رغيد الصلح
في الدول الأطلسية حركة تنقيب وتقص واسعة النطاق هدفها الكشف عن خطايا فلاديمير بوتين ونقائصه وارتكاباته . هذه الحملة جعلت البعض يقارن بين نمط العلاقات الروسية - الأطلسية الراهنة، من جهة، وبين النمط الذي كان يسود العلاقات بين الكتلتين الشرقية والغربية أيام الحرب الباردة، من جهة أخرى . من يتابع هذه الحملة يلاحظ أنها، من وجهة نظر أطلسية، بحتة، حققت بعض أهدافها وحددت عدداً من الخطايا التي تصلح أساساً لخوض حرب استنزاف ضد العهد البوتيني الجديد . فما هي هذه الخطايا؟
الخطيئة الأولى أن بوتين هو غير بوريس يلتسين، الرئيس الروسي الأسبق . لقد أطلقت الانتخابات الرئاسية الروسية موجة حنين ونوستالجيا واسعة إلى أيام يلتسين وإلى عهده الرئاسي . كان يلتسين الرئيس - الحلم لدى الأوساط الأطلسية المتشددة . فعند الأطلسيين النيوليبراليين أن الدولة الأقل والأصغر هي الدولة الأفضل، ويلتسين كان أعظم مترجم لهذا الشعار، فقل أن تضاءلت دولة في حجم روسيا وعظمتها كما صغرت روسيا وانكمشت أيام يلتسين . كان حكام الاتحاد السوفييتي يحكمون نصف العالم من الكرملين، فباتت حدود الدولة الروسية في أيام يلتسين لا تتجاوز حدود الكرملين . لهذه الإنجازات يستحق يلتسين، في نظر الأطلسيين، التكريم والتعظيم بدلاً من الأبلسة التي تمارسها بحقه الأجهزة الروسية الإعلامية . أما الذي يستحق الأبلسة والشيطنة فهو بوتين الذي يعمل على تخليص روسيا من التراث اليلتسيني، والذي يصور الفترة التي ترأس فيها روسيا وكأنها مرحلة ظلامية لا مثيل لها في التاريخ الروسي .
الخطيئة الثانية التي ارتكبها بوتين لم تبدأ اليوم، بل بدأت بعد فترة قصيرة من دخوله الكرملين العام 1999 . لقد أصبح بوتين رئيساً لروسيا بدعم من فئات متعددة كان منها نفر من ldquo;الأوليغاركيينrdquo; الروس . وكانت لهؤلاء كلمة كبيرة في تسيير روسيا أيام يلتسين خاصة، بسبب العلاقات المالية المشبوهة مع عائلة يلتسين وابنته . وعندما انتخب بوتين للرئاسة، تصور الأوليغاركيون الذين نهبوا الخزينة الروسية أنهم سوف يتمكنون من مواصلة حكم روسيا والتصرف بأموالها مثلما كانوا يفعلون خلال مرحلة يلتسين . ولكن حسابات هؤلاء كانت خاطئة، إذ إن بوتين عمل على إبعادهم بسرعة عن المراكز النافذة في السياسة والاقتصاد، وأحال إلى القضاء وإلى التحقيق كل من حامت الشبهات حول مخالفاته الفاضحة للقانون .
تحوّل هؤلاء الأوليغاركيون من حلفاء إلى أعداء . وهرب البعض منهم إلى دول أوروبا الغربية، ومن هناك بدأوا حملة التنقيب عن خطايا بوتين . وسخّروا لهذه الحملات الشبكات الإعلامية والسياسية المؤيدة ل ldquo;إسرائيلrdquo;، خاصة أن بعضهم مثل بيريزوفسكي وغوسنسكي كان يحمل الجنسية ldquo;الإسرائيليةrdquo; .
