باريس

صرامة الموقف الفرنسي في مفاوضات إيران مع الدول الست، وتراجع دور وحضور أميركا في الشرق الأوسط وتداعيات ذلك على الواقع الإقليمي، وجديد توجهات القيادة السياسية الصينية، موضوعات ثلاثة استقطبت اهتمام الصحافة الفرنسية.

فرنسا والنووي الإيراني

نشرت صحيفة لوموند تحليلاً سياسياً تحت عنوان laquo;النووي الإيراني: فرنسا عنيدةraquo; قالت في بدايته إن كل المؤشرات توحي الآن بأن اتفاقاً بين إيران ومجموعة الدول الست (الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن وألمانيا)، ربما سيكون ممكناً ووشيكاً، وذلك لسببين: الأول، الحملة الإعلامية الواسعة التي يطلقها وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف وما تشيعه من أجواء تفاؤل بشأن النتائج المتوقع أن تتكشف عنها جولات المفاوضات الراهنة حول سبل احتواء وإنهاء أزمة البرنامج النووي الإيراني، بكيفية تستجيب لمطالب المجتمع الدولي الذي تمثله عملياً الدول الست على طاولة التفاوض. والسبب الثاني مدى الاهتمام والانخراط الأميركي الملفت في المفاوضات الجارية مع إيران، وقد حرص وزير الخارجية جون كيري على الالتحاق بها في جولتها الأخيرة بجنيف، مما اضطره في سبيل ذلك إلى قطع جولته في منطقة الشرق الأوسط. ولكن خلال الجولة الأخيرة من المفاوضات ظهرت صلابة خاصة في الموقف الفرنسي عبّر عنها وزير الخارجية لوران فابيوس الذي حرص هو أيضاً إلى المسارعة إلى جنيف مؤكداً معارضته لما قد يراه مفاوضون آخرون على أنه حل وسط، معتبراً أن أية حلول تلفيقية لن تكون أبداً كافية. وأكد الوزير الفرنسي عدم قبوله للمعروض مبدئياً وذلك لأنه لا يستجيب لسقف المطلوب من طرف المجتمع الدولي، بما يضمن تسوية حقيقية لتحدي النووي الإيراني.

واعتبرت الصحيفة أن ما جرى في الجولة الأخيرة من مفاوضات القوى الست مع إيران لا يعني أيضاً استبعاد إمكانية اجتراح تقدم في الجولة المقبلة من التفاوض المقررة في العشرين من نوفمبر الجاري، مذكرة بوجود رغبة حقيقية لدى إدارة أوباما في تسوية مشكلة الملف النووي الإيراني، فمنذ إعادة التجديد للرئيس الأميركي قبل عام من الآن وهو يأمل في تحقيق اختراق ملموس في العلاقات مع طهران، التي تعتبر لاعباً مهماً في العديد من ملفات منطقة الشرق الأوسط. وقد تجددت هذه الراغبة الأميركية مرة أخرى منذ انتخاب الرئيس الإيراني حسن روحاني في شهر يونيو الماضي، وهو مصنف عادة في خانة laquo;المعتدلraquo;. وقد أظهر هذا الأخير أيضاً من جانبه رغبة منذ مجيئه إلى الرئاسة الإيرانية في التوصل إلى كيفية يتم بموجبها تخفيف وقع العقوبات الدولية التي تؤثر بتداعياتها الخانقة على اقتصاد بلاده. ومسودة الاتفاق المعروضة التي وصفها فابيوس بالقصور وعدم الكفاية يرجح أن تكون ثمرة لتفاهمات أميركية إيرانية على هامش مفاوضات جنيف. وقد اعتبر المسؤولون الفرنسيون في هذا السياق أن ما طلب من طهران ما زال غير كافٍ بشكل واضح، خاصة منه ما يتعلق بقضية البلوتونيوم. والحقيقة أن الصرامة تجاه هذا الملف ليست جديدة على فرنسا، تقول الصحيفة، فمنذ منتصف سنوات عقد الـ 2000 ظلت خط موقفها السياسي شديد الصرامة والصراحة تجاه المسألة الإيرانية، على رغم التغيرات السياسية في الزعامة التي عرفها قصر الأليزيه. وهذه المرة أيضاً تبدو قوة الموقف جلية في صرامة دبلوماسية أولاند مقارنة بمرونة وليونة دبلوماسية أوباما. وهذا الافتراق في المقاربتين الدبلوماسيتين بين باريس وواشنطن بات أمراً عادياً، بل هو تحصيل حاصل، خاصة أن شهرين فقط مرا الآن على افتراق مقاربتيهما تجاه سبل احتواء الأزمة السورية.

وتتساءل لوموند إزاء من ينتقدون الموقف الفرنسي الحازم في مواجهة التحدي النووي الإيراني، قائلة: هل حقاً أن فرنسا تعرقل المفاوضات؟ مؤكدة أن ترداد هذا القول لا يخلو من تبسيط فج. بل إن فرنسا تلعب هنا فقط دور الحارس الأمين لقواعد منع انتشار الأسلحة النووية. وهي على يقين من أنه قبل تخفيف العقوبات الخانقة التي دفعت بإيران أصلاً إلى المجيء الآن للتفاوض لابد من الحصول على ضمانات مستدامة تحول بين تلك الدولة وبين صناعة السلاح النووي. وهنا حذرت فرنسا من الانخراط في laquo;لعبة خداعraquo; واستغفال بحسب عبارة الوزير فابيوس. وزيادة على هذا ترفع باريس أيضاً مبرراً مفهوماً آخر وهو أنه يستحيل رفع عقوبات ذات شأن دون إجماع أوروبي. وحتى إن كانت صلابة الموقف الفرنسي يمكن أن تجلب عزلة فإنها تستند إلى أسس معبر عنها بوضوح، وصادرة عن قناعة.

