بسام البدارين
لو أن أحدا ما في مؤسسة النظام فكر يوما بكلفة التجاذب الذي ظهر في البلاد عامي 2007 و2008 لما وصلنا إلى ما وصلنا إليه اليوم من تشكيك بالنظام ودعوات لإسقاطه ومسافة لا يستهين بها إلا خصم بين مؤسسات القرار والناس.
ولو إستجاب صناع القرار للدعوات التي طالب أصحابها - كاتب هذه السطور بينهم- بالحد الأدنى بالتوقف عند تجربة العام 2007 وقراءتها لما توالدت الأسئلة بدون إجابات في وجدان الشارع الأردني ولما إستمعنا لتلك الهتافات الحارة التي تجرح وجدان الأردنيين وهي تطالب بإسقاط نظامهم.
من يطالب اليوم بإسقاط النظام هم مواطنون أردنيون بسطاء محبون لبلدهم تعرضوا للظلم من موظفين صغار ولم ينصفهم أحد وليسوا سياسيين لهم اجندة مخطط لها ومدعومة من أي جهة خارج او داخل البلاد.
هؤلاء بصرخون طلبا للإنصاف ولديهم حقوق إنتهكت ومصالح تعرضت للمساس وليسوا عملاء أو {مندسين}.
هم صناعة محلية بإمتياز لماكينة الظلم التي إستهدفتهم بإسم النظام والمؤسسة ولا علاقة بينهم وبين محمد مرسي ولا بينهم وبين التنظيم الدولي للأخوان المسلمين الذين بقوا حلفاء النظام والدولة ولديهم مساهمات لا ينكرها إلا جاحد في الحفاظ على الأمن والإستقرار.
لا يمكن بحال من الأحوال معالجة إنطلاق صرخات تؤذي الأردنيين ولا تمثلهم تطالب بسقوط النظام بالتعسف الأمني ولا بإحياء دور محكمة أمن الدولة ولا بالمطاردة والإعتقال والتوقيف والترويع الأمني فكل معتقل لديه أم وأب وعائلة وعشيرة وأصدقاء سيسارعون بدورهم لرفع حرارة الهتاف نصرة لأولادهم بعدما أستمعت الماكينة الرسمية لصراخهم في قراءة أمنية ضيقة الأفق فقط.
من يقوض النظام لا يمكنه أن يكون ذلك الطفل الذي تسلى الدرك بإعتقاله وهو يهم بزيارة منزل جده في مدينة الزرقاء أو ذلك الطفل الذي خرج في تظاهرة تطالب بالإصلاح.
ومن يقوض النظام ليس الراشدين في المعارضة ولا أحمد عبيدات ولا ليث الشبيلات..من يقوضه بإختصار وصراحة هم الفاسدون وأصحاب الأجندات والمصالح الذين لا مكان لهم في دائرة الإصلاح والديمقراطية والكلاسيكيون أعداء الحرية والتعبير والفهلوية الذين تكاثروا داخل المؤسسة والمتسرعون المراهقون الذين سلقوا التعديلات الدستورية أو إسترسلوا في لعبة تحذير النظام من التغيير والإصلاح..هؤلاء هم من يقوضون النظام وليس الأطفال الذين خرج معظمهم للمشاهدة في الشارع فأحيل بعضهم لمحكمة إستثنائية لم يعد من حيث المبدأ يشكل وجودها أمرا لائقا بحق الأردنيين.
الذهنيات التي تعيش في الماضي وتتمترس بالحرس القديم وتعارض الشفافية وتؤمن بالنظام الأبوي الشمولي وبالإعلام البائس الذي ينتمي للعصور الوسطى هي نفسها الذهنيات التي تقوض النظام وتسحب رصيده بسرعة لا يقوى عليها حتى ألد أعداء النظام وخصومه شراسة وقدرة.
والعقليات المتكلسة التي تحترف تخويف الدولة من سقوط النظام بيد الأخوان المسلمين أو الفلسطينيين في حال حصل الإصلاح وتجذرت الديموقراطية هي التي تتآمر على مستقبل نظام الحكم الأقدم اليوم في العالم في بلد لم يعان سابقا من مشكلة بين شعبه وحكامه.