خطيئة بوتين الثالثة هي أنه اتبع سياسة حماية القطاعات الإنتاجية الاستراتيجية الروسية (النفط، الإعلام، الصناعات الحربية) من الهيمنة الخارجية . تمثلت أداة هذه الهيمنة بrdquo;الأوليغاركيينrdquo; المتحالفين مع القوى النافذة في دول الأطلسي ومع ldquo;إسرائيلrdquo;، وتمكن البعض منهم مثل أركادي ديداماك وغوسنسكي من بسط هيمنتهم على حيز واسع من قطاع الإعلام في روسيا، ومن تسخير الشركات الإعلامية التي أسسوها لخدمة دول الغرب وrdquo;إسرائيلrdquo; على حساب المصالح الروسية الوطنية . وعندما حارب بوتين الأوليغاركيين بسبب ارتكاباتهم المالية والسياسية، تمكّن من عرقلة المخططات التي أعدت للهيمنة على الفضاء الروسي بأسره . . هذا العمل عُد خطيئة كبرى من خطايا بوتين .
الخطيئة الرابعة لبوتين هي أنه تمكن من إعادة ثقة شريحة واسعة من المواطنين والمواطنات بالدولة الروسية بعد أن فقد هؤلاء ثقتهم بها . تم ذلك عن طريق تحسين أداء الحكم وإعادة الاستقرار إلى البلاد وتشجيع الاستثمار فيها، فخلال عقد واحد من الزمن شهدت روسيا نهوضاً في العديد من القطاعات . وكما تقول الإحصاءات التي نشرتها مجلة ldquo;الإيكونوميستrdquo; (3-3-2012)، تضاعف متوسط دخل الفرد مرة ونصف المرة، وتضاعف عدد مالكي المنازل والسيارات الخاصة، وتضاعفت نسبة مستخدمي خدمات الإنترنت 20 مرة تقريباً . هذا التطور جعل المواطنين يتطلعون إلى الدولة لكي تحقق حاجاتهم ومطالبهم، وليس إلى جهات خارجية لتلبية هذه الأماني .
الخطيئة الخامسة التي ارتكبها بوتين هي أنه عمل على استعادة وحدة البلاد وعلى توسيع سلطة الكرملين بحيث باتت تتجاوز الساحة الحمراء . فأيام يلتسين لم يكتف الأطلسيون بتفكيك الاتحاد السوفييتي إلى 14 دولة، وتوسيع الحلف الأطلسي بضم عدد كبير من دول أوروبا الشرقية إليه، وإنما استمروا في عملية التفكيك والتجزئة ربما وصولاً إلى شطب روسيا من الخريطة الدولية كلياً كما حدث لبولونيا عندما جرى تقاسمها بين دول أوروبا الكبرى . وكان من بين المخططات التي جرى البحث فيها في واشنطن ومع بعض الزعماء الروس الذين خرجوا إلى الوجود أيام يلتسين، أن يتم بيع سيبيريا إلى الولايات المتحدة . وكان على بوتين، عندما وصل إلى الرئاسة الروسية أن يضع حداً لهذه المشاريع، وأن يعزز وحدة بلاده .
الخطيئة السادسة التي ارتكبها بوتين هي سعيه إلى استعادة مكانة روسيا الدولية . لقد تبنى بوتين مشروع ldquo;الاتحاد الأوراسيrdquo;، ويهدف هذا المشروع إلى إقامة تكتل إقليمي على غرار الاتحاد الأوروبي يضم سائر الجمهوريات التي كانت تشكل الاتحاد السوفييتي . ولقد تشكلت، بالفعل نواة لهذا الاتحاد تضم روسيا وكازاخستان وبيلوروسيا . إذا قام الاتحاد الأوراسي فإنه سوف يعزز دور روسيا الدولي، ولكن حتى من دون الاتحاد، فإن أمام موسكو فرصة كبرى لكي توطد مكانتها إذا تمكنت من تطوير اقتصادها وتوطيد النظام الديمقراطي فيها . عندها يكون بوتين قد ارتكب أكبر الخطايا وأعظم الكبائر
