه العسكريّ الذي قُتل بنتيجته الرئيس الشرعيّ شارماركي، إقامة quot;دولة اشتراكيّةquot; وبناء علاقات وثيقة مع الاتّحاد السوفييتيّ، مستفيداً من ظروف الحرب الباردة عهد ذاك. وبعد سبع سنوات، وبعون السلاح السوفييتيّ، حاولت الصومال الاستيلاء على إقليم أوغادين الإثيوبيّ بحجّة quot;تحريرهquot;، إلاّ أنّ السوفييت انحازوا للنظام الإثيوبيّ الذي كان، هو الآخر، سوفييتيّ الهوى واشتراكيّاً. هكذا انهزمت الصومال، وراح سياد برّي يضمّد جروحه، منتقلاً إلى المعسكر الغربيّ! على أنّ استبداده quot;الرأسماليّquot; لم يختلف عن استبداده quot;الاشتراكيّquot;، كما أنّ قمعه للمعارضين، لاسيّما منهم الإسلاميّين، لم يفتر. وعلى العموم انهار نظامه في 1991 بانقلاب عسكريّ نفّذه ضبّاط ينتمون إلى عشائر منافسة. بيد أنّ هؤلاء فشلوا فشلاً ذريعاً في إقامة نظام مستقرّ والحدّ من نزاعات العشائر. فالجزء الشماليّ الغربيّ من البلاد أعلن من طرف واحد استقلاله تحت مسمّى جمهوريّة أرض الصومال من دون أن يحظى باعتراف العالم الخارجيّ. هكذا انفلت التفتّت من عقاله، وعلى النحو هذا استمرّت الأمور حتّى 2000، حين تمكّن quot;حكماءquot; العشائر من تعيين عبد القاسم صلاد حسن رئيساً للجمهوريّة في مؤتمر عقدوه في جيبوتي. وبالفعل أنشئت حكومة انتقاليّة بهدف إحداث مصالحة وطنيّة. لكنْ مرّة أخرى، كان الفشل حليف هذه المحاولة، ومجدّداً، في 2004، وبعد محادثات طويلة ومضنية، تمكّن أمراء الحرب من توقيع اتّفاق يقضي بإنشاء برلمان جديد يتولّى اختيار رئيس جديد للجمهوريّة.

وعلى رغم أنّ هذه كانت المحاولة الرابعة عشرة منذ 1991 لتكوين حكومة وطنيّة جامعة، فإنّ النجاح لم يبد سهلاً فيما العراقيل والشروط العشائريّة ظلّت لهذه الحكومة بالمرصاد. واستفاد الإسلاميّون، الذين كبتهم وقمعهم سيّاد برّي، من هذا الفشل، فاستولوا في 2006 على معظم الجنوب بما فيه العاصمة مقديشو وتخلّصوا من أمراء الحرب، تماماً كما سبق لـquot;طالبانquot; أن فعلت في أفغانستان بتخلّصها من قادة quot;المجاهدينquot;.

لقد أقام الإسلاميّون، من خلال quot;اتّحاد المحاكم الإسلاميّةquot;، حكماً متزمّتاً ومهتزّ الأركان استمرّ أشهراً وانتهى بغزو القوّات الإثيوبيّة الصومال مدعومة من الولايات المتّحدة. فبموجب تطبيق quot;اتّحاد المحاكمquot; للشريعة، رُجمت النساء حتّى الموت بتهمة الزنى كما بُترت أيدي المتّهمين بالسرقة ومهرّبي المخدّرات. وفي بعض المناطق مُنع الصوماليّون من مشاهدة مباريات كرة القدم وأفلام السينما الغربيّة على أنواعها.

ومع دخول الجيش الإثيوبيّ استمرّ الإسلاميّون في القتال ضدّ احتلالهم إلى أن أحكموا سيطرتهم مجدّداً على الجنوب في أواخر 2008، تحت مسمّى quot;الشبابquot; هذه المرّة. وإذ انسحبت القوات الإثيوبيّة في مطالع 2009 استأنف quot;الشبابquot; تقدّمهم العسكريّ منتزعين بيداوه من القوّات الحكوميّة. وبدوره فإنّ البرلمان الذي انعقد في جيبوتي مدّد سنتين أخريين للحكومة الفيدراليّة الضعيفة واختار لرئاسة الجمهوريّة الإسلاميّ المعتدل، الذي سبق أن كان مقاتلاً إسلاميّاً راديكاليّاً، شيخ شريف شيخ أحمد. وعلى الطريقة الصوماليّة مضت الحكومة من ضعف إلى ضعف، وفي مايو 2009 هاجم الإسلاميّون مقديشو دافعين الرئيس شيخ أحمد إلى طلب العون الخارجيّ. لكنْ بعد أشهر قليلة صلّب quot;الشبابquot; مواقعهم كأقوى الأطراف المسلّحة في البلاد، وذلك بنجاحهم في طرد منافسهم الأبرز quot;حزب الإسلامquot; من مدينة كسمايو الجنوبيّة. بعد ذاك جدّدوا الزحف على العاصمة، لاسيّما وقد أكسبتهم انتصاراتهم الجرأة لإعلان ارتباطهم الصريح بـquot;القاعدةquot;.

وقد استقرّ صورة الصومال راهناً على استيلاء quot;الشبابquot; على معظم المناطق الجنوبيّة والوسطى، فيما تُرك للحكومة الشرعيّة أن تفرض سلطتها المهتزّة على العاصمة مقديشو وبضع مناطق صغرى تحيط بها.

لقد ظلّت السلطة المركزيّة دوماً أضعف الأطراف المتنازعة، وكان ممكناً لـquot;الشبابquot; إسقاطها لولا دعم رواندا وبوروندي من ضمن قوّات سلام إفريقيّة. والمعروف أنّ دول أفريقيا تحاول دفع الأمم المتّحدة إلى التدخّل، لكنّ كارثيّة النتائج التي أفضى إليها التدخّل العسكريّ الأميركيّ في 1992 لا تزال تردع عن تكرار المحاولة.

وكما في التسعينيات حين استفادت quot;القاعدةquot; من فشل الدولة الصوماليّة وتعثّرها فأنشأت لها وجوداً عسكريّاً هناك، كان الحال مع القراصنة الذين تحوّلوا، في السنوات القليلة الماضية، مصدر تهديد للملاحة الدوليّة.

ولم يكن ينقص الصومال إلاّ غضب الطبيعة. وبالفعل سجّل العام الحاليّ أسوأ جفاف في ستّة عقود. وهو ما دفع ملايين السكّان إلى حافّة المجاعة متسبّباً بهرب عشرات آلاف الصوماليّين إلى كينيا وإثيوبيا بحثاً عمّا يقتاتونه. لكنّ quot;الشبابquot; الذين يتحالفون مع غضب الطبيعة، ماضون في عرقلة نشاط المنظّمات التي تقدّم الدعم الطبّيّ والغذائيّ للسكّان في محاولة للحدّ من انتشار المجاعة.

وعلى العموم، هي لوحة بالغة الكآبة، بعض تفاصيلها يشبه بلداناً عربيّة قريبة من الصومال أو بعيدة عنها.