أميركا والشرق الأوسط

ذهب الكاتب بيير روسلين في افتتاحية بصحيفة لوفيغارو تحت عنوان laquo;الشرق الأوسط ما بعد أميركاraquo; إلى أن واشنطن لن تلعب بعد الآن دور الدركي في منطقة الشرق الأوسط، بل إن التوجهات الأميركية الجديدة في المنطقة تمثل في الواقع ثورة من شأنها أن تقلب التوازنات الراهنة القائمة منذ عدة عقود. وحتى إن كان الوقت ما زال مبكراً قبل أن تأخذ بنية المنطقة معمارها الإقليمي الجديد، فإن فالحسابات الاستراتيجية القديمة باتت اليوم هي الموضوعة على المحك. وليس خلواً من المعنى في هذا السياق ما كتبته مؤخراً في صحيفة laquo;نيويورك تايمزraquo; سوزان رايس مستشارة أوباما الجديدة للأمن القومي، حيث حددت أولويات واشنطن في المنطقة في ثلاث نقاط: المفاوضات مع إيران، والمفاوضات بين إسرائيل والفلسطينيين، والبحث عن نهاية أو تسوية للأزمة السورية. والغاية السياسية الأميركية العامة، كما تشرحها، هي عدم مشاغلة الرئيس الأميركي بأزمات شرق أوسطية ضاغطة، في حين أن هنالك تحديات ورهانات في مناطق أخرى من العالم، كما يجري في آسيا مثلاً، تستحق هي أيضاً اهتمامه. والمعنى، طبعاً، أن في العالم مناطق وأزمات واهتمامات أميركية أخرى كثيرة غير الشرق الأوسط.

والآن، يقول الكاتب، ها هي المحادثات وقد عادت مجدداً مع طهران، كواحدة من أولويات السياسة الجديدة، وفي هذه المفاوضات تلتقي الرغبة الأميركية في الانفتاح عند منتصف الطريق مع رغبة روحاني الشديدة منذ انتخابه رئيساً لإيران، في تخفيف وقع العقوبات الاقتصادية على بلاده، مقابل التوصل إلى اتفاق بشأن برنامجها النووي. وتجري الآن مفاوضات توصف بالجدية مع واشنطن وحلفائها لا يستبعد أن تتوصل إلى نتيجة ملموسة.

وفي الأجواء نفسها تتراجع علاقات واشنطن مع بعض حلفائها الإقليميين الآخرين. وقد تكون لاتجاه واشنطن في سياسات ومواقف لا يرتاح لها بعض أهم حلفائها الشرق أوسطيين علاقة بتحولات سوق الطاقة العالمي الأخيرة، خاصة مع تكاثف الجهود الأميركية لتحقيق اكتفاء ذاتي من الطاقة من خلال مضاعفة الإنتاج من الغاز الصخري، مع ما يعنيه كل ذلك من إمكانية استغناء عن استيراد النفط من المنطقة في المدى المنظور. كما أن الدول العربية مستاءة أيضاً من مواقف واشنطن تجاه بعض تحولات ما عرف إعلامياً باسم laquo;الربيع العربيraquo; وما انجرّ عنها من قلاقل ومشاكل إقليمية في بعض الدول التي عرفت تجاذبات هذا الحراك. وفي الأخير رجح الكاتب أن تتجه دول الشرق الأوسط منذ الآن إلى اتباع سياسات تضمن بها أمنها ومصالحها ذاتياً، مع تراجع دور وحضور أميركا في المنطقة، وأن تتكيف هذه الدول مع المتغيرات الدولية الجديدة، دون أن يعني ذلك بالضرورة حلول قوة كبرى أخرى في المنطقة لشغل فراغ الغياب الأميركي المتنامي عن الشرق الأوسط.

تحولات الصين

نشرت صحيفة لوموند افتتاحية بعنوان laquo;بكين تصلح الاقتصاد، لا السياسةraquo;، قالت فيها إن الرجل رقم واحد في الصين كسي جينبينج يوظف التشويق، وينتهج أساليب سياسية جديدة، ففي مساء الثلاثاء الماضي 12 نوفمبر انتظر الجميع دون طائل صدور نتائج الاجتماع غير المفتوح للأعضاء الـ 376 للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني في قصر الشعب ببكين، وهو اجتماع يعتبر الأهم سنوياً في النظام السياسي الصيني. ولكن بدلاً من ذلك في مساء يوم الجمعة 15 نوفمبر، فاجأت وسائل الإعلام الرسمية العالم كله بنشرها لبرنامج الرئيس والأمين العام للحزب الشيوعي منذ نوفمبر 2012، ونشر هذا البرنامج في أكثر من عشرين صفحة. وقد حمل إصلاحات مهمة جديدة للعشر سنوات المقبلة، وهو يمثل عملياً خريطة طريق لفريق القيادة الجديد في الصين، وكلفت بالإشراف عليه لجنة عمل فيها وجوه ممن يعرفون بتوجهاتهم التجديدية الإصلاحية ضمن قيادات الحزب الشيوعي الحاكم. وهذا مؤشر على استمرار سير العملاق الآسيوي في طريق الإصلاحات الاقتصادية، ما قد يثير أسئلة عما يمكن أن يترافق مع ذلك أيضاً من إصلاحات سياسية مستقبلية ممكنة.

إعداد: حسن ولد المختار