علي بن طلال الجهني
في كتاب الشاعر الكبير خليل مطران laquo;مرآة الأيام... في ملخص التاريخ العامraquo; الصفحة (98/ 99)، * يروي حكاية laquo;طروادةraquo; التي نقتبس منها:
laquo;ولكن بين الحوادث المحكية عن تلك الأيام (1184 قبل الميلاد) حادثة صحيحة، وهي الحرب الأولى التي وقعت بين إغريقيا وآسيا. وكانت في ذلك العهد طروادة عاصمة مملكة قوية واقعة في الشمال الغربي من آسيا الصغرى... وكانت بين أهل هذه المملكة وبين أهل إغريقيا عداوة... واتفق أن باريس أحد أبناء بريام ملك طروادة، نزل ضيفاً على منيلاس البيلوبونيزي ملك سبارطة (اليونانية)، فتعشق امرأته هيلانة وفرّ بها، فأثّرت هذه الخيانة في جميع اليونانيين، فتحزبوا لمنيلاس وتألبوا يداً واحدة للانتقام له، فجمعوا من العدة ما استطاعوا، ونزلوا على شواطئ بلاد طروادة... واستمر اليونانيون... عشر سنين وراء أسوار العاصمة، ولم يقاتلوا أعداءهم قتالاً يذكر، وكان هؤلاء متحصنين في المدينة... لا يبالون ولا تنفد مؤونتهم... غير جزعين، فيئس (اليونانيون) واحتالوا عليهم بأن تظاهروا بالنكوص على أعقابهم، وتركوا حصاناً مصنوعاً من الخشب ذا ضخامة عظيمة كأنه قربان منهم لآلهة أعدائهم، فأدخله الطرواديون إلى مدينتهم، وكان في داخله خيرة أبطال اليونان، فخرجوا منه واستولوا على المدينة، وقتلوا بريام تحت مذبح أحد الهياكل، وأسروا امرأته وبناته، ثم عاد الأمراء (اليونانيون) إلى بلادهم...raquo;.
وكانت laquo;طروادةraquo; بالنسبة إلى أرباب العنف من التكفيريين من العرب والمسلمين في البدء تحرير فلسطين، حتى وإن سبقهم إلى ركوب ذلك الحصان من تولوا السلطة من طريق الانقلابات العسكرية. وهو الحصان نفسه المزور الذي ما زال النظام الفاشيستي السوري المستبد وحلفاؤه في لبنان وخارج لبنان يركبونه، ومن على صهوته يغنون أغاني laquo;مقاومةraquo; الاحتلال.
غير أن التكفيريين، ومنذ مستهل هذا القرن والتقدم الهائل في تقنيات الاتصال والتواصل إلكترونياً وجدت laquo;طروادةraquo; مستحدثة، وهي أية إساءة إلى الإسلام بأي شكل من الأشكال، حتى لو كانت الإساءة مغمورة، ومرتكبها laquo;مهبولraquo; تافه غير معروف، وبمجرد أن يُعرف عنها، حتى لو سبقها ما هو أسوأ منها، تسابق من لهم مصلحة سياسية في امتطاء حصانها.
ومع أنه لا بد من استنكار كل ما يسيء إلى الإسلام بطريقة هادئة متناغمة مع أهمية مرتكبها، فإن الاحتجاج المبالغ فيه من طريق تظاهرات دموية فوضوية، هي أفضل أداة تشجيع للمسيئين لبث المزيد من الإساءات.
ولا خلافَ بين المراقبين، وبسبب سهولة تأليف وكتابة سيناريوات الإساءة بأشكالها كافة، وبسبب تدني تكاليف نشرها من طريق laquo;الإنترنتraquo;، وما ولد منها من وسائل التواصل الاجتماعي، فإنها لا محالة ستتكاثر ما دام هناك عدد كبير من الناس يحتج ضدها، فينشرونها من حيث لا يدرون، ويوجدون لها جمهوراً عالمياً ضخماً لم يسمع له من ذي قبل، عن الإساءة ولا عن مقترفيها.
وهذا لا يعني أبداً أن كل من تظاهروا من التكفيريين الدمويين، فرد الفعل المتوقع والبديهي أن يستاء ويتألم كل مسلم وكل عربي، حتى لو لم يكن مسلماً من الإساءة للإسلام، ولكنه يعني أن المستفيد الأهم من أفعال من يوظفون العنف هم بالدرجة الأولى أعداء العرب والمسلمين في الغرب والتكفيريون الإرهابيون وقادتهم الفكريون.
أما قتلة السفير الأميركي المحب للشعب الليبي وللعرب إجمالاً في laquo;بنغازيraquo;، فهم فلول القاعدة بكل وضوح، وهو اغتيال مخطط له بعناية، بحيث يتم تنفيذه في يوم (11/ 9) المشؤوم، ولا علاقة لاغتياله بذلك الفيديو المسيء.
فقبل بضع سنوات، كتب أستاذان جامعيان يهوديان من أساتذة أرقى جامعات أميركا في دورية جامعية بريطانية محترمة مقالاً مفصلياً مهماً عن سيطرة laquo;الإيباكraquo; على سياسة أميركا الخارجية، مبينان وموضحان ما ألحقه هذا التحيز من أضرار جسيمة بمصالح أميركا الوطنية العليا في العالمين العربي والإسلامي.
فماذا فعل laquo;اللوبيraquo; الإسرائيلي المؤثر في أميركا laquo;الإيباكraquo;؟ وماذا فعلت حكومة إسرائيل؟
لا شيء.
فهم يعرفون أن أي رد على ذلك المقال المتقن، دع عنك التشكيك في قدرة أو حيادية كاتبيه، الذي لم يجد مؤلفاه وسيلة إعلامية أميركية مؤثرة تجرأت على نشره، سيؤدي - لا محالة - إلى انتشاره.
ويجمع المتابعون الأميركيون وغيرهم على أن غزوات القاعدة في (11/9/2001)، هي التي أعادت انتخاب أسوأ رئيس في تاريخ أميركا في عام (2004).
وعسى أن يتذكر كل ذي عقل من المسلمين والعرب مدى الضرر الذي سببته تلك الغزوات المشؤومة، وليس أقلها إعادة انتخاب المحافظين laquo;المجددينraquo; على العرب والمسلمين كافة.
وأخشى ما نخشاه، أن يكون الدافع وراء التأكد من نشر هذا الفيديو السخيف في اليوتيوب، وما هو متوقع مما سيثيره في نفوس المسلمين كافة، هو إعطاء فرصة أكبر - ولو بنسبة ضئيلة - لاحتمال فوز الانتهازي رومني، وهزيمة المعتدل أوباما.
* دار نظير عبود، طبعة 1996.