..مرة أخرى لو أن المواطن الصالح والمعتدل جدا صاحب الإبتسامة الرائقة والكلمة الهادفة المسؤولة أخلاقيا الشيخ سالم الفلاحات وجد من يستمع له عام 2007 عندما حذر من عمليات التزوير الفاضح للإنتخابات آنذاك لما رصدنا هذا الشيخ الجليل في حالة متشددة تريد إجبار النظام على تغيير إستراتيجيته الإصلاحية.
ولو فكر علية القوم بتوفير وسيلة للتواصل والإتصال بالمخضرم أحمد عبيدات والإستماع لتحذيراته التي اطلقها عام 2007 بإعتباره رمزا من رموز النظام والدولة لا مجال للمزاودة عليه لكان الرجل يلعب دورا إيجابيا في إستخدام ثقله الوطني لصالح النظام ومواجهة الإحتقان.
ولو ان ضابط الأمن الذي حقق مع أحد كبار السلفيين في نفس ذلك العام إلتزم بقواعد الإستجواب المهنية والقانونية والأخلاقية لما وجد التيار السلفي الجهادي مكانا بارزا بين جمهور أهل مدينة معان.
ولو إستخدم سكان الطبقات العليا في مؤسسات القرار الأردنية عقلهم لدقيقة واحدة فمنعوا الإسترسال في الإبتذال الذي يمارسه الإعلام الرسمي وهو يحرض على المعارضة لما إكتشف المواطن الأردني اليوم بان الحافلة الوحيدة التي تستحق أن يركب فيها هي حافلة الأخوان المسلمين.
بصراحة : لو أن صحيفة مملوكة للدولة مثلا توقفت عن حملتها الغريبة عام 2005 ضد القيادي الشاب في المعارضة الإسلامية زكي بني إرشيد لما أصبح الرجل بفضل حملة الصحيفة في ذلك الوقت أمينا عاما لأهم الأحزاب في البلاد.
ولو أن الصحيفة نفسها لم تكرر الخطأ نفسه عام 2011 لما إنتخب صاحبنا نائبا للمراقب العام في جماعة الأخوان المسلمين.
رموز النظام وبعض مؤسساته تقول يوميا للأردنيين وبكل لغات الكون: لم أعد نظامكم الذي تعرفونه..لذلك حصريا نستمع لحراكي من وزن جمال طاهات وهو يؤكد بان الأردنيين توقفوا عن الشعور اليوم بأن تعبيرهم السياسي ممكن في ظل النظام بوضعه الحالي.
مرة أخرى واخيرة نقول: من إخترع وحش الفساد هو السلطة وبرلمانها المزور هو الذي أوحى للمواطنين بأن كل شيء في البلاد فاسد عندما شكل دفعة واحدة 42 لجنة نيابية للتحقيق في ملفات الفساد إمتلأت بالكيدية والشخصنة لكي تزيد السلطة نفسها الأمر تعقيدا وهي تحل هذه اللجان وكأنها لم تكن.
ونقول: لا يمكن مطالبة المواطن الأردني بالرجوع لمنزله ومغادرة الشارع وتجنب الإستماع للمعارضة ما دامت أسئلة الفساد معلقة ولم تحظ بعد بالإجابة الشافية والمقنعة. وكان يمكن للشعب أن يصبر على الجوع لو شاهد ممثلا حقيقيا عنه في مؤسسات القرار بدلا من لاعبين يتم تدويرهم كالبيادق ولا أحد يعرف كيف ولماذا يتم إختيارهم وكيف ومتى ولماذا يتوقف هذا الإختيار ليدخل للساحة لاعبون بدلاء من نفس الفصيلة؟.
أحد الأصدقاء طلب مني تحديد إسم ولو شخصية واحدة فقط {مثقفة} ويعتد بها تعمل اليوم في دوائر القرار العليا وتحديدا في أهمها..بصراحة وللأسف فشلت في المهمة.
لذلك لا يمكن إصلاح الموقف قبل الإعتراف بالأخطاء فالشعب المسحوق الجائع المظلوم المكتوي بنيران الفساد اليوم لا يصغي لدعوات الفتنة ولا يهتم كثيرا بشعار إسقاط النظام وكل ما يطالب به وينشده قليل من الأدلة على مصالحة بعد مصارحة شفافة وجريئة وإصلاح حقيقي يخلو من لف ودوران الساسة والبيروقراطيين.
الأردن..هل نعترف بالخطأ؟
هذا المقال يحتوي على 862 كلمة ويستغرق 5 دقائق للقراءة
